عنوان المرحلة: تناغم قوي بين السياستين المالية والنقدية وجهود القطاع الخاص

تم نشره في الأربعاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

عمان - واجهت دول العالم المتقدم الأزمة الاقتصادية بعدة أسلحة ارتكزت على تحفيز الطلب الكلي، فاستعملت السياسة المالية وضخت في شرايين اقتصاداتها ما زاد عن عدة ترليونات من الدولارات غير آبهة بالآثار السلبية لسياساتها هذه كازدياد طوابير العاطلين عن العمل وارتفاع عجز موازناتها وزيادة الدين العام وارتفاع كلفة خدمته، وهذا ما نراه الآن بدرجات متفاوتة في جميع الاقتصادات تقريبا.

وانتظر قادة هذه الدول نتائج استراتيجياتهم المالية ليتمكنوا من إعلان النصر على الأزمة التي عاندتهم بقوتها ما جعلهم يعربون عن مخاوفهم من عدم نجاعة ما قاموا به وجعلهم يفكرون بضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد، وخرج الرئيس الأميركي ليصرح "أنه إذا تقرر انتهاج دفعة تحفيزية أخرى فسيكون ذلك بطريقة مختلفة عن نموذج ضخ الأموال في المرة السابقة وذلك ببساطة لأننا لا نملك الأموال لنضخها مرة ثانية ".

كذلك استعملت هذه الدول سياستها النقدية، فلجأت لتخفيض أسعار الفائدة في الاقتصاد بحيث شارفت على الصفر، ووجهت بنوكها المركزية لتمارس دورا أكثر فعالية في مجابهة الأزمة، ودفعت وزراء المالية والمحافظين لمزيد من الانفتاح على قطاعات الاقتصاد، فالبنوك المركزية مؤسسات عرف في أدبياتها العمل وقلة الكلام، ما فرض كثرة جلسات الاستماع لمحافظي البنوك المركزية وكثرة لقائهم في الإعلام وكثرة تواصلهم مع مكونات المجتمعات من سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية.

وأعرب محافظو البنوك المركزية عن تحفظاتهم إزاء عجز موازنات دولهم وارتفاع مديونيتها والآثار السيئة لذلك على مجمل الوضع الاقتصادي، وعندما أبدوا تخوفاتهم من عودة التضخم، وهو هاجسهم ومحور وظيفتهم، تم إسكاتهم ما جعل اختلافاتهم مع وزراء المالية والسياسيين تطفو إلى السطح، أمام صورة القطاعات الاقتصادية المتهاوية وتعثر الشركات صغيرها وكبيرها، ما وضع البنوك المركزية في قفص الاتهام وطرح استفسارات رئيسة حول استقلاليتها ونجاعة سياسة قلة كلامها وعدم تواصلها مع القطاعات الفاعلة.

أردنيا، لم تفلح النظرة التفاؤلية والتوقعات الإيجابية وحدها في جلب النشاط الفعلي للاقتصاد، وعندما أرادت الحكومة أن تتقمص وسائل البلدان المتقدمة في زيادة الإنفاق الحكومي وجدت أنها عاجزة عن ذلك، لعجز موازنتها وارتفاع مديونيتها أصلا، فآثرت السلامة دون أي إنفاق تحفيزي مبرمج.

أما البنك المركزي فقد حافظ على بطء حركته وقلة تواصله مع قطاعات الاقتصاد وعدم تفاعله مع الأزمة وفضل حماية نفسه وسياساته التقليدية بمقولة " إن على من أخطأ أن يخلع شوكه بنفسه " وكأنه لا علاقة له ولسياسته النقدية في مجمل الوضع نقديا أو ماليا أو سياسيا.

لكنه وتحت ضغط التراجع الاقتصادي الذي بدأت آثاره تظهر واضحة، فقد قام باستعمال وسائله النقدية وخفض سعر الفائدة ونسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي المطلوب من البنوك أن تودعه لديه، ثم وتحت ضغط الفعاليات الاقتصادية والإعلام الاقتصادي المستندين للمؤشرات الاقتصادية التراجعية تم تشكيل لجنة لتوصية ما يمكن للبنك المركزي القيام به لمواجهة حالة التراجع الاقتصادي، فقام متأخرا جدا ببلورة إجراءات مرنة في كيفية تعامل البنوك مع الديون المتعثرة ليسري تطبيقها اعتبارا من 13/ 12/ 2009 .

وكان أبرز ما جاء في خطاب تكليف سمير الرفاعي تشكيل حكومة جديدة، معالجة الوضع الاقتصادي وربط الإصلاح السياسي بالإصلاح الاقتصادي كدولابين أساسيين يحملان قاطرة النمو بمفهومه الشامل.

لذلك فإن الحكومة القادمة تحسن فعلا إن اعتبرت من دروس الفترة الماضية التي تمثل كنزا عليها أن تقرأه جيدا، لتبادر إلى تنسيق أكثر فعالية بين سياستها المالية المثقلة بعجز الموازنة وارتفاع الدين الداخلي وارتفاع كلفة خدمته، وبين السياسة النقدية الموغلة بالبطء ووقوعها في أسر تقاليد نقدية لا تناسب المرحلة الراهنة.  فما يزال بالإمكان تخفيض أسعار الفائدة لتنخفض الكلفة على القطاعات الاقتصادية وعلى الخزينة المتعبة، وتعليمات البنك المركزي التي أصدرها من يومين بخصوص تصنيف التسهيلات الائتمانية كان يجب أن تصدر منذ سنة، كما يجب على البنك المركزي أن يبادر لسياسة تواصلية إيجابية مع القطاعات الاقتصادية، إضافة إلى ما يسمى بسياسة الفم المفتوح Open Mouth Policy مع القطاع المصرفي والقطاعات الاقتصادية الفاعلة، لتصل إلى بلورة سياسة تناسب المرحلة وتكون ركنا أساسيا في تخفيف حدتها.

إن تواصل الحكومة ممثلة بوزاراتها الفاعلة المالية والتجارية والتخطيطية مع قوى الاقتصاد الوطني، ووضع سياسة " كلٌ عليه دور فليقم به " حيث تبين أن للقطاع الخاص دورا أساسيا عليه أن يقوم به، وذلك بوضع إمكاناته التي لم يستعملها بعد وربط ما يقوم به بقيام الحكومة بمساعدته لكي تدور عجلات القاطرة وتحملها إلى الأمام.

إن ضعف المناورة في استعمال السياسة المالية أمر مفهوم، لكن ما هو ليس مفهوما عدم استعمال أدوات السياسة النقدية، والتي إن بقيت كما كانت عليه خلال الفترة الماضية فإننا نكون كمن يلقي بالحكومة القادمة في أتون المعركة من دون سلاح تحمله وتحارب به، فالحكومة يلزمها بعض القطران تعالج به وجع الاقتصاد.

zayan.zawanh@alghad.jo

التعليق