محمد أبو رمان

على مفترق طرق

تم نشره في الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

بقبول استقالة نادر الذهبي وتكليف سمير الرفاعي تشكيل الحكومة الجديدة، نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في تحديد “الشخصيات المفتاحية” في المرحلة المقبلة، مع توقع تغييرات أخرى قريبة على مواقع رئيسة في مؤسسات الدولة المختلفة، في سياق المراجعات المطروحة لعمل مؤسسات الدولة ومستوى الإنجاز والإخفاق.

نادر الذهبي خرج من الدوار الرابع، مهما اختلفنا أو اتفقنا في تقييم مرحلته، فإنّ الرجل يستحق التحية والاحترام على تفانيه في عمله وإخلاصه للوطن، ودماثته حتى مع خصومه، وقد دفع ثمن مرحلة صعبة وسيئة اتسمت بالتضارب والاضطراب بين مرجعيات القرار وبفقدان البوصلة والضربات تحت الحزام.

فلا يجوز تحميل حكومته مسؤولية أخطاء المرحلة السابقة كاملة، ولا حتى تحميل ذلك لشخص معين أو أشخاص. المسؤولية تراكمية وواسعة، وأخطر ما فيها وجود اختلالات جوهرية في الرؤية السياسية والاقتصادية التي حكمت السياسات العامة، وهو ما يستدعي التصحيح والمراجعة الجذرية.  ذلك، يمكن التقاطه من كتاب التكليف الملكي للرفاعي إذ حمل “روحاً نقدية” ثورية صارمة تجاه المرحلة السابقة، على صعيد الرؤية والبرامج والإجراءات، وبنى على ذلك تحديد أولويات المرحلة المقبلة، تجنباً للأخطاء السابقة.

في مقدمة القضايا اللافتة والأساسية في كتاب التكليف أهمية التوازن والتوازي بين الإصلاح السياسي والاقتصادي، إذ شهدت المرحلة السابقة تسارعاً في مسار الخصخصة والاعتماد على القطاع الخاص، في مقابل تأميم “المسار السياسي”، وتراجع الحياة العامة مسافات شاسعة إلى وراء، ما خلق فجوة واسعة وأزمات بنيوية في الأوضاع العامة والخاصة.

في السياق ذاته، قطع الملك الطريق على إثارة مخاوف سياسيين من تأجيل الانتخابات عامين، كما حدث من 2001-2003. إذ حدّد ما قبل الربع الأخير من العام المقبل موعداً لإجراء الانتخابات النيابية، وفق قانون انتخاب جديد، وشدد على نزاهة الانتخابات وحياديتها، ما يجعل ذلك تحدياً رئيساً أمام الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى صوغ قانون يتناسب مع طموح الإصلاح السياسي، ولو في الحد الأدنى.

في التحضير للمرحلة المقبلة، لا أقل من التذكير بعدم الوقوع مرّة أخرى في الأخطاء الاستراتيجية القاتلة، التي أضرت كثيراً بالوضع السياسي في البلاد، خلال الفترة الأخيرة، وأن تؤخذ هذه “الدروس” بعين الاعتبار وبجدّية على أبواب عام 2010 المزدحم بالملفات والاستحقاقات السياسية والاقتصادية.أهم عناوين المرحلة المقبلة “سقوط الحكومة التنفيذية” أو “التكنوقراطية”، بل على النقيض من ذلك أهمية وجود حكومة من “الوزن السياسي” الثقيل، تمتلك الولاية العامة الأكبر، وإعادة النظر في ملف المؤسسات المستقلة، التي خلقت “مناطق رمادية”، وأضرت كثيراً باتساق العمل ووحدة المرجعيات.

الامتحان الأول هو تشكيل الحكومة، ويتمثل بوجود مطبخين، سياسي واقتصادي، رئيسين داخل الحكومة،  لا خارجها، وإلغاء المؤسسات العامة كافة التي تقع في المنطقة الرمادية، بعيداً عن المسؤولية الحكومية، حتى تمتلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.

