د.باسم الطويسي

الفساد الجديد والحكم الرشيد

تم نشره في الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

 من مفارقات تاريخ الفساد الجديد في العالم العربي أن الأنظمة الجمهورية، التي يفترض انها الأكثر تحصنا ضد الفساد، هي في الحقيقة الأكثر فسادا. فعلى مدى السنوات الثلاث الأخيرة، حظيت خمس دول ذات نظم حكم وراثية أفضل ممارسات ضد الفساد، وفق نتائج أكثر من مقياس لمدركات الفساد، وعلى رأسها مقياس منظمة الشفافية العالمية، وهي قطر والأمارات العربية المتحدة وعمان والبحرين والأردن.

حتى سنوات قريبة كانت مقاربات فحص الفساد في المنطقة العربية تربط بشكل مباشر معظم أشكال الهدر العام وضياع الثروات الوطنية بالاقتصاد السياسي للفساد المرتبط بالنخب الحاكمة وسلوكها، وما يرتبط بها من سلوك سياسي واقتصادي، من دون التركيز بشكل قريب على بنى المؤسسات وهياكلها.

في المقابل، كانت النظم السياسية، وما تزال، تحصر جهودها في مكافحة الفساد في قدرتها على كشف قضية هنا ووقف صفقة هناك، وعادة ما يرافق هذا السلوك تغطيات إعلامية موسعة وشكل من الدعاية السياسية المضخمة، حيث تنتهي الأمور بخلاصة ان المقصود لم يكن الفساد بحد ذاته بل إعادة إنتاج الشرعية السياسية أو اكتساب قيمة اجتماعية مضافة لبرنامج سياسي أو اقتصادي جديد تريد النخبة السياسية في الإدارة التنفيذية تمريره.

الحلقة الضائعة في فهم تاريخ الفساد المعاصر في العالم العربي تذهب نحو العلاقة بين الحد من الفساد وتطوير الممارسات الديمقراطية. على سبيل المثال نجد من المفارقة ان أكثر الدول العربية نظافة من الفساد لا يوجد لديها برلمانات أو مؤسسات فاعلة للمشاركة الشعبية، حتى الدول التي تظهر ضمن قوائم الدول الأقل ممارسة للفساد، ولديها برلمانات، عادة ما نجد هذه المؤسسات التمثيلية ضعيفة وغير فاعلة عكس ما نجده في دول أخرى لديها برلمانات صوتها عال بينما يزدهر الفساد في مختلف مفاصل الدولة.

ذلك الاستنتاج غير المنطقي، الذي لا يخدم قضايا الإصلاح السياسي في العالم العربي يذهب بنا نحو استنتاجات أخرى أهمها ان الدول التي استطاعت ان تحد من بعض أشكال الفساد في المجموعة الأولى قد استعاضت عمليا عن الممارسات الإصلاحية على مستوى بنية النظام السياسي وفلسفة الحكم والممارسات الديمقراطية ببناء مؤسسات قوية تقوم على الكفاءة العالية ونظم الرقابة الذاتية الصارمة، ولم يتحقق ذلك من دون الاستثمار في تأهيل وتطوير الموارد البشرية والتركيز على الكفاءة ثم الفاعلية.

مع ذلك ما تزال في هذه الدول ثقوب سوداء في الممارسات الفاسدة وأخرى غامضة، ولنأخذ على سبيل المثال، أن في تلك الدول ما بين 40 % الى
60 % من المالية العامة تأخذ طابعا سريا ومخصصات غير مبوبة أو واضحة.

 الاستنتاج الثاني، أن النمط الآخر من الدول التي أقدمت على إصلاحات سياسية شكلية وبنت مؤسسات أهلية غير فاعلة وليست كفؤة قد أضافت منافذ واسعة للفساد من جهة، وفي نفس الوقت أوجدت طبقة جديدة للتستر على فساد النخب الحكومية، ومن هم على هوامشها ومنحهم شرعية مضافة، على الرغم من الصراخ في البرلمانات وادعاء الحريات الصحافية.

اما الاستنتاج الثالث، فيقودنا الى انه في الوقت الذي يعمل فيه ادعاء الإصلاح السياسي الشكلي بالفعل الى المزيد من الفساد والتدهور، فإن ذلك يعني مدى أهمية وضرورة ربط الإصلاحات السياسية والإدارية والتنموية بالكفاءة، أي كفاءة التشريعات، كفاءة البنية المؤسسية وهياكلها التنظيمية، كفاءة الموارد البشرية، كفاءة القدرات التوزيعية أي كفاءة العدالة، وكفاءة منظومات الرقابة والنزاهة، وكفاءة التمثيل والمشاركة، ومن دون هذه العناصر تجد المجتمعات نفسها أمام إعادة إنتاج أشكال أكثر خطورة من الفساد وطبقات جديدة من الفاسدين عناوينها الرئيسة في البرلمانات ومنابر التعبير التي تدعي الحرية كما هو الحال في السلطات التنفيذية والقطاع الخاص.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفساد سرطان العصر (محمد النسعة)

    الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010.
    اشكر الدكتور على مقاله الذي يلامس الواقع المرير الذي تمر فيه الدول العربية واضيف الى ما قاله أن الفساد يأتي على رأس قائمة الأسباب لإعاقة نمو الاقتصاد ومسيرة التنمية، وقصور الخدمات التي تقدم للمواطنين، وزيادة نسبة الفقراء وتأثر رفاههم، وانعدام التوازن في مستوى دخول الأفراد، ما ينتج منه عدم ملاءمته لحاجاتهم. وإذا قدر أن الدول العربية استطاعت أن تحد من الفساد المستشري (وهذا بالطبع محل شك)، فإن النتائج ستكون باهرة، زيادة دخول المواطنين والحد من البطالة وتوفير الخدمات من صحة وتعليم... إلخ.

