قُمصان.. باللغة العربية!

تم نشره في الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

في الآونة الأخيرة زادت أعداد المقالات التي تنشرها الموسوعة الشهيرة "ويكيبيديا"، وصار متاحا لأي شخص أنْ ينشر، عبر موقع الموسوعة، المعلومات والأفكار التي يريدها. والهدف من ذلك مفهوم، وهو زيادة عدد القرّاء ومرتادي الموقع. لكنّ "ويكيبيديا" ليستْ "فايس بوك" ولا موقعاً للدردشة، إنما هي مصدر للمعلومات، وخطوتها التي أشرنا إليها أفقدتها الكثير من الصدقية والدقة؛ على اعتبار أن كثيرا ممن فُتِح لهم المجال بالإدلاء بأفكارهم ومعلوماتهم، يدلون ببيانات تنقصها الدقة، بل هي في كثير من الأحيان خاطئة ومضللة.

ولم يتوقف الأمر بـ"ويكيبيديا" عند هذا الحد، بل بدأت بإتاحة المجال أمام مرتادي الموسوعة من القرّاء العرب بالمساهمة بإنشاء صفحات وتدوين معلومات ورؤى بالهجات المحلية والمحكية، من دون جعل اللغة العربية الفصيحة شرطا لقبول المشاركات. وهذه الظاهرة تتسع، ولا تقتصر على "ويكيبيديا"، بل تطال الرسائل النصية والمحادثات على "يوتيوب" و"فايس بوك". والكثير من المشاركات على شبكة الإنترنت وفي مواقع الصحف والمجلات وغيرها تجري في كثير من الأحيان باللهجات المحلية والمحكية، وبدرجات مذهلة من سوء التعبير وقلة العناية والاكتراث.

وقبل أسابيع، ناقش التلفزيون الأردني في إحدى حلقات برنامج "تحت الضوء" اتجاه كثير من الشباب منذ سنوات بعيدة، ومنهم الشباب الأردنيون بالطبع، إلى ارتداء قمصان وفانيلات "تي شيرت" عليها عبارات بالإنجليزية أو غيرها، تحتوي أحيانا على جمل غير مفهومة أو غير مناسبة لمجتمعاتنا أو للذوق الراقي، من دون أن يدري هؤلاء الشباب بأمر أو معنى تلك العبارات، وإنما هي الموضة و"سلوك القطيع"، أيْ التشبه بالأقران وما هو سائد وعدم توافر البديل المنافس والجميل.

وللدقة والموضوعية، فإن هناك عبارات جميلة وعميقة المعاني والدلالات مكتوبة على تلك الألبسة، وكلامنا هنا ليس وصاية على اختيار الناس، فهم أحرار بحريتهم الشخصية، لكنه نقاش بهدف التوافق على رفع مستوى الذوق العام وتنمية طاقات الجمال في نفوسنا. وهذه الظاهرة التي تحدث عنها البرنامج ليست جديدة كما يدرك القارئ، والسؤال الجديد الذي طرحه: لماذا لا تستخدم عبارات باللغة العربية، وتوضع على قمصان وفانيلات الشبان؟. والحقيقة أن هذا الأمر يحدده المزاج العام للشباب والفتيات، وهو مزاج يمكن التأثير فيه عبر وسائل الإعلام والحوار والتنشئة وغيرها، وعبر شيوع ظاهرة وجود ألبسة شبابية تتصدرها عبارات باللغة العربية. كما أن هذا الأمر يحدده المستورد أو المنتج، وهو في كل الأحوال تابع لرغبة الزبون والمستهلك، ويمكن له تعديل ما هو قائم إنْ وجد طلبا على تلك السلع التي تستخدم العربية.

أزعم أن الأمر ليس هامشيا، بل من التفاصيل الصغيرة واليومية تبني الشعوب علاقتها بلغتها ومدى تعلقها بها واحترامها لها، والتحدي أمام أي لغة تقليص الهامش بين اللغة المحكية والمكتوبة.

واستطراداً أتساءل: لماذا تقبل دولنا العربية إدخال بعض السلع والمنتجات إلى مجتمعاتنا لا تحتوي على كتيبات لوصف استخدام وعمل تلك المنتجات والأدوات باللغة العربية؟. لماذا يتم التغاضي، مثلا، عن دخول بعض الأشرطة والأفلام السينمائية التي لا تتضمن ترجمة باللغة العربية؟.

