التنمية بحاجة إلى فكر مختلف ودماء جديدة

تم نشره في الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

التنمية الوطنية الأردنية بحاجة اليوم إلى فكر جديد يعيد تأهيل الخيارات الوطنية، ويكون بحجم التحديات المصيرية التي تواجهها البلاد، ويرسخ الاعتماد على الذات وبناء القدرات الوطنية، لو توفرت الكفاءة في إدارة الموارد النادرة خلال الفترة الماضية، لكانت كفيلة باستبدال الهدر التنموي بتنمية حقيقية يلمسها الناس، وتعيد بناء الدولة بسواعد أبنائها وتستفيد  مما يتيحه العالم من فرص حتى وسط المعتركات والأزمات الكبرى.

اليوم لا يوجد لدى الأردن ترف الانتظار، ولا ترف التجريب والمزيد من الأخطاء، وبات من الواضح  حجم ارتباط سياسات المساعدات الريعية من البعيد والقريب بتنازلات وطنية قد تصل أحيانا إلى قضايا سيادية.

بات من الواضح أن اختلالات التنمية، خلال العقود الماضية، لم تولد الفجوة التنموية التي نردد الحديث حولها وحسب، بل أصبحت اليوم تخفي خلفها فيضا من مشاعر النقمة الاجتماعية ونمو ظواهر اقتصادية واجتماعية مشوهة، وعلى درجة كبيرة من الخطورة، الفكر التنموي الجديد يحتاج إلى إعادة مناقشة قضايا مركزية أهمها:

أولا، السياسات التنموية الاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى توطين، وأن تصبح ملفات محلية قبل أي شيء آخر، فالسياسة الخارجية والاشتباك مع الظروف الإقليمية يحتل لدينا جُلّ اهتمامات الدولة المؤثرة وانشغالاتها اليومية والدائمة، بينما تغيب عن كواليس الدولة ومراكز صنع السياسات فيها التغيرات الحقيقية التي يشهدها الإقليم، مقارنة مع التنمية المحلية وتحدياتها المقلقة والمزمنة.

ثانيا، الحاجة إلى امتلاك منظور تنموي محلي يقوم على كفاءة إدارة الموارد، أي فكر تنموي أردني جديد ينبع من الحاجات والموارد المحلية، من إعادة اكتشاف الموارد المحلية في وادي عربة والأغوار وعجلون والصحراء الشرقية وشمس الأردن وغيرها، وبناء منظور كفاءة إدارة الموارد على مبادئ التكامل والاستدامة وبناء الخبرات المحلية المنفتحة على العالم من منظور محلي أيضا.

 ثالثا، العودة إلى ملف تنمية المحافظات؛ لا نريد أن يسرق التوظيف السياسي لمشروع اللامركزية القيمة التنموية التي قد يضيفها، فعلاوة على الحاجة الماسة إلى فكر تنموي جديد في هذا الشأن تحديدا، نجد غياب الرؤية المشتركة الواضحة لأداء عشرات المؤسسات والجهات التي تدعي أنها تعمل في تنمية المحافظات في مختلف الميادين، حيث نجد تناقضا أحيانا في الأهداف واختلافا في وسائل العمل وآلياته، وتناقضا حتى في المعلومات والأرقام.

رابعا، البنية التحتية هي أساس التنمية وعمودها الفقري، وتشكل التحدي الكبير أمام جلب الاستثمار والتقدم الاقتصادي، وبالتالي يعتمد عليها تطور نوعية الحياة والتنمية البشرية، وهي مسؤولية الدولة أولا وأخيرا في كل النظم الاقتصادية.

