توسع الحكومة في ربط النشاطات الاقتصادية بالتضخم يربك الأداء

تم نشره في الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 عندما ارتفع معدل التضخم في العام الماضي وبداية العام الحالي إلى مستوى شارف 16%، أعلنت الحكومة ربط رواتب القطاع العام بالتضخم، وذلك في خطوة رغبت بها أن تكون شفافة وتحافظ على مستوى حياة مواطنيها، ولحسن حظها بدأت اسعار النفط، وهي محرك أساسي لارتفاع الأسعار ، بالتراجع ما جعل الأمر يبدو مشجعا.        

واتضح اخيرا أن اتفاقية الحكومة عام 2007 مع شركة مجموعة المطارات الدولية التي تدير مطار الملكة علياء الدولي تعطي الشركة الحق برفع رسوم مطار الملكة علياء كل ثلاثة سنوات حسب معدل التضخم، ما جعل الشركة المذكورة تمارس حقها فتتخذ قرارا برفع رسوم مطار الملكة علياء بنسبة 21% إبتداء من العام المقبل، وتابعنا ردود الفعل السلبية المحلية والأجنبية على القرار.

كذلك قررت الحكومة في مرتكزات رسمها لموازنة العام المقبل 2010 أن معدل التضخم سيكون بحدود 3%، ما اثار استغراب المحللين الاقتصاديين الذين يرون عدم واقعية تقدير الحكومة، وذلك بدليل ارتفاع سعر النفط ومؤشرات على استمرار ارتفاعه وانعكاس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات كما حصل منذ أيام عندما رفعت الحكومة سعر بعض المشتقات البترولية بنسبة 9% وتبعها فورا رفع سعر الإسمنت.

ويتولى البنك المركزي الأردني بحكم قانونه مهمة محاربة التضخم وتحقيق استقرار الأسعار والمحافظة على القيمة الشرائية للدينار وهي مهمة تبدو على الورق وفي مساقات الإقتصاد والنقود والبنوك سهلة التحقيق.

لكنها في الواقع تحتاج لحسن إدارة السياسة النقدية، وتناغم سياسة الحكومة المالية معها وهي أمور داخلية وتحت سيطرة الحكومة والبنك المركزي، لكنها في نفس الوقت تحتاج إلى استقرار الأسعار العالمية وهي بطبيعتها خارج سيطرة الحكومة والبنك المركزي ، وسعر برميل النفط أصدق مثال على ذلك ،مما يجعل مهمة البنك المركزي الأردني صعبة شاقة .

وعليه فإنني لا أدري ما الحكمة في قرار الحكومة ربط رواتب القطاع العام بمعدل التضخم ، والذي قد يكون جاذبا للشعبية على الرغم من عدم صحته ماليا واقتصاديا وفنيا ، ولا أدري كيف تتنازل الحكومة لشركة مجموعة المطارات الدولية عن موضوع سيادي وتسمح لها برفع أسعار خدمات استراتيجية ، كرسوم مطار الملكة علياء وفقا لمعدل التضخم ، متناسية ظروف تنافسية مطار الملكة علياء الدولي وأثره على صناعة السياحة الأردنية وقطاع الطيران ، وصناعتهما العالمية في ظل الأزمة الإقتصادية العالمية التي أفلست بعض كبريات شركات الطيران وأجبرت بعضها على الإندماج، ولا أفهم كيف تم اعتماد معدل التضخم لرفع رسوم خدمات المطار بنسبة 21%.

إن مصداقية البنك المركزي في تحديد معدل التضخم ، ومصداقية المؤسسات الأردنية التي تصدر الأرقام كدائرة الإحصاءات العامة أمر لا يحتاج توضيحه إلى عناء ، وكلنا نعلم قيمة هذه المصداقية على مجمل الصورة الأردنية داخليا أمام المواطن والمستثمر والدارس والباحث ، وخارجيا أمام المؤسسات الدولية والدول الأجنبية التي تتابع سفاراتها كل ما يصدر عن مؤسساتنا الأردنية الإقتصادية والإحصائية .

لقد أدخلت الحكومة نفسها في مأزق هي في غنى عنه ، فها هو وزير النقل يدافع عن قرار شركة مجموعة المطارات الدولية ويؤكد حقها ويرجعه إلى انخفاض رسوم مطار الملكة علياء وعدم رفع هذه الرسوم منذ سنوات طويلة ، بينما نتابع ردود إدارة " الملكية " ووراءها كثير من زبائن المطار الذين يحتجون على القرار وعدم عدالته وسوء توقيته.

وبوضوح أكثر ، فإننا لا نريد أن يصبح معدل التضخم شماعة متاحة بقرار حكومي لمن يريد أن يعلق عليها مصاعبه ويخلق إشكاليات للحكومة ولنفسه ولقطاعه الإقتصادي ليدخلنا في متاهات رقمية لا تسمن ولا تغني من جوع.

في نفس الوقت الذي يكون الضرر الناتج عن ذلك يفتك بمطار الملكة علياء الدولي ويخفض رقم المسافرين من خلاله، ويقطع رزق شبكة الأعمال المرتبطة فيه من سياحة ومواصلات وغيرها ويتم توظيف معدل التضخم بطريقة تلحق الضرر بمفاصل اقتصادية مؤثرة.

مطلوب من الحكومة توخي الحذر والقيام بخطوات علاجية مبكرة بغض النظر إن صدقت توقعاتها عن معدل التضخم في العام المقبل أو إن خابت ، فآخر ما نريده أن يصبح معدل التضخم نقطة خلافية جديدة تحشد لها الحكومة المؤيدين وينبري للدفاع عن معدل تضخمها الطامحين ، ومن الأفضل أن نحافظ على هذا المعدل مؤشرا فنيا بحتا دون أن ندخله في دوامة الإتفاقات والتعاقدات ، وأن نحفظ لمؤسساتنا حقها الوظيفي بالقيام بعملها وفق أعلى المعايير المهنية دون أي تسييس ، لتبقى بوصلة رسم السياسات الإقتصادية العامة موجهة بشكل صحيح وتبقى مصداقية الأردن ومؤسساته عالية كما هو معهود عنها ، في نفس الوقت الذي يسترشد به كل من يريد وللهدف الذي يريده.

zayan.zawaneh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »توسع الحكومة في ربط النشاطات الاقتصادية بالتضخم يربك الأداء (وليد المزرعاوي)

    الأحد 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    الأستاذ الكريم
    الا ترى معي ان هناك خلل في العلاقه مابين الخبراء والمحللين الأقتصاديين المستقلين وما بين المسؤلين عن القرار الأقتصادي في الدوله علما بان الأقتصاد لغة الأرقام ولا يجب ان يختلف عليه اثنين مع العلم بان هناك قصور واضح في الأداء الأقتصادي للدوله متمثل في عدم وضوح للسياسه الماليه وعدم السيطره على المشاكل الأقتصاديه او على الأقل الألتفات اليها مث مشاكل السوق المالي والبنوك والرقابه عليها والتدني الواضح في ادائنا الأقتصادي بمختلف شرائحه وكأن اصحاب القرار الأقتصادي لا يعنيهم هذا الأمر بل على العكس نقرأ في عيون المسؤلين نظرات التشفي
    شكرا لك استاذي الكريم