    وبالتالي فمن واجب هذه الدول دعم تأسيس هيئات أو مؤسسات أو جمعيات للشفافية والنزاهة حكومية وغيرها، أسوة بما هو مأخوذ به في بعض الدول المتقدمة للحد من نسبة الفساد غير المقبولةوالاهم من ذلك تطبيق قراراتها بصرامة ودون مماطلة
  • »المطلوب اكثر (ابو خالد)

    الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010.
    الفساد يفقد الثقة بالحكومات وتصيب المواطن بالاحباط خاصة عندما نتغنى بمحاربة الفساد ولا نحرك حجرا صغيرا للقضاء عليه.ما يؤشر الى ان الفساد قد تمأسس في الاردن هو كثرة الجهات الرقابية والتي للاسف لا تفعل شيء بل تؤدي دون ان تدري الى الامعان في احباط المواطن المراقب لمجريات الامور,اذ لم نسمع الا مؤخرا عن وزارة الزراعةوغيرها,وللعلم ان من قام بالاختلاس بوزارة الزراعة هو من طبقة الموظفين الصغار وليس مسؤول من عيار عالي وهذا ما نخشاه ان تتحول كل السهام صوب "ارنب الفساد "ويبقى "فيل الفساد " يصول ويجول .اما القاصمة في موضوع محاربة الفساد فهو ما يسمى "الرقابة الداخلية"وهذه لوحدها مصيبة المصائب
    الرقابة الداخلية في الدوائر الحكومية هي مجرد اسم فقط يقنن التجاوز على المال العام ولا تبرز مواهبها الا في التشاطر على الامور الصغيرة غير المكلفة والتي تخص صغار الموظفين اما فيما يخص الرجل الاول في الدائرة او المدير العام او الامين العام فأنها تأتمر بأمره وتسهل امره ولا تعترض على تجاوزاته اما ديوان المحاسبة فاللاسف الشديد فأنه يضع يده على الخطأ بعد وقوعه وليس قبل ذلك ويكتب تقارير سنوية لا يقرأها احد , ونتمنى ان يلتزموا بأمر دولة الرئيس بأعلامه فورا عن التجاوز وعدم الانتظار لنهاية العام وحتى لا نتهم بأننا نلقي الكلام جزافا , سأعطي مثال حي موثق,تعميم دولة رئيس الوزراء رقم 13م/00/25215 تاريخ 21/12/2009 والذي يؤكد فيه على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم(832)تاريخ 10/7/2005 والمتضمن عدد من الاجراءات لترشيد وضبط الانفاق الحكومي والتقيد التام بما ورد بالبند اولا(1, 2 , 3 )والمتعلق بالسيارات الحكومية وعلى ان تكون من فئة 1800 سي سي للمدير العام والامين العام ومن فئة 2000 سي سي للوزير وضرورة استخدام سيارة واحدة فقط وبما لا يتجاوز 300 لتر شهريا,فنحيلكم الى احدى المفوضيات في اقصى الجنوب والى مؤسسة كبرى ايضا في اقصى الجنوب وفتشوا وانظروا عن مدى التزامهم بهذا التعميم ؟السيارات كلها برادو و كاديلاك ايسكالاد اي ان سعة المحرك 3500 و6000 سي سي ويا ريتهم اكتفوا بسيارة واحدة ,فمدير عام هذه المؤسسة يستخدم 3 سيارات , اثنتان منهم في عمان مع العائلة مع ما يلزم من بنزين كونها ذات نمر بيضاء (علما بأن بلاغ دولة الرئيس يطلب بأعادة النمرة الحمراء للسيارات الحكومية وبدون اي استثناءات والغى اي استثناء ات سابقة),ونفس هذا المدير العام يسافر بالدرجة الاولى منذ خمس سنوات واسبوعيا الى عمان وبالدرجة الاولى علما بأن بلاغ الرئيس يصرح بأن المدير العام ومن هم بمرتبته تصرف لهم تذاكر درجة سياحية ,اما سقف الخلوي فهو 600 دينار سنوي للمدير العام اما هذا المدير فأنه وخلال رحلة واحدة من رحلاته الخارجية يستهلكها بكاملها ثمن مكالمات التجوال الدولي , ناهيك عن الخط الثابت في منزله (والممنوع ببلاغ دولة الرئيس) والانترنت سرعة 1 ميجا وغيرها الكثير من التجاوزات,فأين الرقابة الداخلية؟؟ واين ديوان المحاسبة؟؟ للاسف لا احد يلقي بالا ولا احد يحرك ساكنا .نتمنى ان يكون دولة ابو زيد صارما في انفاذ تعميمه , فمن غير المعقول ان يلتزم الديوان الملكي العامر بهذا التعميم وباقي الدوائر الحكومية البعيدة عن العين ضاربة به عرض الحائط.
  • »لا تخاف (شاهر التيهي)

    الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010.
    لا تخاف على الأردن و الله في هالسنوات القليلة الماضية سبقت الجميع في الفساد و هناك رؤساء جامعات و وزراء و مدراء عامون مقنعون في الفساد