مصطفى محمود بين العلم والإيمان

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

تفتح وفاة الأديب والمفكر المصري الدكتور مصطفى محمود (30 تشرين الأول/ أكتوبر 2009) الباب على مصراعيه لمناقشة الجدوى الفكرية والقيمة العلمية للتفسير العلمي للآيات القرآنية. ذلك أنَّ الكاتب الذي قضى عن ثمانية وثمانين عاماً، وخلّف وراءه تسعة وثمانين كتاباً، تتراوح بين الأدب والفكر والتجارب الشخصية والسياسة والخواطر الخاصة والبحث في أسرار الكون، كان قد خاض مسيرة فكرية طويلة بدأت بالإلحاد والفكر الماركسي اللذين استمر ثلاثين عاماً يكتب منهما، وينظِّر لهما، وفيهما قدَّم كتابه الشهير: "الله والإنسان".

ومثل أي باحث مخلص لم يخجل من أن ينعطف انعطافته الفكرية الكبرى التي انتهى فيها إلى الإيمان بجميع ما أنكره من قوى الغيب. بل إنه لم ينهَ إيمانَه الجديد ذاك عن التعامل مع الجنِّ – بحسب صديقته الكاتبة د. لوتس عبدالكريم، ناشرة مجلة الشموع الثقافية المصرية وكما جاء في موقع "العربية" على الإنترنت؛ هذا التعامل الذي تجاوز الإيمانَ بالجن – كما جاء ذكره في القرآن – إلى استخدامه في قضاء حاجات أصدقائه، مما كان يتطلب عناق الجني الذي يستدعيه، ويسبب له آلاماً جسدية هائلة!!!

انعطف مصطفى محمود فكرياً إذن، وكان ذلك بعد كارثة الـ 67. هذه الكارثة التي لم تقتصر على هزيمة عسكرية ومن ثمَّ سياسية، بل خلخلت اليقينَ العربي برمَّته، فكرياً واجتماعياً. وهنا بدأ الماركسي العتيق يعيد قراءته للكون وللدين وللفكر الذي ينتمي إليه، فأخذ ينشر في مجلة صباح الخير القاهرية كتابه "القرآن: محاولة لفهم عصري" مُنَجَّماً. وكانت تلك المرة الأولى التي حظي فيها بالنشر في الصحافة العربية كتابٌ يتناول ما يُسمّى بالإعجاز العلمي في القرآن. وكان لذلك صدى ما أزال أذكره، إذ كنا ننتظر مقالته الأسبوعية بفارغ الصبر، وكنا نجد فيما يقول كلاماً جديداً ورؤية مختلفة عما ألفناه آنذاك من خطاب ديني تقليدي، باستثناء ما قدمه جوهرياً للثقافة العربية أمثالُ الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى عبدالرازق. لقد بدا أنَّ الكاتب كان يُقنع نفسه أولاً بعد رحلته الطويلة في إنكار الله والأديان. ولم يكن رفاقه وأصدقاؤه في "صباح الخير" يأخذون إيمانه الجديد هذا على محمل الجد. وعندما حاولتُ لقاءه في القاهرة في ثمانينيات القرن الماضي، كان قد بنى مسجداً في المهندسين، خصص لنفسه فيه غرفة يعتكف فيها ويتأمل ويكتب ويعيش، زاهداً بما تدره عليه أعماله السائرة من مال وفير، معتنياً بفعل الخير وبالفقراء.

ومصطفى محمود هو صاحب المفهوم الجديد "العلم والإيمان" الذي تبناه من بعده صديقه الرئيس السادات، وآخرون من حركة الإخوان المسلمين، والذي قدم تحت مُسَمّاه برنامجَه التلفازي الشهير. وإذا كان عبد الرزاق نوفل قد سبقه في التفسير العلمي لآيات الكتاب في مؤلَّفه "الله والعلم الحديث"، فإنَّه هو من نشر هذا المنهج الحادث في تفسير القرآن الكريم، وإليه الفضل على جميع من أتى بعده، وعلى تلك الفضائيات المتخصصة في "الإعجاز العلمي" في القرآن، والتي تستبيحُ – يا للأمانة العلمية!! – كتبه و"براهينه"، من دون أن يرف لها جفن، ومن دون أن تذكره – مجرد ذكر– في مراجعها.

وأهم ما في مصطفى محمود، في رأيي، شخصيته؛ فقد كان متواضعاً أشد التواضع، ولم يكن في سجاله منتفخاً ولا متيقناً تيقُّناً أخرق، وكان إلى ذلك باحثاً مخلصاً، تخوِّله خلفيته كطبيب، وكمهتم بعلوم الفلك، مقاربةَ العلم والبحث فيه، لا على غرار بعض من يعتلون المنابر، ويكفرون الناس، ويفتون فيما لا يعلمون. 

zulauka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الانعطاف يشمل الجميع معي او ضدي (احمد الجعافرة)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    يعتقد بعض الناس ان الانعطاف والتغير في الفكر يقتصر على غيرهم بينما هم غير معنين في ذالك وهذا مالم تقله الكاتبه المحترمه لان التغير سنة الحياة وينطبق على الجميع؛ ولا يوجد انسان محصن الا اذا تجاهل كل هذه الاحداث التي يمر بها العالم وصم اذنيه عنها وادعى امتلاكه للحق كامل عندها يحق له ان يتكلم عن تغير الناس وفقا لبوصلته التي لاتقبل الخطأ؛
  • »رائد الاعلام الاسلامى (د. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أشكر الكاتبه زلبخه ايو ريشه على مقالها مصطفى محمود بين العلم والايمان
    لقد كان لانتشار تيار الالحاد فى بداية القرن الماضى حيث ظهر فيه مقال لاسماعيل ادهم(لماذا انا ملحد؟)واصدر طه حسين كتابه (فى الشعر الجاهلى)إضافة الى كتاب آخرين مثل نجيب محفوظ وغيره حيث كان وقتها مصطفى محمود بعيدا عن الاضواء لكنه لم يكن بعيدا عن تلك الموجة السائده التى ادت به للدخول بها فى سنوات مراهقته والتى مازالت تثير الجدل لحد الان
    ومما لاشك فيه بان هذه التجربه صهرته بقوه وصنعت منه مفكرا دينيا خلاقافقد كان مصطفى محمود من اكثر الكتاب المثيرين للجدل حتى ان كتابه الشفاعه والذى الفه سنة 2000 والذى قال فيه بان الشفاعه التى سؤف يشفع بها رسؤل الله صلى الله عليه وسلم لامته يوم القيامه لا يمكن ان تكون على الصوره التى نعتقدها نحن المسلمون ويروج لها علماء الشريعه والحديث لان الشفاعة بهذه الصوره تمثل دعوة صريحة للتواكل الممقوت شرعا مما عرضه لحملة قاسيه وهجوم شرس وحاد من قبل الكثير من علماء المسلمين الى الحد الذى صدر فيه 14 كنابا للرد عليه
    لقد ترك لنا رحمه الله 89 كتابا منها الكتب العلمبه والدينيه والفلسفيه والاجتماعيه والسياسيه إضافة للعديد من المسرحيات وقصص الرحلات وكان اسلوبه يتمبز بالكثير من الجاذبيه مع العمق والبساطه
    وقد وصفه المفكر الاسلامى د. محمد عماره (بانه لم يكن مجرد مفكر ولا كاتب وإنما كان ظاهرة فكريه تمثل أحد معالم العصر الذى نحياه )
  • »مشكورة (محمد رياش)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    مشكورة جدا على مقالك عن هذا الرجل العظيم.