ومن الركائز الرئيسة للحكومة وجود “مطبخ إعلامي” أيضاً، يعيد الاعتبار لدور الإعلام الحكومي والرسمي ويملأ الفراغ الحالي مع الرأي العام، الذي تسبب في إضعاف صورة الدولة، وخلق تضارباً في الرؤى والروايات وازدهار سوق الإشاعات والتسريبات.“المطبخ الإعلامي” لا يمس فقط شخصية وزير الإعلام المقبل، بل يرتبط بضرورة وجود فريق، من المسؤولين الإعلاميين والمستشارين، يتعامل مع “القصة الإعلامية الرسمية” وصناعتها بأهمية ودقة كبيرة، ويمتلك روح المبادرة، معززاً بخبرات وطاقات قادرة، أيضاً، على تقديم رؤية للنهوض بواقع الإعلام الوطني وكفاءته وأهليته، وذلك قبل كل شيء بتوفير شَرطي الإرادة السياسية المحركة وبتمكين الإعلام من المعلومة الدقيقة والسبق الخبري.

“إنّ غداً لناظره قريب”، وسوف تشي الأيام المقبلة بالملامح الأولى لما بعد المخاض الحالي، وقد احتوى كتاب التكليف على رؤية واضحة متقدمة تمنح الإصلاح السياسي أهمية وأولوية قصوى، والسؤال فيما إذا كانت الحكومة ستتمكن من النهوض لتحقيق هذه الرؤية وتجاوز الاختلالات الجوهرية المترسبة من المراحل السابقة أم تكون سلسلة أخرى من متوالية انهيارات، ونفقد وقتاً آخر في التجريب والأخطاء؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى الاخ الاستاذ محمد ابو رمان... (ناصر عبيدات)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    تحية طيبه وحج مبرور وسعي مشكور باذن الله

    من المحرمات على الصحفي ان يتشائم لانه سلطه رابعه تسهم في قيادة الامه,ومن يسهم في القياده ليس من صفاته السوداويه وانما سعة الصدر الواثقه !!

    ايا كانت الصعاب والازمات فدورك ان تتعامل معها وتبسط الامور للقارىء الذي يقرأ ما بين السطور وفواصل الكلمات (وفهمك كفايه) !

    الايام تتوالى والليالي حبالى وفي كل يوم ما ان يبدأ النهار حتى يحل الليل البهيموهذه ازلية الحياة

    نحن ايضا مع توديع الراحلين الكرام باحترام واستقبال القادمين الكرامباحترام
    وقد عبرت عن راييى للكاتب النمرى والكاتبه جمانه ولا اريد اطالة الشرح ..عليك !

    كان الله في عون الحكومه الجديده في القيام باعبائها ونسأل الله لها التوفيق

    بارك الله فيك استاذ محمد
  • »تعقيب على الأخ العمري (محمد أبو رمان)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    تحياتي أخي العزيز،
    والله كما قلت في التعقيب الأول أنني من أكثر المتشائمين وأتفق تماما مع مشاعرك، لكنني أختلف مع استنتاجك اننا لا نطبق نظرية داروين، بل نحن نطبقها بالاتجاه المعكوس، أي السير إلى وراء..
    مع ذلك، ليس كل ما يريد أن يقوله الإنسان يستطيع، بخاصة على منبر صحيفة يومية، وتأكد أنّ التشكيل هو امتحان حقيقي رئيس أول، ولن تكون هنالك مجاملة، إذ أنّ الوضع لا يحتمل تجريب وأخطاء في الأساسيات والبدهيات..
  • »عل وعسى أن يكون مفترق طرق، لا استمرار.... (زهير السقا)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    بداية، أتفق معك في الإحترام لدولة نادر باشا، ولست مع الجزارين الذين ينطبخ عليهم المثل، "إن ناخ الجمل كثرت سكاكينه"، ولكن الأكيد أنها حكومة لم تضف إيجابيات، فهي نتاج بيئة قائمة وموجودة من عشرات السنين، سياسية وإقتصادية وإجتماعية، وكان الأجدى بها أن تحاول بدلا من السير مع التيار، والانسحاب من المهمة الأصعب وهي قانون الإنتخاب.

    لا شك من أهمية العمل الاقتصادي والسياسي كما جاء في خطاب التكليف السامي وكما أضفت من أهمية الإعلام والتواصل مع المواطن، فيد واحدة لا تصفق.

