الحكومات والأزمة الاقتصادية: هل جنت الحكومات على نفسها؟

تم نشره في الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعصف بالدول الفقيرة والغنية، ربما تعصف أيضا بالحكومات نفسها، وتغير من طبيعتها ودورها، ففي موجة الخصخصة والليبرالية الاقتصادية تخلت الحكومات للشركات عن كثير من الخدمات والأدوار التي كانت تؤديها، وتحول قادة السلطة التنفيذية في كثير من الأحيان إلى شركاء للقطاع الخاص أو في أحيان أخرى مؤسسات تابعة للشركات الكبرى والدولية، وكان قادة السياسة يحسبون أنهم قفزوا من المركب الغارق إلى المركب الآمن، ولكن الأزمة تكشف اليوم وهم المركب الغارق والآمن، فقد كان مركب القطاع الخاص والشركات هو الغارق ومركب السلطة والمجتمعات هو الآمن والأقوى والأبقى أيضا، وكأن قادة الليبرالية يشبهون المسيح الدجال، ولعلهم المسيح الدجال نفسه، والذي يقدم لأتباعه النعيم والعذاب (في الظاهر) والنار والشقاء لمعارضيه، ولكن الحقيقة هي العكس، فيكون أتباعه في العذاب والشقاء وأعداؤه في النعيم.

لقد أظهرت الأحداث أن السلطات التنفيذية والحكومات تمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية وثقافية وأن عمليات الخصخصة التي جرت في العالم واقتبسناها في بلادنا كانت كأننا نعمل ضد أنفسنا.

في مرحلة الزهو الليبرالي الاقتصادي كانت الحكومات تبدو في نظر المحللين والمفكرين والمبشرين الليبراليين شيئا من الماضي، وأنها فقدت كثيرا من قوتها ونفوذها، ولكن الأزمة كشفت حجم الخديعة والنصب والاحتيال الذي تعرضنا له شعوبا وحكومات، صحيح أن دور الحكومات يتغير تغيرا كبيرا، وصحيح أيضا أن الاتصالات والمعلوماتية والعولمة تتحدى السلطات المركزية وتفشل دورها الرقابي، ولكنه تحد ليس جوهريا، يغير من الأدوار ويلغي بعضها، ولكن يفترض ان يعيد تكييف العلاقة بين الحكومة والمجتمعات وبين الحكومة والشركات وبين الشركات والمجتمعات على نحو يحقق التوازن والشراكة، وليس تسليم السلطات إلى الشركات كما حدث ويحدث حتى الآن في بلادنا وفي أنحاء كثيرة من العالم؛ فالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية لا يمكن أبدا أن تكون سلعة مجردة تقدمها الشركات ويوفرها المقاولون والموردون، صحيح أن القطاع الخاص ضروري ولا يستغنى عنه في التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ولكن ضمن مسؤولية الحكومة وضمن شراكة القطاع الخاص مع المجتمعات والحكومات، وليس على هيئة تحويل الخدمات التعليمية والصحية إلى سلعة تقدم للقادر على دفع الثمن، ثم يجري التلاعب بالسلعة نفسها وتزويقها وتزويرها أيضا، فتتحول المجتمعات والحكومات إلى ضحايا تدفع الكثير من دون أن تحصل على شيء، الشركات اليوم تسوق الشهادات والتعليم والرعاية الصحية كما تسوق الرحلات السياحية والعقارات والمنتجعات، وتحول العلاج والتعليم إلى سلوك استهلاكي فج، مثل زيارة المول والسوبرماركت والسحب لاختيار الفائزين!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سعيد انك تقرأ لي (إبراهيم غرايبة)

    الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    لا يضايقني سائقوالتاكسي يا استاذ حسين لانهم سائقو تاكسي ولكن ثمة تصرفات غريبة لبعضهم
    وانا سعيد جدا انك تقرا لي
  • »في فمي ماء (حسين سردار)

    الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    صحيح انني سائق تاكسي يضايق وجوده الاستاذ غرايبة ولكني ايضا استاذ لغة عربية، ولكن برغم الجراة المفترضة لدى سائق التاكسي واستاذ اللغة العربية لا استطيع البوح بالتعليق الحقيقي لدي على حكومة السيد سمير الرفاعي ليس فقط لأن الغد ربما لن تنشر التعليق ولكن لان مالدي مخوف ومشاعر عميقة بالمرارة والخوف والاحباط
    ولكن ساغامر بالسؤال كيف يستطبع قدة شركات فاشلة ان بقودوا الحكومات بنجاح