زمن أوروبا ما بعد أميركا

تم نشره في الأحد 6 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

 مع وصول باراك أوباما إلى السويد لتسلم جائزة نوبل، تكشف الاحتفالات الدائرة هناك عن حقيقة مروعة: ألا وهي أن إعجاب أوروبا بالرئيس الأميركي المثالي ليس متبادلاً. من الواضح أن أوباما لا يحمل للأوروبيين سوء نية أو ضغينة. ولكنه تعلم بسرعة كيف ينظر إليهم بالأسلوب الذي يعتبرون تحمله أمراً بالغ الصعوبة: أسلوب اللامبالاة.

نحن الآن على أعتاب عالم ما بعد أميركا ـ العالم بعد انتهاء لحظة الهيمنة الأميركية الوجيزة على العالم. وإدارة أوباما تدرك هذه الحقيقة، ولقد استجابت لها بما أسمته "استراتيجية الشركاء المتعددين". وسواء كان الشريك هو الصين بالنسبة للاقتصاد العالمي، أو روسيا فيما يتصل بنزع السلاح النووي، فإن الولايات المتحدة سوف تتعاون الآن مع كل من يستطيع مساعدتها في بلوغ الغايات التي ترغب في تحقيقها ـ وبالتالي ضمان استمرارها بوصفها الأمة التي "لا غنى عنها".

إن أي رفض أو استبعاد للأوروبيين ليس متعمداً أو مقصوداً. والأميركيون يفهمون أن أوروبا، باعتبارها المستودع الرئيسي الآخر للشرعية الديمقراطية، والثراء، والقوة العسكرية، تتمتع بإمكانات كبيرة بوصفها شريكاً للولايات المتحدة. ولقد صرح أوباما بهذا أثناء أول رحلة يقوم بها إلى أوروبا بوصفه رئيساً للولايات المتحدة، في إطار قمة حلف شمال الأطلنطي التي عُقِدَت في شهر  نسيان (إبريل). ولكن إذا تقاعست أوروبا عن الاستجابة، فلسوف يبحث أوباما في مكان آخر عن الشركاء الذين يحتاج إليهم، من دون أن يقيده استحضار أوروبا الـجَزِع لما تطلق عليه "العلاقات الخاصة" أو "مجتمع قيم الأطلسي".

إن أوباما يتبنى نهجاً عملياً معلناً. وحين علق قائلاً إن العلاقات الأميركية الصينية سوف تشكل هيئة القرن الواحد والعشرين فإنه لم يكن يقصد عرض بيان بالأفضلية، ولكنه كان يُقِر بحقيقة واقعة.

وكل هذا يشكل صدمة قاسية لأوروبا. لقد كانت الرياح مواتية بالنسبة للأوروبيين في أواخر القرن العشرين. ففي مقابل التضامن السياسي، وفرت لهم الولايات المتحدة الحماية ومنحتهم دور الشركاء الصغار في إدارة العالم.

والمواقف التي تشكلت في ظل هذه الظروف المواتية تصارع التغيير بعناد. وهكذا فبعد مرور عشرين عاماً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تنفق روسيا نصف ما ينفقه الأوروبيون على الدفاع ـ ورغم ذلك فإن أوروبا ما زالت تتشبث بفكرة اعتماد أمنها على الحماية الأميركية. وبنفس الروح يرفض الأوروبيون بحزم القبول بأن  المصالح الجغرافية السياسية للولايات المتحدة قد تكون مغايرة لمصالحهام ـ لذا فحين تختلف سياسات الولايات المتحدة عن السياسات التي يتبناها الأوروبيون فإنهم يفترضون أن الأميركيين أساءوا ببساطة فهم الأمر، وأنهم يحتاجون بوضوح إلى المشورة الأوروبية الحكيمة لتقويم مسارهم.

ومثل هذه العقلية تعطي بطبيعة الحال أهمية كبيرة للعلاقات المنسجمة بين ضفتي الأطلسي، إلى الدرجة التي تجعل من التقارب والانسجام هدفاً في حد ذاته بالنسبة للأوروبيين، من دون الإشارة إلى الغايات التي قد يخدمها هذا التقارب والانسجام. ونستطيع أن نقول باختصار إن الأوروبيين ملتزمون على نحو مَرَضي بالعلاقة بين ضفتي الأطلسي.

وفيما يتصل بالعلاقات مع روسيا والصين، فإن البلدان الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تدرك عموماً أن الموقف الأوروبي الأكثر وحدة، رغم صعوبة التوصل إليه في الممارسة العملية، سوف يكون مرغوباً إلى حد كبير. ولكن مثل هذا الاعتراف غائب فيما يتصل بالولايات المتحدة. وعلى النقيض من هذا، يبدو أن أهل النخبة في أوروبا يشعرون بأن "التربح" على حساب الولايات المتحدة ليس بالأمر اللائق.

