د.باسم الطويسي

الوضوح وحدود المناورة الفلسطينية

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

مسلسل طويل من  المناورة الداخلية حول الطاولة المصرية مارسه الفلسطينيون على طريق المصالحة الوطنية التي لم تتم، وفيما غاب وضوح الأهداف الحقيقية لكل طرف لدى الآخر عادت السلطة والفصائل المعنية والمعارضة للتعامل بالأسلوب نفسه مع الأطراف الدولية المعنية بالتسوية؛ أي بغياب الوضوح الإستراتيجي ليس كأداة للمناورة بل نتيجة لضعف الموقف الداخلي وتشرذمه مقابل ازدياد تماسك الموقف الإسرائيلي وقدرته على التفلت من الضغوط الدولية، الأهم من  هذا وذاك هو غياب الوضوح مع الشعب الفلسطيني نفسه.

خلال ثلاثة أسابيع فقط حزمت السلطة حقائبها وأعلنت الذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، ثم تراجعت وأعلنت تأجيل الانتخابات، وفي الوقت نفسه أعلن رئيس السلطة عدم نيته البتة الترشح لرئاسة السلطة مرة أخرى، واليوم تعلن مصادر مقربة منه إمكانية ترشحه إذا ما تم إحراز بعض تقدم في مسألة وقف الاستيطان؛ ثم يتم الإعلان عن النية بالذهاب إلى الأمم المتحدة وإعلان دولة من طرف واحد، ولا ندري كيف تتطور النوايا المفرغة من الأفعال.

قد يتفهم الجميع أن يصبح وجود شخص الرئيس في السلطة ورقة للمناورة حيال إسرائيل والمجتمع الدولي، وربما وجود السلطة بأكملها، لكن الذي يجب أن يفرز ولا يحتمل المساومة أو المناورة هو الوضوح مع الشعب الفلسطيني نفسه.

قد لا توجد لحظة تاريخية تنحصر فيها مساحة المناورة وتضعف فيها أدوات المساومة السياسية والاستراتيجية أمام الفلسطينيين وخلفهم العرب أيضاً كما هو اليوم بعد أن أخذت الومضة الأميركية بالانطفاء، وهذا يذهب مباشرة نحو أهمية الصدق التاريخي والوضوح الاستراتيجي بين النخب التي تمتلك القرار والقواعد الاجتماعية والشعبية الفلسطينية.

يريد الفلسطينيون أن يعرفوا إلى أين هم ماضون، وأي الخيارات ما تزال متاحة أمامهم، والى أي حد يمكن أن يراهنوا على السياسة، وماذا بقي من السياسة،  وعلى المستوى الداخلي ماذا كان يحدث عادة على الطاولة المصرية وغيرها،  حينما تفلس المؤسسات السياسية وتضرب مصداقية رموزها يبحث الناس عن مرجعيات أخرى وهذا ما يجب أن تدركه الفصائل الفلسطينية داخل السلطة وخارجها.

المفارقة في التحولات السياسية والإستراتيجية حول الصراع التاريخي  في الشرق الأوسط تبدو في انه كلما ازداد التفهم الدولي للحقوق الفلسطينية، ازداد المجتمع السياسي الفلسطيني ضعفاً، وكلما ازداد الضغط الدولي على إسرائيل  استعاد هذا الكيان بناء جيل جديد من المناورات والحيل.

 الإدراك المتبادل في السياسة علم وفن وخبرة تتطور مع التجارب والمراس، وهو أساس تقدير المواقف في التفاعلات الصراعية والتعاونية بين الدول والتنظيمات ، ولقد عانت القضية الفلسطينية من سوء إدراك الفاعلين السياسيين العرب والفلسطينيين عبر مراحلها المختلفة.

ليست حماس وحدها أول من أساء إدراك الظروف الدولية وإدراك الخصم بل وإدراك الآخر الفلسطيني، فلقد قدمت حركة التحرير الوطني "فتح" نماذج شهيرة في سوء الإدراك وتقدير الموقف، لكن ما تقدمه فتح وحماس اليوم معا حالة نادرة جبّت ما قبلها في سوء تقدير الموقف رغم وضوحه، والخلط بين أدوات السياسة ومرجعياتها وبين ذهنية المقاومة وحدودها.

حالة سوء الإدراك الداخلي تتفاقم وعمليا تقود إلى نزع الهدف الاستراتيجي للشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير من مساره، ولا يكفي تبادل التصريحات التي تدغدغ مشاعر الرأي العام الفلسطيني الذي أرهقته أحوال الاحتلال والحصار والاقتتال والنزاعات الداخلية، الأمر الذي يعني بوضوح ممارسة شفافية سياسية تضمن الحد الأدنى من احترام إرادة الشعب الفلسطيني قبل غيره.

لا عذر ولا ناقة ولا جمل لأحد على هذا الشعب، بعد ان أتيح لكل طرف الفرصة لطرح برامجه وممارسة السياسة من موقع السلطة. اللحظة الراهنة تحتاج إلى وضوح سياسي واستراتيجي من كل التنظيمات في غزة ورام الله وفي الخارج والداخل مع الشعب الفلسطيني أولا وقبل أي طرف آخر. 

التعليق