نادر رنتيسي

ملح رجل!

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

كنتُ مثل أغلب الرجال أخجلُ أنْ أردَّ كفَّ امرأة تمنحني سيجارة؛ أظلل نارَها بكفي وأبدو مدخِّنا محترفا يُهمِلُ فتحَ فمه المُطبق على كلام لا ينضُج، فيخرجُ الدخان، عفوا، من أنفي، و"أسحبُ نفسا" آخر، حين أميل برأسي جانبا محاولا استحضار "كاريزما" محمود عبد العزيز في "رأفت الهجّان"!

وكنتُ مثل كلِّ الرجال أحبُّ التباهي بقائمة الأسماء في هاتفي المحمول التي تنتهي بتاء مربوطة، أو ألف ممدودة، أو مقصورة..، مضيفا إليها ما يحتمل التذكير والتأنيث، خصوصا عندما أستعرضُ أمام الأصدقاء ملاحظة هاتفي المعرَّب، حين يلحُّ في إخباري أن لدي خمس مكالمات لم يتم الرد عليها!

كما كنتُ مثلما يحبُّ الرجالُ أنْ يكونوا؛ خارقا حين يأتي دوري في الحديث عن قدراتي في العطلة الزوجية، لا قلبَ لي إذ أقرر طيَّ امرأة في الدرج الأخير من مكتبي المكرّس طرفه لنساء يجلسن بركبة مكشوفة!

هكذا، وأكثر ظننْتُ أنني أنجزتُ حياتي مبكرا، وأنْ لا هامشَ لامرأة يتمُّ اقتراحها من واحدة من نساء فيلم "يا دنيا غرامي" أو "لحم رخيص"، وصرْتُ أصيغ حكما لمنْ يتبعني من "شباب على كف عفريت"، وأقسمُ لهم أن التي لم تأتِ... لا تأتي أبدا، وأنه لا وجود لها إلا في قصيدة "أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ"!

وعشتُ زمني الأخير رجلا يُحسن الحديث عن نفسه، لم يسقط أمام امرأة، ولا يعرفُ إنْ كان للخيبة مذاق ملح الطعام أم ملح الليمون، وحينَ تمشي فتاة إلى عالمي ألقنها في منتصف الطريق رقما مركبا من عدد زوجي وآخر فردي، سيكون رقمها لما تغادر "طاعتي" طاعنة في الألم..، وهي سيدة في العشرين!

حتى الآن لم أعرف غير النصر، وحين يسألني أحدهم عن أول سيجارة دخنتها، أصفنُ في الفراغ.. وأدَّعي النسيان، وأنَّ لكفي إصبعا سادسة، بيضاء، أمنحها لكل امرأة أصافحها!

تعاظمت انتصاراتي حد أنني صرتُ أنام باكرا، ولا يستهلك الإيقاع بامرأة ضامرة المكر أكثر من غرة المساء البرتقالية، ولم أعد مبهورا بأن أروي سيرتي في حوار متلفز، أو مقروء لتعميم تجربتي، أو إنشاء أكاديمية يتسابق فيها خلفائي من البالغين لوراثتي، بعدَ أنْ تبرد كفي، حتى وهي في كف امرأة في مساء حار!

لكن يوما كذب هاتفي المحمول علي، حين أعلمني بلغة عربية غير سليمة أن لديَّ خمس مكالمات لم يتم الرد عليها، وحين ضغطتُ لأتبين الأسماء المذكرة من المؤنثة، لم أجد إلا كلمتين: رقم خاص!

رنَّ الهاتف..، ولا اسم أو رقم، هكذا ارتعش الجهاز فجأة، بانتظار أن يهتدي إصبع من كفي على الزر الأخضر، وما أن ضغطتُ عليه حتى تسرّب نهر حليب إلى خيالي..؛ لكن رأسي لم يجد امرأة سابقة في سيرتي الطويلة يُمكن أن يتم تركيب الصوت الأنثوي المجهول لها. ولما تواترَ اتصالها، صرت أرتبكُ وأتلعثم في الإجابة التي هي تمتمة بالكاد استطاعت تأمين الهواء الكافي لأن أقول إنني أودُّ لقاءها!

ورأيتها..

ثم رأيتها أكثر من مرة، ولم يجر بيني وبينها ما يستحق الحديث، ولم أجدها بهالة صوتها المغرِّر بأنوثة تكسر قامة رجل معتاد على الانتصار، وكنتُ على وشك أن أمنحها رقما مركبا، واحدا زوجيا وآخر فرديا، وأمهِّد لخروجها الطيِّع من "طاعتي".

لكنني عدلتُ عن ذلك، ووجدتني أخرجُ إلى لقائها، أحدثها عن رجل أخرق أدخل كلَّ النساء إلى "طاعة" ليس لها بيت، وصاغ بطولاته من الهذر، وتصديق الكذب.