    في تصوري الشخصي أن المشاكل الإقتصادية والسياسية، بما فيها علاقة الدولة بالمواطن والعكس، وغيرها من المشاكل المزمنة ما هي إلا أعراض للمشكلة وليس المشكلة، وربما كانت مشاكل فعلية ولكن حلها يتطلب حل المشكلة الأساسية، التي إن بقيت لن يكون معها إصلاح ولا تنمية بل تقهقر.

    المشكلة ياسادة ياكرام أخلاقية، نراها كل يوم أثناء قيادتنا للسيارة، أثناء البيع والشراء (الثقة)، نراها في العلاقات الإجتماعية الجديدة، في المؤسسة الزوجية وخارجها، في التعليم وعلاقة المعلم بالطالب، في الصحة والعلاج، نراها في الكسب غير المشروع، نراها فيما نسميه فسادا ... القائمة طويلة جدا..

    بالأخلاق ياسادة يعمل المسؤول الحكومي، أيا كان موقعه، دون أن يضطر للنظر خلفه تحسبا من ضربة تفسير عمله وجهده بالسيئ أو محاولات التفشيل من "الزملاء" طمعا في أخراجه من اللعبة واحتلال مكانه، بالأخلاق ياسادة ترى الطبيب يصف العلاج دون إخضاع لعملية يمكن الإستغناء عنها، بالأخلاق يحترم الطالب المعلم ويبني المعلم الأجيال القوية، بالأخلاق يكون المواطن والحكومة يدا واحدة من العمل والجهد لرفعة الوطن، بالأخلاق نراعي الجار والفقير وحرمة الغير، بالأخلاق يزول الفقر وتنشر العدالة....
    والصحافة والإعلام ياسيدي بحاجة للأخلاق أيضا، فكما تفضلت فإن الإعلام هو الصلة الطبيعية بين المواطن والحكومة، ودوره يتعدى المشاركة إلى أداه حقيقية للتغيير.
    بالأخلاق الإعلامية، لن تجد مهاجمة لمجلس نواب نظيف غيرة من مزايا النواب، أو مهاجمة للحكومة طمعا في واسطة أو عطية من وراها جزايا أو رحايا، بالإعلام نعيد لمواطننا أخلاقه العربية الأصيلة وقيمه، بالإعلام نراقب لا نشتم، ننصح لا ننتقد، نقترح لا نرهب، نبني ونصلح ولا نهدد أو نخفي أو نغطي.. نكون يدا واحدة متماسكة لا حسابات ولا ترقبات ولا توقعات ولا خوف من غدِ مجهول.

    أذكر بقول الشاعر:
    إنما الأمم بالأخلاق ما بقيت.... فإن همُو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
  • »"غدنا خير من يومنا" (أيمن العمري)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    كل وزارة "جديدة".....
    كل مجلس أعيان "جديد"....
    كل نيابة "جديدة"....
    كل رقيب مخفر "جديد"....
    ..... نتمنى و نرحم على الذي قبله حتى كدنا نقول بعده رحم الله النباش الأول....
    أين الخلل و الله كلنا نعرف أين الخلل ....
    الخلل فينا أننا لا نتطور كما أراد لنا داروين...
    الحق أن نظرية سقطت علميا و 100% ناجحة عندنا
    لا تقول يا دكتور نحكم حتى نرى فمن يقدمه يقدمه على أنه سليل سياسيين لم يرتح الشعب في عهودهم بل أطات بأحدهم ثورة شعب.
    قريبا سنقرأ لك عن إدارة رجال الأعمال للدول و عجبي لكم معشر الكتاب و أنت في طليعة من كنا نحترم رأيه الرصين و قلمه الصادق فتى نطبق "كلنايعرف الفتنة(فساد الوزارات) عندما تُدبر (تذهب) و العاقل فقط يعرفهاعندما تقبل"
    نعيش بالتفاؤل و لكن الحياة و العلم و التنزيل علمنا أننا يجب أن "لا نُلدغ من جحر مرتين", هذا لنستنقذ ما تبقى من أجسامنا المنهوشة أصلا.
    اللهم اجعل يومنا خيرا من أمسنا و غدنا خيرا من يومنا

