مرض الأردن الهولندي الجديد

تم نشره في الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً

هل أصبحت الحكومة عبئا على الاقتصاد؟ الإجابة لا بد وأن تكون "نعم"، ولكن أي نوع من العبء هذا؟ أعتقد أن الحكومة في الأردن أصبحت مثالا آخر لأنموذج المرض الهولندي في الأردن.

عادة ما يتكلم الاقتصاديون عن "المرض الهولندي"، وهو أن تتوجه موارد البلد نحو قطاع الصناعات الاستخراجية لربحيته المرتفعة في حينه، وتترك قطاعات أخرى مثل الصناعات التحويلية لأن ربحيتها أقل، فينحسر بذلك قطاع الصناعات التحويلية وينحسر أيضا متوسط النمو للبلد ككل، وذلك لأن الاستثمارات لم تتدفق فقط إلى القطاع الأقل كفاءة بل تدفقت بشكل يخفض من فرصة القطاعات الأخرى من الاستفادة من التدفقات.

 وأحيانا يتكون هذا المرض في بلد معين نتيجة تدفق الاستثمارات أو المساعدات إلى قطاع معين فتبدأ مظاهر المرض الهولندي بالتبلور.

 ومن أخطار هذا المرض الاقتصادي أن لا تكون معدلات النمو دائمة وأن ترتفع الأسعار بحيث تضر بالفقراء، وعدم توظيف الموارد الاقتصادية من عمالة ورأسمال وريادية توظيف كفؤ ما يؤدي الى هدرها.

المرض الهولندي عادة ما يظهر نتيجة اكتشاف النفط أو الذهب أو معادن أخرى، أو توجه الاستثمار نحو قطاع العقار، وغيره من القطاعات الاقتصادية المنتجة. ولكن، لا أعتقد بأن أيا من الاقتصاديين كتب عن كون الحكومة في بلد ما كمصدر للمرض الهولندي، أي أن تدفق الموارد الاقتصادية إليها يؤدي لانعدام الكفاءة في الاقتصاد.

 لقد أصبحت الحكومة مصدر المرض الهولندي لدينا، لماذا؟ من الواضح أنها في السنوات الأخيرة كانت تزاحم القطاع الخاص على الموارد من حيث الاقتراض، والتشغيل للعمالة، والاستثمار (على الرغم من جهود التخاصية التي بذلنا وهدرنا من دون جدوى). وبما أن أثر ما تنفقه الحكومة على الاقتصاد لا يذكر، ولا يمكن أن يعد في وضعه الحالي إنفاقا إنتاجيا بل استهلاكيا بسيطا (غير محفز لطلب حذق أو متميز بل يطلب ما هو عادي فقط)، فإن المديونية التي وصلت إلى 9.7 بليون دينار (60 % من الناتج المحلي الإجمالي) وعجز الموازنة العامة الذي قارب 1.4 بليون دينار في العام الماضي، وامتصاص الحكومة على مدى عشر سنوات للغالبية العظمى مما يفوق 7 بلايين دولار من المساعدات، ووصول حجم ما تستهلكه إلى 56 % من الناتج المحلي في حين لا يزيد ما تقدمه من إنتاج على 25 % من الناتج المحلي، كل هذا دليل على أن الجزء الأكبر من الاقتصاد يعاني من كون الحكومة مسببا للمرض الهولندي.

المطلوب أن لا تخترق الحكومة الجديدة القانون الذي ينص على عدم تجاوز الدين 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأن نعترف جميعا بأن الحكومة، والإنفاق عليها، أصبح مرض الأردن الهولندي، وعلاجه بسيط، إيقاف التوظيف، وتشجيع الانتقال إلى العمل في القطاع الخاص، ونقل جميع أنواع التقاعد إلى مظلة الضمان الاجتماعي ومن بينها تقاعد النواب والوزراء، وعدم شراء أي بنايات أو سيارات جديدة، ودمج الهيئات التنظيمية، والامتناع عن إيجاد أي مؤسسات جديدة، وإيقاف الزيادات، وإلغاء المكافآت المؤقتة التي أصبحت دائمة، وغيرها من المؤقت الذي أصبح عبئا دائما على الوطن والحكومة. الحل ليس في تشريع مؤقت جديد، أو توقيع اتفاقية تجارة حرة أخرى بل في تقليل الهدر للمال العام.

 هل ستداوي الحكومة ذاتها؟ لم تفعل تلك التي سبقتها والأسبق منها أيضا، سننتظر ونشاهد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت (زهرة المدائن)

    الاثنين 4 كانون الثاني / يناير 2010.
    ابدعت يا دكتور والله يشفينا من المرض الهولندي اللي من الواضع انه تفشى واصبح علاجه مستعصي. وعاشت الاقلام النظيفة النابعة من اناس وطنيين مثلك
  • »الفقرة الأخيرة (خالد السلايمة)

    الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2010.
    أسعد الله صباحك أخي الكاتب و كل عام و أنت بخير

    حقيقة مقالك إقتصادي بحت و وجدت صعوبة في فهمه 100% إلا حين وصلت إلى الفقرة الأخيرة و التي هي تلخص الحال في الأردن و فيها العلاج الناجع لمشاكلنا الإقتصادية العويصة. و لكني أشك يا دكتور أن أحد سيتبع هذه الخطة الرائعة في هدر المال العام لأن معظم الناس مستفيدة من هذا الهدر و بالتالي لماذا إيقافه؟! شكرآ مرة أخرى على مقالاتك الرائعة.