شخصيا، اعتدتُ، من باب تقديري واحترامي للغة العربية، أنْ اختار دائما، ودونما استثناء، اللغة العربية، عندما يطلب مني الصرّاف الآلي اختيار اللغة لإتمام المعاملة، لأن هذه الخدمة إذا لم تجد لها مستخدمين، فستضطر البنوك إلى إلغائها. والأمر ذاته أفعله حينما أطلب اي خدمة على الهاتف فيطلب مني اختيار اللغة. وهذا الأمر لا يتعارض أبدا مع أهمية تعلّم الإنجليزية وغيرها وضرورتها الملحة في عصرنا، لكن ما أقوله باختصار أنْ لا يكون ذلك مقترنا بإهمال اللغة العربية أو التقليل من شأنها.

وفي هذه المناسبة، أقترح على جريد "الغد" أنْ لا تقبل أيّ مساهمات من القرّاء الكرام لا تكون باللغة العربية الفصيحة، أو على أقل تقدير أن يقوم المحرر بصياغتها أو اختصارها بلغة فصيحة سليمة من الأخطاء واللهجة العامية، إلا إذا كان هناك ضرورة واضحة لاستخدام العامية.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل (خالد السلايمة)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    أسعد الله صباحك أخي العزيز محمد,

    مقالك جميل و الرسالة منه رائعة و أنا مع إقتراحك في آخر المقال...و أحيانآ أستخدم اللغة العامية في تعليقاتي و لكن كلامك صحيح, علينا التركيز على اللغة العربية الفصحى و عدم تركها أبدآ. أبدعت أخي محمد.
  • »عقدة اللغة الاجنبية (لينا خالد)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    لن اتطرق الى الجزء العلوي من المقال كوني لست عميقة المعرفة بهذا الموضوع، ولكني ساتكلم عن استخدام اللغة الانجليزية في بيوتنا وشوارعنا وكأننا ولدنا وترعرعنا في احدى الدول الغربية او في الولايات المتحدة الامريكية، فنحن نصر وبشكل يومي على استخدام اللغة الانجليزية في كل صغيرة وكبيرة حتى ولو كان مستوانا فيها متدنيا، ولكن ربماهي ظاهرة (شوفوني يا ناس) على اساس ان من يستعيض باللغة الانجليزية عن العربية يفهم اكثر، كما واعيب على بعض العائلات التي تنشىء اولادها وبناتها على اللغة الانجليزية ناسيين متناسين اننا عرب، واذا ناقشت هؤلاء الاهالي يدعون بان ابنائهم يدرسون في المدارس الدولية، وان كثرة استخدام اللغة الانجليزية في المدرسة تضطرهم الى استخدامها في البيت ايضا، وبالمقابل اعرف عائلات تعيش في الولايات المتحدة الامريكية (حيث اللغة الانجليزية تحيط بهم من كل جانب) تلاحظ ان اولادهم يتكلمون اللغة العربية وبطلاقة -ربما للحفاظ على هويتم-.
    انا لست ضد تعلم اللغة الانجليزية ابدا ولكني اشعر بالاسى عندما ارى جميع الشعوب الغربية (وخاصة غير الناطقة باللغة الانجليزية) كالفرنسيين والايطاليين وهم يصرون على محادثتك بلغتهم بغض النظر عن معرفتك بهذه اللغة ام لا، فالجميع يعلم بان اللغة هي الهوية الا نحن، مع اننا في نواحي ثانية نركز على هويتنامن خلال ارتداء الحطات او وضع الاعلام في السيارات او ارتداء الحجاب، الا تكفي لنا اللغة العربية التي لا نتعرف عليها في النهار مرة او مرتين ان تحدد لنا هويتنا؟
  • »الى الجميع مع الاحترام ... (برهان جازي)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    مع احترامي للجميع .. واتقبل النقد ... واحترمه .. لكن سوء فهم وعدم فهم المقصود نابني ما نابني منكم من هجوم وهذا حقكم واشكركم عليه ..
    ومن حقي ان اوضح وجهة نظري واصر عليها ..

