البلبلة التي خلفتها الأزمة المالية تتطلب حسما لحسر ضبابية المشهد

تم نشره في الأحد 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على أحوال الدول والمواطنين ما يزال قائما، وما جرى محليا خلال الأسابيع الماضية من ازدياد حدة النقد الموجه لسياسة البنك المركزي الأردني وإيقاف بعض قرارته والغمز من استقلاليته وما تتحمله وتقوم به، أو ما لم تقم به وزاراتنا المعنية كالمالية والصناعة والتجارة والتخطيط والمؤسسات الرقابية كالبنك المركزي وهيئة الأوراق المالية ومراقب الشركات وهيئة التأمين وديوان المحاسبة.

واجتماعات رئيس الوزراء بالقيادات المصرفية وبمجلس رجال الأعمال العراقيين في الأردن وتشكيل اللجنة الخاصة بتقصي حاجات القطاعات الاقتصادية ما هو إلا تداعيات لأزمة لا بد لنا من الاعتراف بشدتها واختلاط أثارها على البعض ووضوحها لدى البعض الآخر.

ففي أميركا يخضع وزير الخزانة لضغوط شديدة من لجان الكونغرس المختصة التي تطالبه بالاستقالة، فالنواب يرون أن مجمل المؤشرات الاقتصادية تعكس استمرار حالة التردي فمعدل البطالة يتصاعد ليصل إلى 2و10%، مصحوبا بعجز الموازنة القياسي الذي وصل إلى قرابة 4و1 ترليون دولار، في حين الدين العام وصل إلى نسبة 82% من إجمالي الناتج المحلي الأميركي لتصل حصة كل أميركي منه قرابة ثمانية وثلاثين ألف دولار، ما أثر على حياة المواطنين وبالأخص من السود ومن الطبقة الوسطى.

وعلى تدني الخدمات لدرجة أن العديد من الولايات قلصت دوريات الأمن على الطرق لأسباب مالية على الرغم من الحاجة الماسة لها نتيجة انتقال المواطنين إلى السكن في الأرياف حيث باتت كثير من المناطق الريفية المسكونة بمعدلات عالية خالية من خدمات البوليس.

تداعيات الأزمة على أميركا بدت جلية لدرجة بدأ المجتمع الأميركي يشهد تنامي ظاهرة لم يعرفها من قبل وهي هجرة الأميركي إلى الخارج بحثا عن العمل وبالتحديد إلى الصين والبرازيل ودبي.

وقال أحد النواب  للوزير "أنا لا أطالب باستقالتك، بل إنه لم يكن من المناسب الموافقة على تعيينك بالأصل" وذلك لدور الوزير في الأزمة عندما كان محافظا لبنك الاحتياط الفيدرالي فرع نيويورك ودوره في القرارت التي تم اتخاذها في بداية الأزمة.

كذلك تتفاعل الصراعات الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين حول السبل العلاجية التي تتبعها الإدارة الأميركية والتي لم تظهر أية نتائج لها حتى الآن، فيدور النقاش حول صلاحيات البنك المركزي الأميركي ودوره في الأزمة وعجزه عن معالجتها، فتظهر اقتراحات بإخضاع جميع أعماله لرقابة مكتب الرقابة الحكومي Government Accountability Office.

كما يظهر اقتراح بتقليص صلاحياته لصالح مؤسسة رقابية جديدة يتم تأسيسها مقابل اقتراح آخر بإعطائه مزيد من الصلاحيات، ويظهر تبرم من عدم قدرة المؤسسات التي تم إنقاذها وأخذت من أموال خطة الدعم الحكومية الضخمة، على إيجاد وظائف جديدة كما كان مأمولا بحيث يتم اقتراح آلية جديدة لإحصاء الوظائف التي توجدها فعلا.

