مزارعو الحضر في أفريقيا

تم نشره في الخميس 29 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

نيروبي ـ عندما التقيت يونيس وانجاري في أحد مقاهي نيروبي مؤخراً، فوجئت حين سمعتها وهي تتحدث على هاتفها المحمول وتسأل أمها بكل إصرار عن التقدم الذي تم إحرازه في حقل ذرة في قريتها التي تقع على مسافة ساعات من المدينة الكبرى. وانجاري تعمل ممرضة، وهي تعتمد على الدخل من الزراعة لجمع المال لشراء المزيد من الأرض، لمزيد من الزراعة.

ورغم أن وانجاري تعيش في العاصمة الكينية، فهي قادرة على ربح المئات من الدولارات سنوياً من المحاصيل المربحة التي تزرعها بمساعدة أقاربها. ولقد نجحت منذ وقت طويل في استرداد المبلغ الأولي الذي بدأت به المشروع ـ والذي استمدته من أجرها كممرضة والذي يبلغ حوالي 350 دولارً في الشهر.

وانجاري واحدة من آلاف العاملين المقيمين في المناطق الحضرية في كينيا ـ وواحدة من مئات الآلاف، بل والملايين، في مختلف أنحاء أفريقيا ـ والذين يحاولون زيادة دخولهم عن طريق الزراعة بالوكالة. ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، فإن العديد من المقيمين في المناطق الحضرية يجدون في الزراعة مكافأة مجزية.

والزراعة بالوكالة من بين أسباب دعم العزة الوطنية أيضاً ـ والفخر بالأغذية التقليدية ـ بسبب تخصصها في الخضراوات التي تشتهر بها المنطقة. وتقول وانجاري: "لقد ظلت بلدنا لفترة طويلة للغاية تتلقى فيضاً من الأغذية المستوردة والأطعمة الغربية. ولقد حان الوقت الآن للمقاومة ـ وزرع غذائنا بأيدينا".

ظل الزعماء السياسيون في مختلف أنحاء أفريقيا لمدة طويلة رافضين للمخاوف والهموم المنتشرة في المناطق الريفية، ولكنهم أدركوا أخيراً أهمية الزراعة والدور الذي يستطيع الأشخاص المتعلمون أن يضطلعوا به في مجال الزراعة، حتى أولئك الذين يعيشون في المدن الكبرى. ففي نيجيريا يمتلك الرئيس السابق أولوسيجون أوباسانجو مزرعة ضخمة متنوعة ولقد مارس الضغوط من أجل وضع سياسات قادرة على المساعدة في ازدهار أعمال المزارعين بالوكالة. وفي أوغندا يسافر نائب الرئيس جيلبرت بوكينيا بشكل روتيني إلى مختلف أنحاء البلاد، لتشجيع المزارع العالية القيمة، مثل مزارع منتجات الألبان.

وربما نجد الدعم السياسي الأكثر وضوحاً للزراعة بالوكالة في ليبريا، وهي الدولة الصغيرة الواقعة في غرب أفريقيا حيث تسببت الحرب الأهلية في دمار الزراعة وأرغمت الناس على الاعتماد على الواردات الغذائية، حتى إلى يومنا هذا. فقد أدركت الرئيسة إيلين جونسون سيرليف أن المتعلمين من الناس قادرون على المساهمة بالكثير من أجل إحياء الزراعة، فأطلقت حملة "العودة إلى الأرض" في حزيران (يونيو) 2008، لتشجيع سكان المدن والمناطق الحضرية على ممارسة الزراعة.

لا شك أن ممارسة أهل النخبة والعاملين المتعلمين في الحضر للزراعة بالوكالة لن تغطي بالكامل الحاجة الملحة إلى الغذاء في أفريقيا. فضلاً عن ذلك فإن المزارعين بالوكالة يواجهون الكثير من المشاكل غير المتوقعة. فهم يعتمدون اعتماداً كبيراً على الأقارب والأصدقاء، لأنهم لا يزورون حقولهم بانتظام.

تقول يونيس وانجاري عن تجربتها "حين قررت زراعة القمح لأول مرة في هذا الربيع على أرض مستأجرة في القرية التي أمضيت بها طفولته، وافقت أمي على الإشراف على حرث الأرض وزراعتها وحصاد المحصول. ومن دون مساعدتها فما كنت لأتمكن من الزراعة على الإطلاق. وحتى مع مساعدة أمي لي فما أزال أعاني من بعض المخاوف. فرغم أنني نشأت حول حقول القمح، إلا أن معرفتي بالزراعة ضئيلة للغاية. ولقد تبين لي أن المخصبات ورش المحاصيل أكثر تكلفة مما كنت أتصور. ومع أن سيقان القمح في حقولي تتبرعم في الوقت المحدد، فإنني أخشى الآن أن تهبط الأسعار في وقت الحصاد ـ شهر تشرين الثاني (نوفمبر)ـ فأعجز عن تعويض المصاريف".

والهاتف المحمول من بين الأدوات الأساسية التي أعتمد عليها. فآمالي في النجاح متعلقة بقدرتي على الاتصال بأمي بتكاليف زهيدة لمناقشة أمور المزرعة معها. بل لقد قررنا عبر الهاتف النوع من المبيدات الحشرية الذي ينبغي لنا أن نستخدمه وشركة الجرارات التي يتعين علينا أن نستعين بها.

الواقع أن العديد من مزارعي الحضر يتمكنون من إحراز النجاح لأنهم يعرفون أذواق ساكني المدن والظروف في المناطق الريفية. بل إن بعض ساكني المدن لا يكلفون أنفسهم عناء الحصول على أرض أو طلب المساعدة عن بُعد. ذلك أنهم يستطيعون زرع بعض المحاصيل المعينة في منازلهم. على سبيل المثال، يقوم جيمس ميموسي، وهو محاسب، بزراعة الفطر في غرفة نوم لا يستخدمها في بيته، ثم يبيع إنتاجه للفنادق القريبة والمحلات التجارية الكبيرة.

ومع ذلك فإن أغلب الناس الذين يعيشون في المدن الأفريقية قادرون على الحصول على أراضٍ زراعية في الريف، ولهذا السبب بادرت حكومة ليبريا إلى تسليط الضوء على إمكانية التوسع الزراعي. وفي حملة إعلانية جديدة بدأت هذا الصيف، أعلنت السلطات: "الأرض بنك؛ فاستثمروا أموالكم في الأرض".

في ليبريا يتلخص الدافع الرئيسي في الحد من الواردات من المواد الغذائية مثل الأرز والطماطم (البندورة). وفي البلدان الأكثر ازدهاراً، يجد أهل النخبة الأفريقية الحافز في تفاعل معقد يشتمل على الكرامة الوطنية، والشواغل الخاصة بالغذاء، والسعي إلى جني الربح. ففي زامبيا على سبيل المثال، أشعلت سيلفا باندا الهوس بالوجبات التقليدية الأصلية منذ عقدين من الزمان بافتتاح سلسلة من المطاعم الشعبية. والآن يرغب أهل لوساكا العاديين في طهي وجبات مماثلة في بيوتهم، الأمر الذي يعطي دفعة قوية للطلب على المزارعين الذين ينتجون هذه الأطعمة الشهية مثل اليقطين المجفف، وأوراق "البلاك جاك"، والبامية الطازجة.

وعلى نحو مماثل في نيروبي، تعمل ميرينجو كينيانجوي، وهي امرأة أخرى من صاحبات المشاريع، في توفير الإمدادات من دقيق الذرة والقمح الخام ذي القيمة الغذائية الأعلى. وفي خطوة أخرى لتمييز منتجاتها عن النسخ الغربية منها، قررت كينيانجوي أيضاً أن تبيع عبر محلات البقالة دقيقاً بنكهة الأماراثان ـ نوع من الخضراوات ينمو في مختلف أنحاء كينيا.

ولقد اجتذبت محاولات إحياء الأطعمة التقليدية اهتمام الشركات الكبيرة المتعددة الجنسيات. ففي العام الماضي، أدار فرع شركة يونيليفر في كينيا حملة تحت عنوان "تذوق ثقافتنا" بهدف الترويج لمنتجاتها من الأعشاب والتوابل التقليدية في شرق أفريقيا.

وتسير مثل هذه الحملات جنباً إلى جنب مع التوسع في الزراعة، وذلك لأن باعة هذه الأغذية والأطعمة يفضلون المزارعين القريبين منهم، حتى ولو كان المزيد من هؤلاء المزارعين يعيشون في المدن.

* كاتبة وصانعة أفلام وثائقية، وحائزة على أولى جوائز فلاريتي للأفلام الوثائقية والتي تمنحها مجلة ساين سورس.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق