موفق ملكاوي

بيت يوسف

تم نشره في الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 عندما تدلف بابه الحديدي الصغير، ستجد بلا شك أن الدالية هي أول المستقبلين؛ تفرد أغصانها لعابري درب، وربما لعشّاق يمرون سهوا بالمكان، فلا يجدون غضاضة بالتوقف قليلا قرب شباك يوسف يتناجون الشوق فيما بينهم.

هكذا أذكره إلى ما قبل شهور قليلة فقط، عندما كنت أزوره أنا وأصدقاء كثر، تضيق بهم دروب عمان وشوارعها، فلا يجدون سوى بيت الصديق العتيق، ليفردوا فيه ضوضاءهم من غير ما اعتراض من أحد.

إنه بيت المثقفين والكتّاب والواهمين والحزانى الذين يلوذون به حين تشتدّ عليهم وطأة الحياة، ليجدوا وجوها بشوشة، وأحضانا دافئة تهرّب أحزانهم.. ببساطة إنه بيت يجمع ولا يفرق.

إنه بيت صديقيّ: يوسف وصباح، النائم على زاوية شارع ناعس في جبل اللويبدة، والذي بات أشبه بذاكرة جمعية تلمّ اصدقاء كثرا عاينوا البيت على مدار سنوات طويلة، وراقبوا أسنان يوسف وهي تسقط واحدا إثر آخر.

كثيرا ما كان يوسف يفكّر في ترك البيت، إلا أن تفاصيل صغيرة كانت تستوقفه، وتفرض عليه طرد الفكرة نهائيا، فرائحة الأصدقاء تعطر جنبات البيت من حديقتيه؛ الأمامية والجانبية، مرورا بغرف البيت والمطبخ، ووصولا إلى "الفرندة" الواسعة.

اليوم، يقف يوسف حزينا على المآل الذي وصل إليه "البيت الهادئ"، فقد تغير مالكه، وقامت ورشات كثيرة بالنخر والدقّ والحفر قريبا من سرير نومه. يقول بأسى "لم تعد لي أي خصوصية في بيتي"؛ كل شيء صار منتهكا، والهدوء الذي كان يفاخر فيه فيما مضى ذهب إلى غير رجعة.

 أما الحديقة التي حسدناه عليها كثيرا، فقد أصبحت هي الأخرى مساحة خاوية على عروشها، بعد أن استوطنت فيها "جبلات الباطون غير الجاهز"، وسحقت ورودها ومزروعاتها أقدام عمال ذاهلين عن كل ما حولهم، ويهمهم إنجاز عملهم بسرعة.

الصديق يوسف ضمرة حائر اليوم فيما يمكن له أن يفعله، وهو الذي تحصّل على تفرّغ إبداعي من وزارة الثقافة مدة عام، عليه خلاله أن ينجز مخطوطا كاملا، إن لم يستطع الانتهاء منه، فلن توفي الوزارة بكامل عقدها معه.

قد يرى بعضهم أن هذا الأمر خاص جدا، وأنه ليس هناك داع لمقالة في صحيفة من أجل الدفاع عن صديق، ولكن الأمر الذي يقلقنا؛ أصدقاء كثرا وأنا، هو الذاكرة طويلة الأمد المحفورة بين جنبات ذلك البيت، وهو يواجه اليوم إمكانية الإخلاء بفعل الضوضاء والضغوطات.

إنه بيت لمّ ذاكرة أكثر من جيل ثقافي على مدار أكثر من ربع قرن؛ فثمة روائح لأعزاء راحلين، وذكريات لأشخاص "حردوا"، ولم يعودوا، وجلسات عصف ذهنية، وأخرى كانت مخصصة للنميمة، ومناقشات ومناكفات.

لك الله يا يوسف، فيبدو أن زمننا الذي نعيشه اليوم هو زمن لا يمتّ إلى الثقافة بصلة، ولن تجد أي مسؤول رسمي يردّ عنك الأذى والكيد، فالإبداع الذي تفرّغت من أجله، هو عملة زائفة في نظرهم. ولن يحزنوا كثيرا إن عجزت عن إنهائه.

Mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحضارة! (مراقب)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    من شاهد ورأى جميع دول العالم تجد انهم يحافظون على تراثهم حتى ولو كان شيئا لا يذكر..فتجد البنايات الضخمة وخطوط السكة الخفيفة والمترو دون ان تؤثر على ذاكرة الزمان والمكان..الا عندنا ونحن اهل الحضارة واقدم الحضارات نشأت عندنا والشواهد والاثار تؤكد ذلك، وعلى الرغم من ذلك لا نهتم..فاذا كنا لا نهتم بارثنا التاريخي وحضارتنا التي افادت العالم بكل الخير..تريدنا ان نحافظ ان منزل في اللويبدة العتيقة..رحم الله شهيد الاردن وصفي التل الذي منع زراعة الاسمنت في ارضنا الخصبة..
  • »فعلا انه بيت المثقفين والكتّاب (ربى أحمد)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أسعد الله أوقاتك أيها الموفق ..
    تحملني ذاكرتي الى بدايتي"البحث الاثري" عندما كنت تلك الطالبة الشغوفة بالعلم والبحث والدراسة ، كنت حينها بصدد القيام ببحث اطروحة الماجستير دائما كان ثمة مجموعة من الاكاديميين في الاردن وغيرها لا يعرفون سوى العمل مقرونا بالطعاء النوعي الذي لا يعرف الحدود، ومن هؤلاء "صباح ابو هديب" . بسببها فقط وجدت نفسي اغوص في بحر العلم العميق والواسع جدا في مجال هذا البحث، وعندما كنت اجد نفسي مطالبة بأي عمل جاد وشاق ، كنت افكر باسماء الزملاء الاكاديميين الذين سيعينونني على النهوض بتلك المهمة، كانت دائما تتصدر تلك القائمة، واتذكر ذلك المشهد القديم عندماهممت بزيارتها للمرة الاولى ، وحينما وصلت اليها للمساعدة في اطروحتي كان استقبالها ينم على طبيعتها كانسانة رقيقة وطيبة ومعطاءة ، وبرغم انشغالهاالا انني وجدت تلك المساعدة بلا حدود، واذكر تماما انها قالت لي عندما وجدت في عيني نظرات استهجان : لا تأبهين بهذه الفوضى المنتشرة في البيت ، وكانت تقصد تلك الكتب التي قد وضعت هنا وهناك وقد افترشت الارض وأضافت : يوسف يحبهم هكذا ويحفظ كل كتاب ومكانه ، ومن السهولة ان يصل الى الكتاب المقصود.
    اسمح لي ايها الموفق من خلال مقالتك ان ارفق شكرا عميقا وتحية ملؤهااريج كل حرف وكل تجربة تعلمت خلالها من تلك الصديقة كيف أبدأ..
  • »احلامنا الهشه (د-حيدر البستنجي)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    كيف تدافع قبرة عن فيافي الحنين والقلب سوسنة عاريه
  • »الحيطان والحديقة لا تخلد المبدع... (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اسلوب جميل ورائع ، ووصف خلاب لرجل كد ويكد لينجز عملا رائعا .فالأستاذ ضمرة حتى لو لم ينجز هذه المخطوطة لوزارة الثقافة فقد أثرى المتقفين بمقالاته ، وأرائه وابدعاتاه ستخلد اسمه لأجل بعيد المدى
    فحيطان المكان لا تصنع التاريخ .وحديقة المنزل لا تعكس انجازات المبدع ..أما عشرة الأصدقاء لأكثر من عقود هي الباقية ، ويمكن ممارستها حتى لو بنى له الانسان خيمة في العراء.
    فما دامت هنالك قلوب تنبض بالحياة ، وتنضب بالعطاء، وتنبض بالمحبة فالمبدع يمكن أن يترك مكانه القديم ، ويجعل مكانه الجديد كعبة لألصدقاء..وأنا متأكد أن الزميل ضمره سيفعل ذلك ...فالرب يعطيه الصحة والعافية ، ويبعد عنه الأمراض الجسدية والأمراض الأجتماعية