ربتتْ على قلبي، وكانت أول امرأة تصافحني!

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مزاج عالي (سعد العورتاني)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    ما اجمل ان تكتب صدقني يا صديقي انك تمتعنا في ما تكتب مقال جد جميل
  • »الكذب و الصدق (يوسف العواد)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    بأسلوب رائع و جميل يحدثنا الكاتب و بعبارات جميلة و رقيقة عن تجربته في عالم الكذب .يقال ان الكذب ملح الرجال.و لكن المشكلة تكمن حين يصدق الرجل اكاذيبه كما حصل لصدقينا في هذاالمقال الذي اطمأن لها و عاشت في وجدانه الحالم كأنه دنجوان عصره.و لكن عندما تقوده الظروف الى حدث حقيقي صادق يفقد السيطرة على نفسه و يتلعثم امام بحر ساحر ذاب فيه جبل الملح الذي ران على قلبه ليتذوق معنى الصدق الذي هو الحقيقةالتي تحلو معها الحياة.
  • »جميل (ميساء)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    رائع جدا جدا يا نادر.. لغة موغلة في الأناقة.. ومفردات وصور غاية في الإتقان والجمال.
  • »ملح و سكر........... (lyla)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    الكذب ملح الرجال وعيب علي بيصدق!!!!!وهل اجمل من هك\ا مثل لوصف الرجال!!!!
    :)مقال جيد نادر
  • »ابداع في التعبير .. وخيال مذهل (ليلى)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    السلام عليكم

    اولاً احب ان اشكر الكاتب المبدع نادر على هذا الابداع في كتاباته المليئة بأمور تتحدث عن الواقع بشكل يجعلني اعيش واتخيل القصة التي يكتبها..
    وبالنسبة لموضوع القصة.. موضوع واقعي ويتحدث عن واقع اغلب الرجال الذين يحبون اثبات وجودهم امام عالم حواء بشتى الطرق.. وفي نفس الوقت اثبات قوتهم امام اقرانهم من الرجال..
  • »nice (mayan)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    Nice article....
  • »great one (Nouna El Myr)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    i liked so much, it's like miror for the man.
    wish you all success Nader
  • »انسياب (ريم زيغان)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    تنساب الخيالات من لا مكان ، وتتشكل بطرق غريبة لنرى أشخاصا نعرفهم ...أو لا نعرفهم ..أو قد نكون التقينا بهم في " اللامكان " ذاك .
    المضحك في الأمر ردود أفعالنا تجاههم ..حين نصنع منهم حقيقة انتظرناها طويلا وجاءت بعد " بحث مضن "
    نصنعهم حين نشعر بالملل وبأن حياتنا باتت بحاجة لتغيير ، نحدثه بإيجادهم ....
  • »؟؟؟ (أحمد مساعد)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    ما المقصود تحديدا من المقال هل هو مجرد شأن شخصي أظن أنه ابعد من ذلك!!
  • »ممتاز (كوثر أبو شرار)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    هذه صورة الرجل الحقيقية مدعي أنه زير نساء وهو في الاصل يتلعثم أمام بهائهاكان مفترض ان يكون العنوان ملح كثير لرجل قليل!!
  • »صداقة الصدق وحوار مع الغرابة .......زواسئلة تتهاطل ليس لها اجابة..؟؟؟؟؟؟ (سامية بنت عبدالله الراشدي)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    بسم الله الرحمن ارحيم
    وبه نستعين
    رؤية خلف ضباب الايام ....وغبار السنين من تحاورون الانس ام الشيطان ؟؟؟؟؟؟
    عيون تتكدس بها الاحزان وتسكنها الاف الامال ؟؟؟؟؟لما تركضون خلف الجراح وتهدمون الجمال لما تعشقون المدن الخربة حتى ترجعون واجسادكم ملئى بالجراح ؟؟؟؟؟؟
    تلك اساطير الوحوش تجتاح مدن السلام وتقذف بها شاردة في الحطام ؟؟؟؟عجبا لصدى احلامكم ومنتهى اااامالكم ركون في الضياع هل هذه حقيقة ام خيال ليت كل ما نسمع وهم وسراب.....اهكذا تحاور الاحلام والترحال في فضاءات الهيام ؟؟؟؟؟؟لحظات مؤلمة ومعلقة في قفص الاثام وحين يفتح الكتاب يتهاطل الاتهام ليوقظ الذكريات وتعصف النيران ويعزف القلب لحن الندم ولكن بعد فوات الاوان فماذا تختار الجنة ام النار ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    دمتم سالمين .......
    عاشقة الطبيعة........
  • »...لن اكرر انك مبدع فقد مللتها,,انت حقا مبدع (فرح عفانة)

    الجمعة 16 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    انا فعلا اعجز عن التعبير
    صدمة بروعة ما قرات لا ادري لكن هذا يتكرر معي دائما,,
    عموما
    هذا وضع كثير من الرجال فلا عجب