زليخة أبوريشة

الذي يحتُّ الحَجَرَ

تم نشره في الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

رأيتُ في مدينة القيروان التونسية، وفي مسجدها الكبير منظراً لا أنساه. كان ذلك عند فوهة البئر الرخامية التي تحوَّلَتْ من شكلٍ أملسَ مستوٍ مستديرٍ إلى شكل الزهرة. ولما سألتُ عن تلك الحزوز المنحوتة في الرخام، قيل لي هي من أثر الحبال التي كانت تمتح وتنشل الماءَ من البئر. تَفنَى الحبالُ، أجل، ولكن ليس قبل أن تتركَ أثرَها على القاسي الصلد. وفي الكعبة المشرَّفة رأيت كيف لمسُ الأيدي قد نحَتَ الحجرَ الأسود، وترك عليه احديداباً عميقاً ظاهراً لكل عين.

ولمَّا كان القاسي الصَّلدُ حولنا يحكمنا ويسوسنا، فإني لن أكفَّ عن نشل الحبل لعله يترك أثراً في الحجارة الصمّاء، ولو أنهكتُ بذلك وسيلتي، وأفنيتُ عُدَّتي لكلامٍ أعمقَ، أو غايةٍ أجلّ. أقصد أني لن أكفَّ عن حديث الثقافة التي قد تسلى بها من قصَّرت به راحلتُه الهَرِمَة عن أن يبلغ هدفاً كريماً، أو يحقِّق إنجازاً يُذكَرُ. فإذا أحصينا ما قدَّمه وزراءُ الثقافة للثقافة وأهلِها، وجدْنا حصاداً شحيحاً، لا يتجاوز تعيينات وتنقلات وترفيعات وبعض بهلوانيات، مع كثير لا يُحدُّ من تنفيع الأهل والأصحاب من غير أصحاب الاختصاص، وهدر المال في نشاطات لا تُغني، وفي أسفار وبدلات، مع تركيزٍ مدهشٍ على الظهور في وسائل الإعلام. وكأن الوزارة مناسبة ذهبية لاعتلاء التاريخ من أتفهِ أبوابِه؛ الشهرة!

ومع الاحترام الشخصيِّ لكلِّ من تعاقب على هذه الوزارة البائسة، فإنا إن لم نضع إصبعنا على الجرح المتعفن، فلن نتمكَّن من معرفة طريق الخلاص. وطريق الخلاص ليس حتماً ذاك الذي يتناقله الإعلام عن خططٍ أضاءت بها لحظاتٌ عبقريةٌ لمعاليه، حيث يرى كما لو لنبيٍّ، أن وضع "الاستراتيجيات" وبلورة "الرؤى"، هي من اختراعه وحده، كأوَّل وزير أنجبته البلد!

لقد تعبنا من وزراء يتعاقبون لعرقلة مشروعات بدأت، أو للبدء من الصفر. تعبنا من تجاهلنا ومن ضعف الاكتراث بهمومنا. تعبنا من التنكُّر لدورنا في الإصلاح والتنوير، كما لوكنا كائناتٍ مريخيةٍ تُضمرُ تدميراً للبشرية. كما لو كنا خطراً على الحياة وعلى الأفكار!

من أين يأتي هؤلاء السادة الذين يعلنون الإصلاحَ ولا يُنجزون؟ ويتحدَّثون كثيراً عن الثقافة ويعملون ضدَّها؟ ولديهم بلاغة اللفظ وهزالُ الفعل؟ ولديهم ما يقولونه دوماً، كمن لا يحفظ سجلاً للأكاذيب؟ فإذا انفضَّ المولد تركونا، نحن أصحاب الشأن، حيارى مرمودين؟!

وكيف بالله لا يُقلقُ واحداً منهم أننا، نحن أهلَ الثقافة، جميعاً ودونما استثناء، تحت خطِّ الفقر؟ كيف لا يعنيهم أن يسُنُّوا من التشريعات ما يحمي كرامة المثقف والمثقفة؟ (سأظل أثمِّن إنجازات الدكتور عادل الطويسي الفارقة).

