بائع الفستق في شتاءات عمّان الطويلة

تم نشره في الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

عُدْ، إذا شئت، عشرين عاماً إلى الوراء، وتخيّل إذا شئت إنك في عمان، وأنك ركبت باصاً مكتظاً وبارداً كفقرك لتصل إليها لا لشيء إلا لتتجول. إذ ماذا يفعل ذلك الفتى صغير السن بثيابه الفقيرة وبشعره الطويل كغيوم سوداء سوى ذلك؟! وأي متعة لذلك الفتى إياه سوى أن يتجول في تلك المدينة لا سواها؟! فهو إذ يفعل يشعر بالدفء، إذ يفعل ينسى الطين العالق بحذائه وثيابه وأيام عمره، ويحلق عالياً عالياً في سماء أحلامه وقطاراتها البهيجة.

وتخيّل يا صديقي "س"، تخيّل أيضاً أنها تمطر. لا بأس تخيّل، ولكن ليكن مطراً كثيفاً يتساقط من سماء الله، يا "س". مطراً ناعماً يداعب كتف الفتى، يتغلغل في شعره، يندس في ثيابه. وليكن شتاء عمّانياً بإمتياز يجعل حذاءه مغموراً بماء يتدفق إليه ومنه وفيه، فيما يصعد هو شوارع المدينة وسنوات عمره غافلاً عن مارة يتراكضون إلى مواقف السيارات أو إلى ما تيسر من مظلات. مارة غافلهم المطر فألجأهم إلى السير فالهرولة فالركض قرب حوائط المحلات التجارية، وصولاً إلى مقهى ما أو مطعم صغير هنا أوهناك هرباً من مطر يداعب وحسب كتف ذلك الفتى ويتغلغل في شعره الطويل كغيوم سوداء.

الفتى لا غيره يذهب الآن إلى سينما الحسين، كلا بل الخيّام، لكن قبل ذلك تداعبه خفة أن يلاعب المطر وينازله، فلا بأس ولو تمهل قليلاً، على خلاف المارة المهرولين، ليعرّج على "فؤاد" قبل أن يمر ببائع الفستق في طريق صعوده إلى دار السينما، وإنني الآن أراه يفعلها، ها هو يأكل سندويشته التي يتصاعد منها البخار، وها هو يقف الآن أمام بائع الفستق ويبتاع منه بعشرة قروش ويمضي، دون أن يلتفت إلى الوراء.

في السينما يغرق في دفء غامض، يحلّق بعيداً، يعيش في عالم لا يشبه عوالم الناس ويركض في حقول خضراء، ويسافر في قطارات سريعة تتجول بين العواصم والقارات، وينام في أسرّة وثيرة الفراش، ويصحو على أصوات طيور خضراء تنقّر نافذته وتأكل الحب من يديه إذ يمدها إليها.

وفي كل ما يفعله، وأرجو أن تلاحظ يا "س" أنه لا ينظر إلى الوراء، بل إلى داخله، حتى أنه لم ينتبه إلى البخار المتصاعد من يديّ بائع الفستق وهو يتناوله منه، وإلى أن ذلك البخار كان يتشكل غيوماً بيضاء تداعب بل تعانق كتف ذلك الفتى صغير السن بشعره الطويل كغيوم سوداء.

أنظر إليّ يا "س" الآن وحدّق معي في ذلك الفتى الآن، هل ترى ما أراه؟ هل حقاً كف عن التحديق في داخله... مأسوراً بأحلامه، وأخذ ينظر إلى الوراء؟

بلى إنه يفعل، إنه يرى الآن رجلاً عجوزاً يبيع الفستق في زاوية شارع الصاغة، غير بعيد عن البنك العربي، ويرى وجهه الإفريقي الطيب وأسنانه الصغيرة ويديه المعروقتين والطيبتين. إنه لسبب غامض يراه الآن ويعيد النظر إليه بلا إنقطاع وهو منزرع في مكانه وقوفاً ودون كلل، وبلا أي صحبة أو حديث مع أحد، مكتفياً بغيومه البيضاء التي يُودعها في ثياب زبائنه دون أن يعرفوا أنه يُودعهم سره ومحبته وربما حزنه وغربته، وأنه يشكّلهم ويرعى غربته هم أيضاً بغيومه البيضاء.

من أين تأتي تلك الغيوم؟ من الوطن الأم في أفريقيا؟ من القدس حيث ترعرع؟ من عمان حيث إستقر وأحب ووقف حارساً للمكان، ومشكّلا ذاكرة أبنائه؟ من أين تأتي تلك الغيوم البيضاء يا "س"؟؟؟ قل لي فأنت حكيم، قل لي فأنت ضمير، قل لي فأنت إبن ذلك المكان، وقل لي تُرى لماذا ينظر ذلك الفتى الذي لم يعد صغيراً الآن ولم يعد شعره طويلاً كغيوم سوداء إلى ذلك الأفريقي- المقدسي- الأردني دون سواه في هذه اللحظة بالذات؟

أهو الحنين إلى عمر ذهب؟؟؟ أهو الحنين المريض إياه؟! أجبني بالله عليك يا "س".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أنا "س" (جوليانه)

    الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أنا "س"
    نعم أنا "س" , أحدهم, كنت أركض وأنا فتى ولا أنظر خلفي بل أحدق في داخلي أتابع نضوج هويتي وأضع توقعات عظيمة لها, لست معنيا كثيراً بما حولي في هذه المرحلة فأنا جئت من مكان ما إلى هنا بهدف المرور فقط لا أنوي الاستقرار, أنوي أن أتذوق من بعض ما في هذا المكان وأرجع إلى حيث أنتمي ,أو هكذا اعتقدت, وكنت أطمئن داخلي وأتفقد روحي من حين لآخر.
    أتوقف اليوم أمام جبل تحيطه وتغمره غيوم الحنين المبهجة, يحمل أطيافاً متعددة أحدها من بلده الأم و واحدة من البلد الدافئ الذي يحتضنه وأخرى تنبع من داخلة تشع نوراً, يبدو سعيداً وليس مكحلاً بهموم الأوطان لأن قلبه وروحة يشعان صداقة ويبدو انه يرمي أعبائه عند عتبات المكان .أرجعني صاحب الغيوم إلى يوم كنت أعتقد انه علي أن أعيش كالمارة فلا ألتفت كثيراً خلفي أو حولي خوفاً من أن أزل وتغرس قدماي في المكان وأفقد هويتي....دون أن ألاحظ إنه بإمكاني أن أحتفظ بروحي وأعيش في كل مكان.
    يأخذني الحنين إلى تلك الصفحات العتيقة, وتنتابني رغبة في البكاء عندما يستوقفني ذلك الأصيل الإفريقي ويذكرني بغربة روحي وبهويتي المشوهة التي خانت توقعاتي و يذكرني كيف ضاع عمري وأنا اركض واعجز الآن أن أضع عنواناً للمكان.
    س,س,س
  • »تفاصيل قديمة ما عادت (حمزة مازن تفاحة)

    الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    جميل كما كتبت
    عباراات رقيقة وذاكرته ملتهبة وتفاصيل دافئة وجميلة وذلك الافريقي لبذي تحول الى معلم من معالم وسط البلد لا يمل ذلك الصمت الرهيب ..