    لقد اشرت بجملتي الاخيرة وكنت اتمنى ان تقرأوها جيدا وتفهموا ماذا كنت اقصد بها وهي باختصار بما معناه ( استخدام اللغه الفصحى او العاميه حسب الحاجة والغايه والمكان والزمان).هناك امور يتطلب منك ان تتكلم وتكتب فصحى وهناك امور يتطلب منك ايضا التكلم بالعامية .. وهناك امور وكتاب كبار يكتبون الفصحى بمقالاتهم وكتبهم وحتى خطاباتهم تراهم يلجأون الى استخدام بعض الالفاظ العامية وهذا ليس بعيب فانما المقصود به هو تقريب الفكرة اكثر واضافة نكهة على الموضوع وهذا لا ينقص من حق اللغة العربية في شيء .. بالاضافة الى وجود كثير من الكتاب والخطباء وغيرهم لا يتقن موهبة الدمج بين العامية والفصحى بتنسيق كامل ومقبول وممتع ومفيد ويؤدي الغرض ويقرب الفكرة فتجده يحارب وينتقد هذا الاسلوب .. مع احترامي للجميع هناك ادب ساخر وادب عالمي عربي وغربي يستخدمون العاميه واللغة المحكية بالفاظهم وكتاباتهم وهذا شيء مقبول .وانا اتحدى اي شخص مهما كان ان يستخدم الفصحى بحياته العاديه مثل ان تقول لابنك او صديقك او تخاطبه باللغة الفصحى .. قديما كان ممكن اما الان صعب لعدم تعودينا عليها على العكس اذا استخدمت الفصحى بحياتك العادية ستتعرض للسخرية .. نحن ليس ضد استخدام الفصحى والحفاظ عليها والافتخار بها وهي جزء منا ومن كيانناوهويتنا ولغتنا .. لكن لكل شيء شيء . وشكرا واحترامي للجميع .
  • »الفصحى (محمد فيصل)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اللغة الفصحى (اي لغة)هي القاسم المشترك و المرجعية للهجات العاميةو هي بالاصل لغة التدوين الرسمي و الذاكرة القومية طويلة الامد. اما اللهجات المحلية فهي الوسيلة الامثل لتسيير شؤون الحياة اليوميةبسبب مرونتها الفائقةعلى استيعاب المستجدات بالاخص ذات الخصوصية المحلية و هذا بالضبط سبب ديمومتها و انتشارها.بالنهاية اللغة وسيلة وليست غايةو هي وعاء الفكر و ليست الفكر ذاته و ان كان هناك جمود ملحوظ في اللغة الفصحى فلأن هناك جمود في النتاج الفكري الراقي.و اخيرا الولع المرضي باللغة هو نتيجة شعور بالنقص على المستوى الفكري
  • »مقال هام (محمد)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    أشكر الأخ محمد برهومة على هذا المقال الهام الذي جاء في وقت صارت فيه لغتنا العربية موضوعا للتندر والتفكه كما في أحد التعليقات على الموضوع. أنا أتهم الأفلام والمسلسلات التي ما انفكت تهزأ باللغة العربية ومعلميها وعلمائها وترفع من شأن العامية، وقد كان يجدر بها أن تصنع العكس تماما
  • »ألى برهان جازي (sami)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    استهزاءك باللغه الفصحة و الهمز و اللمز المقصود باستخدامك الساخر للغة الفصيحه هو مما ادى الى تدهورها و تراجعها.
    اللغه الفصحى سهله و سلسه وليست معقده و مضحكه كماتحاول ان تظهرها انت و غيرك.
    كل دول العالم تحترم لغتها و لا ترضى لها بديلا, الا نحن نسخر منها.
    و الحقيقة ان مستوى استعمال لغة ما يعكس مستوى تحضر مستخدميها.. للأسف!
  • »ليش بتحكو ا بالعايمة ما بصير يا عمي ما بصير ... (برهان جازي)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    انا بدي اشرح الموضوع بسلاسة وبدون عفشكة ..

    والله يا عمي بتحكي صح .. لازم الواحد يكتب بالفصحى لانو ما بنفع يا عمي تكتب بالعامية واللغة المحكية لانو هيك بتضيع اللغة وبصير عنا ركاكة باللغة .. ركاكة ليش الحكي .. .. انا هسه مثلا مبحبش اكتب بالعامية لاني بشوفها ما بتجيب نتيجة وبتخلي الواحد هيك زي ما تقول مخربط .. انا بشد على ايدك وبقول للناس يا عالم يا هو لا تحكوش عامي .. احكوا فصحى .. اجلس يا ولد .. ماذا درست اليوم .. اين امك ؟ هل تجلب لي من البقالة طبقا من البيض وقليلا من السكر رعاك الله .. يا زوجتي الغالية هل تصنعين لي كوبا من الشاي او طبقا من (المفركه) اي بطاطا مع بيض اطال الله بعمرك .. وانت يا هذا لماذا لا تقلع عن النوم متاخرا . اليست بالعادة السيئة يا بني .. تالله ان لم ترتدع سانزل بك وابلا من الكفوف والشلاليت ..
    اللغة العربية الفصحى لها مواقعها وفوائدها واللغة العاميه ايضا لها حضورها واهميتها من الاخر ..