وكيف يمرُّ عامان ووزارتان، على عدم توقيع اتفاقية مع رابطة الكتاب، بيت المثقفين؟ وهل كانت مشاغل الوزير من العِظَمِ بحيث يبدو دعمُ بيت المثقفينَ شأناً تافهاً؟ وكيف لا يخطرُ على بال واحدٍ منهم، الوزراء، إعفاءُ أهل الثقافة والإبداع من ضريبة الدخل؟ أتحدث عن مكافأة المقالة والكتاب والمحاضرة والاجتماع والتقييم وعضوية اللجان وما شابه.. أتحدَّث عن تفاصيلَ مُخجلة، يجب أن لا ينامَ الوزيرُ على وثيرِ أحلامِ مجدهِ، بينما أولئك يفكرون كيف يدفعون فاتورة الكهرباء والماء والمدرسة وجرة الغاز.

حبالنا تفنى، وكذلك حياتُنا، ولكن ليس قبل أن تحُتَّ حجرَ الإهمالِ المروع.

zulauka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »touching the truth (jordanian)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    I appreciate your aricle, sorry to say it is one of the rear times
  • »النقابات ودورها القيادي الفعال (د. عبدالله عقروق\فلوريدا)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    ليس من الضروري ان يصدر فرمانا من مكتب دولة الرئيس لتعين مستشارين له...لماذا لا يكون كل منا مستشارا لدولة الرئيس ، ونضع امامه لآئحة بالأولويات التي يتمنى الشعب أن تطولها الحكومة ..فلنبدأ بالصحافة ، لماذا لا تعمل النقابة دعوة أكبر عدد ممكن من الصحفين ليخطوا ورقة عمل لدولة الرئيس يطالبوه به بتنفيذها ، والأ سكتت الصحافة عن القول المباح لحين أن تتجاوب الدولة بهذه المطالب ، وتعمل خطة عمل ، وبرنامجا كاملا لتوظيفها الى عمل دؤوب ...لماذا لا تقدم كل النقابات بشتى الحرف والاختصاصات في الأردن بورقة عمل يطالبون وضع الأولويات ..وتهديد الدولة بأقسى وسائل الأستنكار أن لم تكن جادة في تنفيذ ورقة العمل المقدمة من كل نقابة ....وليذهب هؤلاء المستشارون الى الجحيم آن ما خرب بلدنا ، وأوصلها الى حافة الهاوية غير المستشارين في كل دوائر الحكومة حتى في الديوان الملكي ..لآنه يبدو أن كل من عمل هنالك.. كمستشار قد اصبح وزيرا ، أو سفيرا ، أو سفيها...والدولة تجرجر نحو الهلاك رويدا رويدا ..
  • »الفن والابداع والثقافه (رشاد الصاحب)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    حضرة الاديبه ان وجع اهل الثقافه عميق وذلك لان الحكومات المتعاقبه كانت تظن ان هذه الوزاره وزارة ترف وليست من الوزارات التي لها وزن فكانت مره تلحقها بالسياحه ومره تلحقها بالشباب وحتى انهامحتاره في مصادر تمويلها فنرى الحكومه تفرض على الصحف قيمه ماليه لدعم الثقافه وتأتي حكومه اخرى لتلغي هذا القرار اذا كانت الحكومات تعتبر الثقافه حموله زائده فمن للمثقفين وما هو الدعم الذي ستقدمه مثل هذه الوزاره للمبدعين والمثقفين هل نشر كتاب على ورق اصفر ويوزع في المعاض بربع دينار يعتبر دعم ؟هل يجب ان يتسول المبدع حتى يتم دعمه؟ هل يجب ان يقوم اهله ببيع مقتنياته بعد موته ليستروا احوالهم؟يا عالم المثقف والمبدع والاديب والفنان يجب ان يكونوا ممن يشار اليهم بالبنان وان يكونوا من علية القوم.
  • »الكِتابُ لا يُطعِمُ خبزاً (د. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    أشكر الأديبه زليخه ابو ريشه على مقالها(الذى يحت الحجر)وأشعرُبِمعاناتِها وأهل الثقافة حتى و لو أننى محسوب على فئة التكنوقراط وليس على هذه الفئه وذلك لصداقتى ولقربى من العديد من المثقفين فى هذا البلد
