إبراهيم غرايبة

أزمة مواقف

تم نشره في الأربعاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 

لم يعد ممكنا تصور بناية أو مركز تجاري من غير مواقف، واصبحت مواقف السيارات معيارا أساسيا لتقييم المشروعات والأعمال والدعوات أيضا، فلا يمكن الذهاب إلى مبنى أو محل تجاري او المشاركة في دعوة أو برنامج إذا لم تكن مواقف السيارات متاحة، ولكن الكثير من المباني الحكومية والتجارية أيضا لم يعد الوقوف بجوارها أو قريبا منها للزوار والمراجعين ممكنا، وبعض المؤسسات الحكومية حولت حياة الناس المجاورين لها إلى عذاب ومعاناة بسبب سلوك "المواقف" لدى المراجعين، في الوقت الذي يصر موظفو ومستخدمو الدوائر الحكومية على منع المراجعين من إيقاف سياراتهم في مساحات واماكن واسعة، هي حرم عطوفة/ معالي المسؤول.

الحركة في الشوارع أيضا تحولت إلى أزمات خانقة ليس فقط بسبب كثرة السيارات، ولكن الأزمة كثيرا ما تكون بسبب وقوف السيارات أو محاولتها الوقوف أو الخروج من موقف "سابق"، وفي شارع المدينة تؤدي عملية شراء رغيف شاورما إلى أزمة خانقة تمتد إلى الجامعة والمستشفى من جهة وإلى شارع مكة ودوار اليوبيل من الجهة الأخرى، وبالطبع فإنه لا يمكن حل المسألة إلا بسلوك اجتماعي معقول، فيمتنع السادة المواطنون عن الوقوف المزدوج والممنوع، ولا بأس بالوقوف بعيدا عن المكان المقصود أو عدم الذهاب إليه ابتداء والبحث عن مكان بديل تتوافر فيه أسواق السيارات، ويحتاج المواطنون أن يكتشفوا أن هناك غيرهم في الطريق، ثمة سلوك نفسي محير يعبر عنه الوقوف في وسط الشارع وطريقة ركوب السيارة والنزول منها والإسراع والإبطاء والاستدارة والاتجاه يمينا أو شمالا، كلها تعكس غيبوبة عن العالم المحيط واستغراقا في الذات وعدم القدرة على فهم المشهد المحيط إلا أنه عالم خاص مثل الطفل الذي يعتقد أن العالم المحيط به هو ملكه وحده لا شريك له، وهذه أزمة لا يمكن أن تحلها دائرة السير ولا أمانة عمان أو وزارة الأشغال، لن يحلها إلا مراكز الصحة النفسية، أو أن يعالج الناس أنفسهم بأنفسهم، أن يقتنعوا بأن الدنيا متسعة وأوسع بكثير من الطرق والمواقف والمولات، ومتسعة زمنيا أيضا وتحتمل انتظارا لدقائق أو ثوان قليلة، وأنه حتى بان كي مون إن كان ينتظر أحدهم أو على موعد معه فسوف يتسامح في دقائق قليلة، وأن المصالح والأعمال والأسواق أيضا لن تتضرر أبدا بقدر معقول من التسامح، الأزمة فقط هي أزمة تسامح، وليس  غير ذلك، ولو امتلكنا الحد الأدني من التسامح لحلت أزمة المواقف والاختناقات المرورية، وحتى المخالفات المرورية تحتاج إلى تسامح وأن تكون محكومة بسؤال كيف تحل أزمة المرور وليس كيف تجبى المخالفات من المواطنين، فذلك يزيد الأزمة اختناقا.

ثمة تشابه بين الرجال والمواقف (وهذا ليس اكتشافي أنا)، هو أن الجيد من المواقف يكون دائما مشغولا أو محجوزا للمعوقين!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موقف موفق (وائل أبو هلال)

    الخميس 22 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الكتابة عن أزمة المواقف خير من اتخاذ المواقف
  • »هذه دعوة أوجهها للأستاذ ابراهيم الغرايبة ولكل المسؤولين بعد أن أصبح الإنتقال والسكن في عمان جحيم لا يطاق - دعوا القطاع الخاص يبني ويخطط لنا مدن جديدة مثلا مصر (ياسر أبو سنينة)

    الأربعاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    لا أدري لماذا لا يهتم المسؤولين لدينا بحل هذه المشكلة التي تواجه كل الناس كل يوم ، يا أخي ابنو مدينة جديدة وحديثة ودعوا القطاع الخاص هو الذي يتولى تخطيها وإقامة بنيتها التحتية بدل مدننا المزحمة هذه ذات الطرق الضيقة والمتعرجة والمزحمة والعشوائية ،،، لتدفع ضريبة المسقفات وسائر الخدمات للقطاع الخاص عوضا عن الحكومة التي تعاني ميزانيتها من الإفلاس والعجز والتي لا نريد أن نلومها تدني مستوى خدماتها وانعدام تخطيطها للمدن

    انظروا فقط لتجربة طلعت مصطفى ومدينة ومدينتي في الصفحة الموجودة على الرابط أدناه في دولة مصر
    انظروا كيف غير شكل المعمار المشوه في المدينة القديمة وقدمت مدينة جميلة وحديثة ومساحاتها واسعة من الحدائق وليس فيها ازحام واينما نظرت تجد نفسك محاطا بمساحات خضراء أكثر أعشاب بلاستيكية لا تحتاج للماء والرعاية لكنها تؤدي الغرض الجمالي.

    http://www.madinaty.com/newmadinaty/arimagescategory.aspx

    أتمنى من الأستاذ ابراهيم تبني هذه الدعوة كمبادرة وأن تحظى بدعم المجتمع
  • »هذا الموضوع بغاية الأهمية أخلاق الزحمة تغير المجتمع والسبب هو الإهمال انعدام التخطيط عبر العقود الماضية في المؤسسات الحكومية (ياسر أبو سنينة)

    الأربعاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أزمة السير والمرور هي نتيجة طبيعية لانعدام التخطيط في المدينة وأعني التخطيط العمراني
    وعلى فكرة يا أخ ابراهيم ازمة السير والإزدحام تؤدي لتغيير كل سلوك الناس والمجتمع إلى الأسوأ ولا يجب على المسؤولين الاستخفاف بها

    المدينة تبنى بشكل عشوائي وهناك اعتبارات كثيرة لا يتم مراعاتها عند تخطيط الشوارع المفروض أن تحدد نسب البناء في كل حي مثلا فلا يحصل تركز سكاني يتبعه ازدحام مروري يؤدي لتلوث سمعي وبصري وتغير في سلوك الناس وتحوله إلى العدوانية

    المفروض أن تكون بجانب كل شارع ملاعب مخصصة للأطفال الذي أصبح العالم خارج المنزل مكان متوحش لهم والمفروض أن تكون 20% على الأقل من مساحة كل حي عبارة عن متنزهات للعائلات وملاعب للشباب وحدائق

    المفروض أن يتناسب حجم البناء مع مساحة الأرض التي تخدمه للمواقف وإلا فلا يجب الترخيص له
    المفروض أن تقوم الحكومة بمنع البناء في أماكن معينة وصل الإكتظاظ السكاني بها لدرجة قصوى والمفروض أن تحدد نسب البناء بل العمارات القبيحة العشوائية التي تحجب الأفق والشمس

    بصراحة لا أعرف يا أخ غرايبة ماذا تفعل وزارة التخطيط وامانة عمان عندنا ، هي تفعل كل شيء ما عد التخطيط ولا أجد ما أقوله في نهاية المطاف سوى التحسر على مآل عمان الغربية التي تشوهت كليا وشوهت معها الكثير من سلوكيات المجتمع
  • »الحل (مراقب)

    الأربعاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الاخ الكاتب..شكرا على المقال الذي يعبر عن جزء من الواقع..لكن اليس من المفروض ان ندعوا الى وجود مواقف فعلا في المباني بدلا من رسوم بدل المواقف..في حال اضطرارك الى مراجعة دائرة او شراء حاجياتك ولم تجد موقف فماذا تعمل؟لو ان هناك نقل عام يحترم انسانية المواطن بالحد الادنى لوجدنا الناس تركن سياراتهم المكلف استخدامها والاتجاه الى استخدام وسائط النقل..
  • »رائع (عمار القطامين)

    الأربعاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    فعلا مقال رائع، أزمة المواقف لا يحلها إلا مراكز الصحة النفسية وليس دائرة السير أو أمانة عمان أو وزارة الأشغال.