ابتسامة مندوب المبيعات

تم نشره في السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

يلزم الكثير الكثير من الصبر وطول البال لأي رجل أو امرأة حتى يكون مندوب مبيعات متجولا!

تجدهم أحيانا في أماكن لا تتوقع وجودهم فيها؛ في مقبرة أو مقهى أو يندسون بين الحضور في عرس.

وكثيرا ما كنت أصادفهم في المناطق الصناعية، وبين الكراجات، بل إن أحدهم فاجأني هذا الأسبوع في معمل للطوب!

المثير للشفـقة، تجاه هؤلاء الناس، أنهم مضطرون كل صباح أن يرتدوا البدلة القديمة التي كلح لونها، وقناع الصبر، والابتسامة البلاستيكية الباردة!

وهي أدوات الشغل التي لا يستقيم العمل من دونها.

ففي مناطق ورش الميكانيك والحدادة والنجارة؛ حيث الغبار وروائح الدهان، تجد أحدهم في ساعات القيظ عارضا بضاعته، والعرق يتصبب على ياقة قميصه، وحذاؤه يغوص في التراب. 

وفي مخلفات المناطق الصناعية، حيث يبدو مشهد ربطة العنق هناك كاريكاتوريا ومثيرا للتندّر، وهو ما يفعله غالبا أبناء الورش الذين يجدون مادة للتسلية، في الرجل، وفي بضاعته التي يقضون ساعات في تجريبها، والعبث بها، ثم يعتذرون بحجة أنها لا تلزمهم!

وهو مضطر في هذه الأثناء، وقبلها، وبعدها، للابتسام والمجاملة، وإعادة سرد الشرح الطويل الذي حفظه عن ظهر قلب، عن مواصفات البضاعة ومميزاتها وطرق استخدامها!

وهو مضطر أيضا أن ينتظر عاملا طلب منه أن ينتظر لحين تركيب الموتور، أو أن يقف جائعا يسترق النظر لإفطار تجار طلبوا منه أن ينتظر حتى ينتهوا من إفطارهم!

وتتأمل أحيانا في بضاعته الرخيصة، فهي إما أمشاط شعر أو نظارات شمسية تضر العينين أو حزامات رجالية أو مفكّـات أو نكاشات أذنين

أوبطاقات هاتف أو ربما يروج لمطعم وجبات سريعة، أو تخفيضات في الأسعار لفندق ومنتجع سياحي!

وتتساءل: لو باع في النهار عشرين مشطا أو حزاما، بقيمة بيع إجمالية تتراوح بين أربعة دنانير وعشرين دينارا فهل سيتجاوز صافي ربحه في النهار ثمن فنجان قهوة مع كوب مياه معدنية في مقهى 3 نجوم؟!

ربما بدأت الحديث عن مندوبي المبيعات، ثم اختلط الأمر مع البائعين الجوّالين، لأن لا فرق كبيرا بينهما، سوى أن الأول ملزم بارتداء البدلة التي تضاعف من ملله وضجره وشعوره بالقهر، لكن كليهما ملزم بالابتسام والمجاملة ومجاراة الزبون مهما كان ثقيل الظل، ومهما شعر البائع أنه غير جادّ!

وإذا كان البائع الجوّال يملك هامشا شخصيا أحيانا للحدّة والحرد، فإن المندوب الذي يمثل شركة أو مصنعا لا يملك سوى الصبر والهدوء وإعادة ذات الابتسامة عشرات المرّات.. لأنه يعاقب بالاساءة لاسم شركته إن فقد صبره!

فهذا الرجل، في المحصلة، لا يؤجر للشركة وقته وجهده وإمكانياته في الإقناع، فقط، بل يرهن أعصابه وانفعالاته ومشاعره، طوال النهار، لدى "ماركة مسجلة"، قد لا تعود عليه آخر يومه بثمن علبة سجائره أو إفطار خفيف للعائلة!

والمفارقة، أن هذا الرجل أو الفتاة، الذي يجامل الناس ويبتسم ابتسامته المؤجرة لصالح الشركة، الصابر على بؤسه وعلى غبار الكراجات وأسواق الخضار لا يجد ولو ابتسامة صغيرة من الجالسين خلف مكاتبهم، أو في محلاتهم، بل هم ينهرونه أحيانا عن عتبة الباب كأنه قط أو شحاذ.