    فالمثقف لدينا يمارس إنتاجه الفكرى -الروحى فى ظروف حياتية صعبه ونظام معين من علاقات إجتماعية مركبه وهذا هو اساس العلاقة التى تربط قضية المثقف الخاصه بالعامه
    فبينما ترى المثقف فى الدول المتقدمه مؤمن طوال مراحل حياته ضد المرض والشيخوخه ويستعمل وسائل النقل مجانا بالإضافة الى الكثير من المزايا الإجتماعيه الإخرى الى الحد الذى الذى يصنعون له تمثالا بعد وفاته ولكن فى نفس الوقت تراه فى بلادنا وفى الدول النامية الأخرى يعانى من العوز والحاجة الى الحد الذى فارق فيه الكثيرون من المثقفين لدينا وليس لديهم اجرة المستشفى أو حتى ثمن علبة الدواء
    وأتفق مع الكاتبه على أن اهل الثقافة فى الأردن يعيشون تحت خط الفقر دونما إستثناء
    وكما قيل على لسان أحد الحكماء (لا ثقافة بلآكتاب حتى لو كان الكتاب لا يُطعم خبزاً)
  • »الثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم (إيهاب القعقاع)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    سيدتي،،،كل عام و أنتي بخير أولاً.
    للأسف هذا الزمان لم يعد للمثقفين أمثال زليخة أبو ريشة و ماجد المجالي و بسمة النسور و أحلام مستغانمي ، أصبح زمن ديانا و رامي و توتو و نونو..
    هؤلاء الذين تقوم وزارات "الثقافة" العربية بتأدية التحية لهم و بإعطائهم كل التسهيلات بحجة "تشجيع الفن".
    إحدى المطربات ( التي لا تطرب ) أخذت في ثلاث ساعات في حفل رأس السنة مبلغ 25000 ديناراً ( نعم ثلاثة أصفار ) ، مع أن معظم الأغاني التي "لقنتها" للجمهور لم تكن لها و إنما لفنانين آخرين.
    بالله عليك كم سنة يحتاج مثقف محترم لعمل هذا المبلغ؟
    أقل شيئ باعتقادي يجب عمله من قبل وزارة الثقافة لتحسين المستوى المادي للمثقفين و الكتاب هو:
    1- المساهمة مادياً بطباعة المؤلفات الأدبية التي تستحق ذلك.
    2- تخصيص رواتب إضافية لأصحاب المقالات الذين ينشرون إنتاجهم في الصحف المحلية لأن معظم هؤلاء هم بمثابة منارات علم و معرفة للناس.
    3- التنسيق مع وزارة الإعلام و التلفزيون و الصحف لنشر إعلانات مجانية لأي كتاب جديد.
    4- العمل على إنشاء "مؤسسة المواصفات و المقاييس الثقافية" و التي تقرر ما يتم نشره من ما لا يجوز عرضه على الناس إحتراما لهم ، فكما تراقب الحكومة ما يدخل لبطون الناس من خلال عدة مؤسسات ، فالأحرى أيضاً مراقبة ما يدخل لعقولهم من مواد ثقافية ، لأن الساحة حبلى الآن بكل ما هو سفيه.
    فالثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم.
  • »CORRUPTION AGAIN (Mohammad)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    حجر الإهمال المروع ، عبارة أدبية بلاغية جميلة تعكس جمال لغتنا
    الجميلة المعبرة إن أدبا أو علما ، ألإهمال هو نوع من الفساد المستشري
    استشراءً ، الفساد الإفسادي الإستفسادي واستفسادية وإفسادية الفساد حتى
    هذه العبارة لا تفي بحق كلمة " الترويع ".
  • »نعم، إلى متى (كريم عبدالباقي)

    الثلاثاء 5 كانون الثاني / يناير 2010.
    للمرة الأولى أجدني متفقاً وبقوة مع ما كتبته السيدة أبو ريشة.

    أشكركِ على صراحتك وتوجيهك رسالة مباشرة علها تلقى أذناً صاغية!

    نعم، إلى متى!؟