ظاهرة اسمها سلمى الخضراء الجيّوسي

تم نشره في الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

في الثّقافة العربيّة المعاصرة ثمّة ظاهرة مهمّة اسمها (سلمى الخضراء الجيّوسي)، لا بدّ للمشتغل في الحقل الثّقافي إلا وأن يتوقّف مليّاً أمامها، فقد استطاعت هذه السّيّدة النّبيلة من خلال دأبها وإصرارها أن تنجز لأمّتها العربية ما عجزت عن إنجازه وزارات الثّقافة العربية مجتمعةً، وبفضلها جرى التّعريف بالأثر الثقافي العربي على المستوى العالمي، كما أصبح للمبدعين العرب ركن خاص بهم في المكتبة العالميّة. عشرات من الموسوعات والدّراسات والتّرجمات قامت بالعمل على إخراجها إلى النّور، وتوفيرها بين أيدي القرّاء في العالم، عبر مشروعيها(بروتا للترجمة) الذي بدأت به عام 1980، و(رابطة الشّرق والغرب للدّراسات) الذي أطلقته عام 1992.

بداية علاقتها مع الكتابة كانت من باب الشّعر، حيث شدّت إليها الأنظار حين نشرت في أوائل الخمسينيّات عدداً من قصائدها في مجلّة الآداب البيروتية. عام 1960 أصدرت مجموعتها الشّعرية الأولى (العودة إلى النّبع الحالم)، ولكنّها ستتوقّف منذ ذلك التّاريخ عن نشر الشعر، وتنخرط في عملية الترجمة من وإلى العربية، وتنحّي أحلامها الذاتية جانباً لصالح خدمة ثقافتها القومية.

أثناء محاضرة لها في جامعة تكساس في أميركا أواخر السّبعينيات خطر في بالها أن تسأل الطّلبة عن الثقافة العربية، أحد هؤلاء الطّلبة سخر من السؤال وقال إنّه لا توجد هناك ثقافة عربية! عندها جُنّ جنون د. سلمى وصمّمت أن تفعل شيئاً، ومنذ ذلك الوقت انكبّت على ترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية، كما قامت بالاشتغال على مجموعة كبيرة من الدراسات التي تتناول الثقافة العربية وموقعها على خريطة العالم.

" لا يوجد هناك مجال إلا بالمجابهة الثّقافيّة"، تقول د. سلمى في معرض حديثها عن الواقع العربي المتردّي، وترى أنّ تلك المجابهة ممكنة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الإمكانيّات الثقافية الكبيرة التي تتمتّع بها الأمّة العربية، وذلك على عكس ما يُشاع من أنّ العرب أصبحوا خارج التّاريخ، وأنّه لم يعد لديهم ثقافة تُذكَر مقارنةً بالأمم الأخرى.  

الذي يتأمّل حياة هذه المبدعة الكبيرة، سيشدّه مقدار الجهد الذي بذلته في مجتمعها الذّكوري، في زمن محتدم ومغلق، حيث استطاعت من خلال ما حقّقته أن تخدم وطنها العربي، وقضيّته المركزية القضيّة الفلسطينية. إنّها مثال للمرأة العربية الشجاعة المبادِرة الطّموحة، التي تتحدّى الصّعاب، وتخرج على طاعة التّقاليد الذّكوريّة، تلك التقاليد التي لا ترى في المرأة سوى تابع خانع للرّجل. في هذا المجال تقول د. سلمى "أوّل شيء يجب أن تفعله المرأة هو أن تتخلّص من أيّ إحساس بتفوّق الرّجل، وألا تشعر بأنّ عليها أن تكون إيجابية لأوامره، لأنّ بعض هذه الأوامر كثيراً ما تكون مجحفة ومتخلّفة ولا خير فيها".

في الوقت نفسه تقدّم د. سلمى الأسباب الكامنة وراء هذا الخروج على أوامر الرّجل بقولها "أريد للمرأة العربية أن تعرف أنّ علاج الورطة التاريخية التي وقعنا فيها يكون من خلال محاولتها التّدخّل في مصير وطنها بالشّكل الذي تتقنه، وألا تترك الأمر للرجل الذي خذل وطنه وبات يتحكّم في كلّ شيء"، تلك هي ابنة بلاد الشّام التي ولدت في مدينة السّلط الأردنية أواخر العشرينيّات، لأب فلسطيني وأم لبنانية وعاشت طفولتها ومرحلة شبابها الأوّل في كلّ من عكّا والقدس، ثمّ أكملت دراستها الجامعية في بيروت، وحصلت على شهادة الدّكتوراه من لندن، وتنقّلت بعد ذلك لتعيش في روما فبيروت ودمشق وبغداد والخرطوم والجزائر فبريطانيا وأميركا فعمّان آخر الأمر. قبل يومين زرتها وأخبرتني بفرح شديد أنّها دفعت إلى النشر بمؤلّفها الجديد (القصّ العربية القديمة، أنواعها وتأثيرها).

Yousef.abdelazeez@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجيوسي وكتاب عن محمد (ص) .... (محمد العاصي الصبيحات)

    الاثنين 12 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    أتمنى على هذه المرأة العملاقة ان تكتب كتابا بالأنجليزية عن محمد(ص) لأنها من أقدر المفكرين العرب على مخاطبة الغرب.
  • »يا ريت لو عند العرب بس كم ألف من هذه النوعيه (أبو ضياء)

    الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    شاهدت لهذه السيده المبدعه والرائعه مقابله على قناة الجزيره وكم كنت فخور بها وتمنيت لو أن لدى العرب كم ألف من هذه النوعيه الفذه لكن للاسف نسائنا تائهات بين الموضه والمشاكل العائلية والكلام الفارغ . تحيه الى السيده الفاضله الدكتوره سلمى الجيوس تمنياتي من الله العلي القدير أن يمن عليك بطول العمر والصحه
  • »i rise my hat for you (haneen)

    الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    i love your writings sir..
    thank you very much