لذا فإن العلاقات عبر الأطلسية، في نظر أغلب البلدان الأوروبية، تدور في الأساس حول حلف شمال الأطلسي وحول ارتباطاتها الثنائية بالولايات المتحدة. وفي النهاية لا نستطيع أن نقول إن البريطانيين وحدهم هم الذين يعتقدون بوجود "علاقة خاصة" بينهم وبين الولايات المتحدة؛ فأغلب بلدان الاتحاد الأوروبي تحب أن تتصور نفسها بوصفها صاحبة علاقة خاصة تربطها بأميركا، وهي العلاقة التي تمنحها نفوذاً خاصاً. وتبعاً لذلك فإن التوجهات الوطنية وليس التوجهات الجماعية في التعامل مع هيمنة الولايات المتحدة، تستند بشكل كبير إلى استراتيجيات التكامل ـ حيث تحاول كل دولة أوروبية تقديم نفسها بوصفها أكثر فائدة، أو على الأقل أكثر تعاطفاً، مقارنة بمنافسيها الأوروبيين.

ومن منظور أميركا، فإن هذا قد يكون مفيداً في كثير من الأحيان. فإذا كان الأوروبيون يريدون لأنفسهم الانقسام وأن يحكمهم غيرهم، فإن الولايات المتحدة سوف تكون سعيدة بهذا التكليف. وتستطيع أميركا أن تأخذ الوقت الكافي لاتخاذ القرار بشأن تبني استراتيجية جديدة في أفغانستان من دون اعتبار لوجهات النظر الأوروبية، على الرغم من تواجد ما يزيد على ثلاثين ألف جندي أوروبي في أفغانستان. وعلى نحو مماثل فمن المناسب بالنسبة للولايات المتحدة أن تظل أوروبا على الهامش فيما يتصل بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني في حين تدفع أوروبا بليون يورو سنوياً لتمويل هذه الأزمة.

ولكن على الرغم من هذه المزايا، فإن أميركا تشعر بالانزعاج والضجر إزاء الضجة الأوروبية المستمرة الرامية إلى الوصول إلى الولايات المتحدة والفوز بانتباهها. والحق أن تحمل هذا العوز قد يكون أيسر لو كان مصحوباً بقدر أعظم من الاستعداد للعمل الحقيقي. وكل هؤلاء الأوروبيين على اختلافهم مستعدون للمشاركة في اللعبة، ولكنّ قليلين منهم على استعداد لتلطيخ أيديهم. ومن منظور واشنطن فإن السلوك الأوروبي الساعي إلى الفوز بالاهتمام وتقليص المسؤولية يبدو طفوليا.

ولكن الأمر سوف يختلف كثيراً لو كان بوسع الأوروبيين أن يتعلموا مخاطبة أميركا بصوت موحد. ولا يوجد عجز في الأفكار بشأن كيفية تشجيع هذا التوجه من خلال العمليات الجديدة والمنتديات الرامية إلى إقامة الحوار الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولكن المشكلة تكمن في السيكولوجية السياسية، وليس في الترتيبات المؤسسية. وعلى هذا فلا يمكن التعامل مع هذه المشكلة إلا حين يستفيد الأوروبيون من الكيفية التي يتغير بها العالم، وحين يقررون أن السماح لآخرين بتحديد مستقبل النظام العالمي ليس بالتصرف الأمثل، فيبادرون إلى تطوير المواقف والسلوكيات الملائمة لأوروبا في مرحلة ما بعد أميركا.

وهذا يتطلب وجود أوروبا الواعية لمرادها، حتى يصبح بوسعها التعامل مع الولايات المتحدة ـ وبقية العالم ـ بنظرة أكثر وضوحاً وذهنٍ أكثر صفاء. وسوف يكون لزاماً على الأوروبيين في بلدان الاتحاد الأوروبي أن يتعلموا كيفية مناقشة القضايا الجغرافية السياسية الضخمة ـ بداية بأمنهم الخاص ـ بوصفهم أوروبيين ينتمون إلى الاتحاد الأوروبي. ولن يتسنى لهم دوماً أن يُجمعوا فيما بينهم على رأي واحد. ولكن حين يفعلون ذلك فإن فرصتهم في دعم وتأكيد مصالحهم سوف تصبح أفضل كثيرا، وكذا في عملهم باعتبارهم شركاء أكثر التزاماً ونفوذاً لدى الولايات المتحدة فيما يتصل بالعديد من القضايا الدولية حيث تتوافق المصالح الأوروبية والأميركية.

الواقع أن الولايات المتحدة تفضل أوروبا على هذه الهيئة. ولكن التوقعات الأميركية في هذا الشأن متدنية إلى الحد الذي يجعل الأميركيين لا يبالون إلا قليلاً. لذا، يتعين على الأوروبيين في مرحلة ما بعد أميركا أن يتخلوا عما تعودوا عليه من خضوع وشعور بالرضا في التعامل مع الولايات المتحدة، أو يروضوا أنفسهم على استحقاقهم لعدم مبالاة أميركا أو اهتمامها بهم.

 * مدير البحث لدى مركز الولايات المتحدة وأوروبا التابع لمعهد بروكينجز. ونِك ويتني كبير المديرين التنفيذيين السابق لدى وكالة الدفاع الأوروبية، وكبير زملاء السياسات لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

خاص بـ الغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق