لماذا نفرح ونحن نتذيل قائمة مؤشر الحريات الإعلامية!

تم نشره في الثلاثاء 27 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

حرية الإعلام لم تتجذر عندنا وهي تسامح من السلطة التنفيذية، ولا يوجد لها ركائز مستقرة وجمهور يدافع عنها في كل الظروف

حصل الأردن على المركز 112 في مقياس حرية الإعلام، وفق مؤشرات منظمة "صحفيون بلا حدود"، محققاً تقدماً عن العام السابق 16 مرتبة.

هذا التقرير يثير كل عام ردود فعل متباينة، واستقبل بترحيب مبالغ فيه بالأردن باعتبار أننا حققنا "نصراً" مبيناً، وهو ما دفعني للقول لإذاعة سألتني عن تعليقي فقلت لهم لماذا "لا يزغردون" ويعلنون الأفراح والليالي الملاح ابتهاجاً بهذا "النصر"؟!

وبتقديري أننا تقدمنا في المؤشر لأن أكثر من دولة عربية تراجعت، وحسب دراستي وخبرتي فإننا "مكانك سر"، وهذا يعني في جوهر الأمر أننا حينما نتوقف فنحن نتراجع في ظل هذه التطورات المذهلة التي يشهدها الإعلام والثورة التكنولوجية.

إذن، لماذا تحسن وضعنا في مؤشر الحريات العالمي؟ الأمر ببساطة أن الأردن لا يشهد انتهاكات مباشرة وصريحة، فالحمدلله لا يوجد معتقلون صحافيون في السجون، ولم يشهد الأردن أي حالة اغتيال أو قتل أو اختطاف أو إغلاق للصحف.

هذه المعطيات بالتأكيد تحسّن من صورتنا خاصة في ظل لجوء بعض الدول إلى إغلاق الصحف وتعرض صحافيين فيها للاختطاف والاغتيال وهو ما دفع بدولة مثل اليمن إلى التراجع إلى الوراء بعد التوتر السياسي الذي تشهده رغم الهامش الواسع من الحوار في صحفها ومواقعها الإلكترونية، وهو ذات الأمر الذي فضح ديمقراطية إسرائيل الزائفة بعد حرب غزة حين قررت عن عمد قصف المؤسسات الإعلامية بالطائرات، ومنعت المراسلين الأجانب من دخول غزة، وفرضت الرقابة العسكرية على كل ما يكتب داخل وخارج إسرائيل.

في الأردن المشهد مختلف، فالانتهاكات تتم بخيط من حرير، فالضغوط والاحتواء يتم عبر المكالمات الهاتفية، وأحياناً لا يحتاج الأمر لذلك، لأن غالبية القيادات الإعلامية في المؤسسات المختلفة تتولى دور الرقيب وتريح الحكومة من مهمة وعناء هذا الدور.

ويكفي أن أعيد تكرار حقيقة ذكرها تقرير حالة الحريات الإعلامية في الأردن الذي يصدره مركز حماية وحرية الصحفيين الذي أتشرف بإدارته بأن 94% من الصحافيين يمارسون الرقابة الذاتية على أنفسهم حتى نعرف أين وصل بنا المطاف نتيجة سنوات متواصلة من سياسة الترغيب والترهيب؟!

"الاحتواء الناعم" والتشريعات المقيدة وتدني الحالة المهنية وتخلي الكثيرين عن مدونات السلوك المهني عوامل جعلت من حرية الإعلام في بلدنا "سكر خفيف"، وصنعت فوضى رحبت بها الحكومات وغضت النظر عنها ومولتها أحياناً حتى عصفت بنموذج الحرية الإعلامية وسقطت في نظر المجتمع ولم تجد بواكي له أو من يدافع عنها!.

حرية الإعلام للأسف لم تتجذر عندنا، وأشعر بأنها منحة وتسامح من السلطة التنفيذية، ولا يوجد لها ركائز مستقرة وجمهور يدافع عنها في كل الظروف ومهما كانت المبررات.

مخجل أن نظل في ذيل قائمة الحريات الإعلامية ونشعر بالسعادة، ولا نطمح أن نتصدر المشهد رغم مضي 20 عاماً على عودة الحياة الديمقراطية.

مخجل أن لا نفعل ذلك، والنظام السياسي يدرك أن الإعلام في الأردن ليس انقلابياً ولا يهدد استقرار البلد، بل على العكس يسهم في احتواء الأزمات وتسويق ديمقراطيته.

سيبقى الحال على ما هو عليه إذا لم تتغير قواعد اللعبة، وتتوفر إرادة سياسية حاسمة لا تقبل بأنصاف الحلول، وتصر على أن الإعلام يمكن أن يكون حراً وإن كانت عملية السلام متعثرة، والعراق مضطرباً والحالة الديموغرافية لم تستقر.

إذا لم تتوفر قناعة راسخة بأن الإعلام رافعة أساسية للديمقراطية وعملية الإصلاح وحصن للدفاع عن البلد ومنجزاته فإن الأمور ستبقى بين مد وجزر.

لا يكفي "الترقيع" لتحسين صورة الإعلام، فلم يعد مقبولاً كل عام أن نقر قانوناً جديداً للمطبوعات، ثم نعود بعد عام أو أكثر بقليل لنجده سراباً، ويتدخل الملك ليوجه البوصلة بأن توقيف الصحافيين خط أحمر يجب أن لا يتكرر.

إذا لم نقم بمراجعة لكل التشريعات لنرفع القيود التي تفرضها على حرية الإعلام، وحتى تتواءم مع المعاهدات الدولية التي صادق الأردن عليها ونشرها في الجريدة الرسمية وأصبحت واجبة التطبيق فإننا سنبقى في  الدائرة نفسها وسينطبق علينا المثل "كأنك يا أبو زيد ما غزيت"!

دول كثيرة بدأت معنا تجربتها الديمقراطية وسبقتنا بأشواط كثيرة، فهل يعيبنا أن نتعلم من أوروبا الشرقية، وأن ندقق كيف وصلت رومانيا التي كان يحكمها دكتاتور إلى ما وصلت إليه!.

في السويد أقروا قبل 300 عاماً قانوناً لحق الوصول للمعلومات ولم يغيروه حتى الآن، ونحن منذ عامين ابتهجنا بقانون ضمان حق الوصول للمعلومات الذي ولد مشوهاً وتحول إلى قانون يحمي سرية المعلومات.

حرية الإعلام تحتاج لاستقلالية ووقف التدخلات، وقبل ذلك بيئة حاضنة حتى تتطور، والأمر ليس مرهوناً بالتشريعات فقط، بل بمجتمع يؤمن بأن حرية الإعلام تعني حرية له وحقا له في المعرفة وليس ترفاً ودلعاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المثل يقول:...... (خالد السلايمة)

    الثلاثاء 27 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    "بنطيش بشبر مي"!!

    أشكرك أخي نضال على مقالك الرائع و تحليلك الرائع

    نعم, نحن في البلد بصير بدنا "نزغرد" على أي شيء محرز أو غير محرز

    كلامك صحيح بالنسبة لحرية الصحافة 100% و إلى الأمام يا نضال.