    لقد فهمنا بين السطور و أنطقتناما أردت أنت أن تقول
  • »ندعوا للرئيس بالتوفيق في المهمه الصعبه (د-حيدر البستنجي)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اخي محمد اشكرك على تحليلك الدقيق سواء في المقال او الرد على التعليق رغم ان التشكيل الحكومي هو المحك وليس شخص رئيس الوزارة فقط وبالعادة يتم اعطاء الرئيس 100 يوم قبل الحكم عليه ولكن سؤالي الاساس ما هي الاسس التي يتم اختيار الوزراء او الرؤساء على اساسها في بلدنا الحبيب
  • »اغيثوا الجامعات (نسرين حسين العمري)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    و المفروض إعادة الاعتبار الى الجامعات بوضع رؤساء جامعات عفيفي اللسان يعملون و ينجزون اكثر مما يقولون و لا يضيعون مكتسبات الجامعات في مغامرات غير محسوبه لا يقصد منها الا الكذب و البهرجة و التزييف
  • »تعقيب من محمد أبو رمان (محمد أبو رمان)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    الأخوة الأفاضل أشكركم على تعليقاتكم، واتفق تماما مع الروح غير المتفاءلة في النظر إلى الشخص المكلف، ليس لأسباب شخصية، إنما لما يثيره الاختيار من إيحاءات وأسئلة لا تشي بالقدرة على مواجهة المرحلة لأسباب رئيسة
    - أن في الاختيار إيحاء بتكريس فلسفة الإقطاع السياسي والعلاقات الاجتماعية لتحظى بدور كبير في الاختيار والاصطفاء السياسي.
    - أن الرفاعي ابن لعائلة بالرغم من وجودها في الدولة وتمرسها في العمل السياسي، إلا أنها لا تمتلك تاريخا مشجعا في الإصلاح السياسي، ولا تحظى بشعبية.
    - الرفاعي نفسه ليس له خبرة سياسية حقيقية، وهو ابن القطاع الخاص، وخبرته في الديوان كانت في سياق بعيد عن الجانب السياسي.
    بالرغم من كل هذه الملحوظات، أعتقد أن هنالك محكا وامتحانا حقيقيا في تشكيل الحكومة، وهو ما ننتظره قبل إصدار الحكم النهائي.
    لكن المؤشرات الأولية أن الرجل غير قادر على مواجهة استحقاقات كبيرة في المرحلة المقبلة، وأنه بدأ بانطباعات سلبية غير مشجعة، وهو ما يجعل من مهمته أصعب بكثير!
    مع ذلك دعونا ننتظر قليلاً..
  • »political and economic experiences (Truth)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    You are talking about the political and economic experiences of the new government, can you please tell us what is the political and economic experience of Mr Sameer Refai.
  • »مشوار الالف ميل (بشير الصاحب)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اخي محمد ابو رمان : يقول المثل : مشوار الالف ميل يبدأ بخطوه ( وانا اضيف دائما بالاتجاه الصحيح ) فاي خطوه في الاتجاه الخاطىء تصبح خطوتين والالف خطوه تصبح الفين
    ونحتاج سنوات للعودة الى نفس مفترق الطرق
  • »والله تعالى اعلم (ابو السعود)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    وكما يجيئ في نهايه النشره الجويه
  • »الذهبي لم يقصر (عمر شاهين)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    كتب التكليف السامي جاء محكم وليضع الحكومة القادمة امام الحساب فنحن امام مرحلة صعبة اقتصاديا وسياسيا لا يمكن التهاون بها والاقتصد الدخلي للمواطن في اصعب الظروف واشهد ان الرئيس نادر الذهبي كان على مستوى مميز من العطاء ولكن الحظ لم يحالف حكومته ولم يحالفه فقد شهد الاردن ارتفاع اسعار النفط وتازم الشرق الاوسط وخلافات ولكنه خرج قويا وقهر مصالح مجلس النواب الخاصة وحافظ على اتزان سياسي صعب ؟.
    ونامل من حكومة الرفاعي ان تكون على قدر هزيمة الصعاب والعمل لتنفيذ كتاب التكليف الذي تحدث عن كل مواطن اردني
  • »حلقه مفرغه..والشعب متفرج من بعيد (محمد طلفاح)

    الخميس 10 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    دائما نفس الكلام عند مجيء كل حكومة!! نفس الاشخاص يذهبون وياتي ابناءهم!! سئمنا من كل هذه الطبقه الحاكمه التي تتداول المناصب فيما بينها دون ان تلتفت الى الشعب!!
    ------------
    رحمة الله عليك يا وصفي...مطول تا ترجع؟؟؟؟