    ولكني صراحة لم اتمالك نفسي من الضحك عندما قرأت آخر فقرة, فلهؤلاء دائما نصيب من مقالاتك حتى لو لم يكن الموضوع حولهم.
  • »الدكتور مصطفى محمود (يوسف العواد)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    الدكتور مصطفى محمود علم من اعلام الفلسفة و الفكر و العلم و الادب الذي اغنى المكتبة العربية بكتبه و اغنى التلفزيون ببرنامجه الشهير العلم و الايمان.و تبقى شخصية الدكتور مصطفى محمود شخصية مثيرة للجدل و سواء اختلفنا او او اتفقنا معه ستبقى تجربته في رحلته من الشك الى الايمان مصدرا من مصادر المعرفة لمن اراد ان يتعرف عليها من خلال كتبه . انا من قراء الدكتور مصطفى محمود منذ اكثر من 40 عاما ولا استطيع ان اعبر عن اعجابي و تأثري بها و تحفظي و اختلاط المشاعر و الافكار.عالم مصطفى محمود مزيج رائع يختلط فيه الدين و العلم و الادب و التصوف و الفلسفة.عالم مصطفى محمود يصور الكدح في طلب المعرفة التي هي ضالة الانسان الباحث عن الحقيقة الذي يتسلح بالعلم و الايمان.و كغيره من المفكرين تعرض الى محن وخصومات مع الاخرين لانه لم يخضع الى الاستبداد في الراي من قبل بعض العلماء يدعون انهم انهم يملكون الحقيقة المطلقة.لان الاسلام امره بالتفكر .و كغيره من المفكرين لا نستغرب ان نسمع او نقرأ عن اتهامات او تشويه لا تليق بقامة هذا المفكر الكبير.و لنا في التاريخ عبرة فكثيرا من علمائنا ومفكرينا الافاضل و الذين نحبهم و نقتدي بهم تعرضوا الى محن و فتن وصلت حد التكفير و السجن و القتل وبالرغم من هذا بقيت افكارهم خالده تتوارثها الاجيال.ارجوا من الله سبحانه و تعالى ان يرحم الدكتور مصطفى محمود وعظم الله اجرنا بهذا المصاب الجلل و انا لله و انا اليه راجعون.قال تعالى:- ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).
  • »الرجوع إلى الحق فضيلة (إبراهيم)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    تقولين:(ومثل أي باحث مخلص لم يخجل من أن ينعطف انعطافته الفكرية الكبرى التي انتهى فيها إلى الإيمان ) الرجوع إلى الحق فضيلة،ونتمنى على الكثيرين الذين كانت لهم خلفيات دينية ثم انعطفوا ، أن يعودوا إلى الاستقامة مرة أخرى
  • »رحمه الله! (sami)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    رحم الله الدكتور مصطفى محمود و جزاه عن الأمة كل خير...فقدانه خسارة كبيرة...
    كتبه علامة فارقه تخاطب العقل و الوعي, بخلاف الكثير من الكتب التي تحاول فرض الراي بلا اقناع.. جزاه الله عني كل خير
  • »يا محرر (سامي عوده)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    المحرر: شكرا أخ سامي على الملاجظة المهمة ونرحب بك صديقا للموقع
  • »الادب والايمان (رشاد الصاحب)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    بداية شكرا للدكتوره على طرح الموضوع والرحمه للدكتور مصطفى محمود وعوده الى المقال لاقول ان اكثر من ابدع واقنع في تفسير القران الكريم هم العلماء وليس الشيوخ مع الاحترام والتقدير لهم الا اننا نلاحظ ان العلماء الاجلاء من مثل الدكتور زغلول النجار والدكتور عمر عبد الكافي والدكتور المرحوم وكثير من الاسماء التي لا تحضرني الان كانوا اكثر اقناعاللعقل البشري لما كانوا يقدموه من ادله وبراهين تحاكي العقل وليس العاطفه ورب العزة يقول(انما يخشى الله من عباده العلماء)اي ان اكثر الناس خشية لله هم العلماء بما خبروه وعلموه اتمنى من الله عليكي ايتها الدكتوره والاديبه ان توجهي ادبك وعلمك لخدمة الدين وكتاب الله وان تحاولي ان تجدي صور بيانيه وادبيه من القران تحاكي بها كل ذي عقل سديد عسى الله ان يتقبل منك ويجعله في ميزان اعمالك
  • »غمز ولمز .. وادعاء احترام!! (عامر)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    الكاتبة لا تستطيع أن ترثي رجلا فاضلا دون الغمز واللمز .. فهو انعطف تاريخيا بسبب الازمة النفسية بعد النكسة .. وهو يدعي التعامل مع الجان بحسب ما زعم فلان ولم تنس في نهاية مقالها أن تعرّض ببعض من يعتلون المنابر ... قالو قديما اذكرو محاسن موتاكم فكيف إذا كان في ميتنا حسنات يضيق بها كتاب فضلا عن مقال صغير .. وكان من الممكن لكاتبتنا أن تخص بعض من يعتلون المنابر بمقال آخر في زاوية أخرى .. ولا حول ولا قوة الا بالله
  • »رائع (bashar_ra)

    الثلاثاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    على خلاف تعليقاتي السابقة على كتابات الكاتبة الا أنني وجد نفسي مجبرا على الاثناء على الكاتية و الاتفاق معها وتحديدا في الجزء الأخير من المقال.

    شكرا