الفجوة في تركيز البنية التحتية في مناطق محدودة من المملكة وبالتحديد بين عمان والعقبة من جهة وبين المحافظات والأرياف من جهة أخرى، وهي فجوة تقدر بحوالي عشر سنوات، أي أننا نحتاج إلى حوالي عقد من الزمن من العمل والإنجاز في بعض المحافظات، حتى نردم تلك الفجوة. هذا الواقع، الذي يعود إلى عقود عديدة، أسهم في تعطيل أو تقليل حجم الاستفادة الوطنية من الموارد المتوفرة في أنحاء البلاد، وأضعف فرص مئات الآلاف من الأردنيين من بناء دخولهم وقلل من فعالية المجتمع في توسيع قاعدة بناء الثروات على أسس متينة وعادلة.

السياسات التنموية اليوم بحاجة إلى مراجعة استراتيجية حقيقية، وتحتاج إلى فكر جديد ودماء وطنية جديدة، تنتقل من الفكر اليومي إلى إحداث تحولات عميقة، ولو تطلب هذا بعض المعاناة والآلام، لأن ذلك يعني ببساطة الانحياز إلى مستقبل الأردن وضمانه، بدلاً من لعنة الأجيال المقبلة.

المسألة تتجاوز السؤال الذي بات تقليدياً؛ لماذا لا يشعر المواطن بعوائد التنمية، التي لا تنعكس على معاشه وظروفه اليومية، بل إن بعض التحديات التنموية الراكدة هي في حقيقة الأمر تحديات مصيرية لم توفّقْ الدولة ولا حكوماتها المتتالية في تطوير منظور وطني وخيارات استراتيجية حولها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لعنة الاجيال القادمة (امل العبادي)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    ربما المستقبل في الاردن يحتاج منا الكثير من خطط ورؤى تنموية واضحة لكي لا تلعنا الاجيال القادمة فنحن ما زلنا نتخبط بالخطط والبرامج سواء تنموية او تعليمية او اقتصادية
    هل الاردن خالية من العقول النيرة والمفكرة والقادرة على وضع خطط تنموية؟ يكفي الشخص الذي كتب هذا المقال الذي يدلل ومن خلال كتابته الرائعة كم يحمل من رؤى وحلول لقضايا وطنية كثيرة وليس هو فقط فغيره الكثير بالاردن وندعي لانه لا يوجد خبرات واشخاص مؤهلين واننا بحاجة لاستيراد خطط وبرامج من الخارج لنطبقها على اردننا العزيز وهو الوطن ذو الخصوصية في ثقافته وهويته التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار
    وشكرا على هذه المقاله المهمة في نظري ستفتح الباب لنضع اصابعنا على الجرح ولا نتركة ينزف
  • »الشباب الجديد مقابل العسكر القديم (د. عبدالله عقروق\فلوريدا)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    جرت العادة في الجامعات الشهيرة ان تدفع الى اي بروفسير مضى على تعليمه المادة 40 عاما ، وكتب لا يقل عن 500 بحث علمي ، وربما الف كتابا أو أكثر تدفع له ما يقارب من 70 الف دولارا ...في حين انها تدفع لأستاذ قد تخرج بامتياز من الجامعة حوال 30 الف دولار يعلم نفس المادة التي يعلمها البروفيسير الكبير..وهذا الشاب يحمل الأفكار الجديدة ...فهل هذا غباء من الجامعات أم انه تقدير لأصحاب المؤهلات الغلمية العالية ، والخبرات الطويلة الأمد ..أن اردنا أن ننهض باقتصادنا الذي في الرمق الأخير فلا يمكننا تجربة فلسفة التجربة والخطأ ..بل علينا أن نلملم هذه العقول الكبيرة في بلدنا ، ونضم لهم عنصر الشباب الجديد لنبني خطا تطوريا سريعا حتى لا نغرق ...ففكرة أن نعتمد على شبابنا فكرة خاطئة ، وجربناها ، وهذا ما أوصلنا الى هذه الكارثة التي نعيشها اليوم...نحن بجاجة الى معادلة يخطها عباقرتنا القدامى مع شيابنا الجديد لنجد طوق النجاة اننجو من هذه الكارثة