هذا بينما يعلن مدير دائرة الموازنة العامة عن ارتفاع المبالغ التي صرفت بطريقة غير مناسبة خلال العام المالي 2009 لتصل إلى مائة بليون دولار بارتفاع أكثر من 30% عن السنة الماضية، هذا في حين يوافق بنك ج. ب. مورغان على دفع غرامة بمبلغ 700 مليون دولار لقيامه بدفع مبالغ بشكل مخالف للقانون لأصدقاء موظفين عاملين مقابل التصويت لصالحه ليكسب صفقة تغطية سندات للولاية بمبلغ 4 بليون دولار.

وفي بريطانيا فرضت السلطة الرقابية على البنك السويسري UBS في بريطانيا ثالث أكبر غرامة بمبلغ 8 مليون جنيه استرليني بعد أن تم كشف قيام كبار موظفيه بأخذ مبالغ من حسابات العملاء لديهم والمضاربة بها في أسواق العملات والسلع وأخذ أرباحها، إن ربحت، وتحميل خسائرها للعملاء إن خسرت مما نتج عنه تحميل العملاء لخسائر بلغت 26 مليون دولار خلال سنتين، مع طرد الموظفين المعنيين.

وسبق وغرمت الهيئة الرقابية الأميركية فرعه في أميركا بمبلغ 780 مليون دولار لتشجيعه عملاءه الأميركيين على فتح حسابات لدى فروعه في الخارج للتهرب من الضرائب، هذا بينما سبق وأمرت السلطة الرقابية اليابانية فرع سيتي بنك في طوكيو بوقف بعض عملياته في اليابان لمدة شهر وتحسين مستوى الرقابة الداخلية لديه عندما اتضح أن البنك لم يتخذ الإجراءات الكافية لمنع "عمليات مصرفية مشبوهة "بما فيها غسيل أموال.

وسبق ومنعته أيضا من تسويق المنتجات المالية لمدة شهر، هذا في الوقت الذي يقرر فيه البنك التخلي عن  استراتيجيته بالعمل كبنك شامل Financial Supermarket Bank ويتبنى استراتيجية التركيز على عمله المصرفي الرئيسي ويحول عمل الوساطة إلى مستشارين ماليين آخرين ويوجه 550 موظفا كانوا يقومون بتلك الأعمال لأعمال مصرفية أخرى، في حين تخوض الحكومة اليابانية الجديدة معركة صامتة مع البنك المركزي حول دور سياسته النقدية في التعامل مع الأزمة.

وفي فرنسا يدور الجدل في مجلس النواب الفرنسي حول فرض ضريبة على أرباح البنوك لتمويل عمليات تشديد الرقابة على البنوك، وتثور ثائرة وزير المالية الفرنسية على ذلك وتعتبره إجهاضا لجهودها في جعل باريس مركزا ماليا عالميا منافسا.

الأزمة ما تزال قائمة والبلبلة العالمية والمحلية إنما تعبر عن تفاعلاتها، لكن العبرة تبقى في النتائج وفي القرارات التي تتخذ ويتم تنفيذها هناك أو محليا، فقد أوقف رئيس الوزراء قرار البنك المركزي الأردني بعدم تمويل أعمال رجال الأعمال العراقيين خارج الأردن.

وما تزال الحاجة لقرارت أخرى على مستوى السياسة النقدية والمالية من تخفيض أسعار الفوائد وتخفيض حصة الدولار من حجم احتياطيات البنك المركزي الأجنبية وبلورة وإقرار سياسة جديدة بخصوص ربط الدينار بالدولار وضبط متوازن لمالية 2010 وضبط الإنفاق الحكومي داخليا ووقف اقتراض الحكومة بشقيه الداخلي والخارجي وإقرار قانون ضريبة دخل عادل ومحفز وكلها متطلبات للتخفيف من حدة الأزمة على الصعيد المحلي.

تداعيات الأزمة على المستوى المحلي لها مؤشرات متعددة، ويبقى على الحكومة أن تبادر بقراراتها لمواجهتها بعد البلبلة التي مرت بها بين إنكارها والاعتراف بوجودها بدون التأثر بها ثم عندما داهمتنا الأرقام والإحصائيات، فالوقت ما يزال متاحا لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد.

التعليق