مع أن الأزمة المالية العالمية، والانهيارات التي أصابت الكثير من التجار وكبار أصحاب الأموال أثبتت أن لا أحد أبدا يستطيع أن يثق بماله، أو أن يمسك قدره بأصابعه.. وأي واحد منا قد ينتهي بائعا للأمشاط أو لفوط الأطفال أو "علكة سهام"!

ibraheem.jaber@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما بعجبكو العجب (داليا)

    السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    ارضاء الناس غاية لا تدرك مع انو واضح كتير تعاطفك مع هذه الشريحة وحاولت ان تسلط الضوء عليها بوركت استاذي
  • »مندوبي المبيعات (لينا خالد)

    السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اعذرني استاذي انا لم افهم من مقالك ان كنت مع او ضد مندوبي المبيعات، ولكن بالنسبة لي، فانا اتعاطف مع هؤلاء الاشخاص، لصعوبة الدور الذي يلعبونه يوميا، خاصة عندما يحاولوا اقناعك بجودة المادة التي يبيعونها وهم يعلمون تماما بانها ليست جيدة، اشفق تماما عليهم عندما يستوقفون احدهم ويقابله الشخص بالنهر او بالصياح، وارثي لحالهم وهم يمشون مسافات تحت المطر او الحر، بينما نجلس نحن خلف مكاتبنا المكيفة صيفا وشتاءا ، ونتذمر في نهاية النهار من العمل، اتمنى لو ان مثل هذه الكفاءات (وخصوصا كفاءة الاقناع) تجد لها من يدعمها ويصقلها ويدربها لتخدم في اماكن افضل جودة واعلى دخلا حتى يشعر الواحد منهم بان تعبه لا يضيع هباءا
  • »قتلتو القتيل ومشيتوا بجنازته (نادر احمد)

    السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    عنجد يا ابراهيم انو انته الكتاب امركم عجيب غريب ، ضليتو تحكو عن محي ثقافة العيب لحد ما الشعب المسخم صدق وصار نصو مندوبين مبيعات والنص التاني مراسلين، انا من ضحايا الازمة العالمية وانا حامل الوسيط حاليا وبدور على شغل وصدقني راح اشتغل مراسل المهم اهرب من هالبطالة بس ما راح اشتغل مندوب مبيعات
    كل الحب والتقدير لوكيل علكة السهم في الاردن ( ابراهيم جابر)
  • »تهكم ليس في محله (خالد السلايمة)

    السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أخي العزيز الكاتب,

    الأسبوع الماضي أتحفتنا و الله في مقالتك, أما اليوم, فوالله قرأت المقال مرتين حتى أفهم ما تريد أن تصل إليه و في النهاية لم أستطع! أعدرني أحيانآ عقلي "يتربس"!

    وصفك الدقيق لمندوب المبيعات مهم, و لكنه يتجاوزه إلى مرحلة التهكم. يعني, يا أخي, هدا الشاب, هل الأفضل له أن يجلس في البيت, عاطل عن العمل, أم الأفضل أن "يشمر" عن إيديه و ينزل إلى سوق العمل و يجرب حظه. ما دنبه أن الجو حار و العرق منه يتصبب! ما دنبه أن البلد كلها تراب و حداؤه سيتسخ!؟ و إن إبتسم الشاب, أصبح يكتبوا عنه في الجرائد! و إن كشر, كتبوا برضو عنه في الجرائد!! و الله تحيرنا مع هالأمة!!

    يا أخي, الشباب الذين تتحدث عنهم, سواء عمل لحساب شركة, أم لحسابه الشخصي, ضاقت عليه الدنيا, فخرج ليجد قوت يومه. عمل في آخر النهار, دينار أو دينارين, أكثرأو أقل, أفضل 100 مرة من أن يجلس في البيت "عواطلي" عالة على أهله.

    تحية إكبار و إجلال لكل من يخرج إلى الشارع و يعمل عمل حر و نزيه و شريف ليجد قوت يومه و يخرج من عباءة البطالة.

    أحث شبابنا على العمل ثم العمل ثم العمل.
  • »لدي شك فأرجو أن تجيبني عليه يا أستاذ ابراهيم (ابو قصي يحييكم من الرياض)

    السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    شكي الوحيد في مقالتك العفوية أنك تعمل مندوبا لدى شركة سهام وتمويها على القارىء وضعتها آخر كلمة وعليها ميت علامة حتى انشوفها - والله شفناها من كثر علامات التعجب والشخطات اللي عليها - بوعدك سيد ابراهيم أن أكون أول مشتري بشرط أن تشتري مني كل العلبة - مع تحياتي فقط حبيت اشاغبك مش اكتر.