غزة : جدار وحصار لهدم "طريق الحياة"

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

 منطقيا ان تنشئ إسرائيل جدارا عنصريا عازلا، كما هو منطقي ان تنشئ منطقة عازلة في اراضي قطاع غزة، ومنطقيا كذلك أن ترفض كل خطط ما يسمى التسوية او السلام الذي تخشى ان يفضي الى نشوء كيان يهدد وجودها برمته.

أمس في القاهرة، أوجزت المعارضة المصرية أمس ما يعنيه الجدار الذي تبنيه مصر على حدود قطاع غزة المحاصر، وقالت ان بناءه مشاركة في عزل غزة لمصلحة إسرائيل.

في السائد العربي تبدو غزة زائدة عن الحاجة، كما هي فلسطين كلها، لذا يحكم على القطاع الرافض للقيد أن يبقى أسير اعتقال يطبق عليه بفكي كماشته وممسكا بتلابيبه، حتى لكأنما الموت أهون عقاب للفلسطيني.

لم يفض حصار إسرائيل لغزة والجدار العنصري في الضفة الغربية المحتلة الا الى مضاعفة الكره الفلسطيني للاحتلال، اذ كانت إسرائيل تعتقد أن الحصار سيؤدي الى تهميش حركة حماس، وتأليب الغزيين عليها ليرفضوا حكم الحركة. ولعل الجدار الفولاذي يثر سؤالا جوهريا عن مآلات أهدافه الحقيقية؟ ان مقاربة الحصار والجدار متحدة في مساعيها ونواياها على الرغم من كل ما يغص به الفضاء من التبريرات لتسويق القبول بفكرة حصار عربي على غزة.

ومن المنطقي أن تهدر إسرائيل وتهدد غزة بعدوان وهي التي تشيع ان ما تسميه ترسانة حماس مكتظة بالاسلحة الإيرانية، فهي كيان محتل لا ينتظر منه الا تسويق مبرراته لضرب المقاومة في مهدها.

الا يشكل الجدار الفولاذي من وجهة نظر القانون الدولي مشاركة في العقوبات الجماعية الشاملة المفروضة على غزة، التي ذهبت محاولات اعادة اعمارها ادراج الرياح، على الرغم من قسوة العدوان الإسرائيلي وتدميره للحياة في القطاع.

في إسرائيل هناك اصوات تقول " احتلالنا بليد بلادة مذهلة بحصاره الذي يمنع دخول مستلزمات تجهيزات المدارس". فماذا يقول العرب في حصارهم وجدرانهم؟!

ألا يتشاطر الجدار والحصار في اذكاء روح المقاومة لتطلق مزيدا من الصواريخ على المستعمرات الاسرائيلية في الجنوب الفلسطيني المحتل؟

هل يعتقد بناة الجدار أنه سيحقق هدفيه المعلن والمخفي، فيما تخفق الخبرة الإسرائيلية في حصار المقاومة ومعاقبتها.

يقول محللون إسرائيليون ان حصار غزة يهدد بزعزعة أمن مصر،  وهو امر يهدد السلام الإسرائيلي معها، لا بل ان هؤلاء يذهبون الى حد القول ان الحصار يهدد أمن إسرائيل.

ترى الا يهدد الجدار الفولاذي أمن مصر ؟! بماذا سيشعر العربي وهو يحاصر عربيا آخر ذنبه الوحيد انه يرفض الاحتلال؟ ان هناك تفوقا اخلاقيا وجرأة في قول محللين إسرائيليين ان حصار غزة يفسد القيم الأخلاقية للإسرائيليين، فماذا عن العرب الذين.

في التاريخ، استمر حصار ألمانيا الهتلرية لمدينة لينينغراد الروسية ألف يوم، وكان حصارا خانقا غايته استسلام المدينة للمحتل، لكنها كانت في غفلة الجيش الغازي تصنع  اسلحة ومعدات حربية وتطورها، بينما استمرت اذاعة لينينغراد في بث برامجها التي شارك فيها كتاب وشعراء وفنانون حضوا اهل المدينة على الصمود.

في مطلع يوليو(تموز) 1942 تلقت لينينغراد المحاصرة مخطوطة السيمفونية السابعة للموسيقي العالمي دميتري شوستاكوفيتش، فعزفتها فرقته في الميادين العامة وبثتها اذاعة المدينة لتلهب في السكان جذوة الصمود والمقاومة. كانت لينينغراد محاصرة بالقوات الالمانية من اليابسة، لكن بحيرة "لادوغا" كانت وما تزال طريقا مائيا وحيدا يربط المدينة بالبر الروسي او كما يقول الروس "الارض الكبرى". اطلق الروس تسمية "طريق الحياة" لان الشتاء القارس كان يوفر ممرا ضيقا بطول البحيرة لتجتازه امدادات الاغذية والوقود تحت القصف الالماني المتواصل، وكانت البحيرة تتجمد شتاء ما يسمح  في سير المركبات لإجلاء الاطفال والنساء والمرضى والجرحى من المدينة.

غزة المحاصرة ابتدعت "طريق حياة" على طريقتها اهتداء بلينينغراد الروسية التي رأت في جارتها البحيرة المتجمدة ملاذا لانقاذ الحياة حتى هزمت الغزاة على بواباتها؟ 

sulaiman.alqbelat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت (علاء الدين)

    الثلاثاء 12 كانون الثاني / يناير 2010.
    ابدعت يا استاذ سليمان .