إبراهيم غرايبة

المدن وثقافة الترفيه

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

يعتبر الترفيه معيارا أساسيا لدراسة التاريخ الاجتماعي وأسلوب الحياة، وفهم حالة التمدن القائمة وقياسها أيضا، وقد يكون الترفيه بذاته أمرا ثانويا لدى الدارسين والمخططين في اللحظة الراهنة، ولكنه على نحو ما يعكس مستوى التمدن وأسلوب تشكل حياة الناس وثقافتهم حول الموارد والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية القائمة، ويساعد أيضا في تنمية قدرات الناس على تحسين حياتهم، ولكنه وهو الأكثر أهمية يعبر تحت شروط معينة عن أهم مداخل وأساليب تنمية الموارد وزيادتها واستمرارها، فالفنون كانت في منشئها لأجل الترفيه، ولكن حضارات ومجتمعات حولتها إلى أدوات وأساليب للارتقاء بالذوق والنفس والروح والبحث الدائم عن الجمال الذي يدرك به الإنسان القبيح من الحسن، فترتقي بذلك منظومة الحياة والمنتجات والأفكار والسلع تعبيرا عن الجمال المتشكل لدى الناس، وهكذا فكلما ارتقى الجمال وتطور لدى الأفراد والمجتمعات تطورت الأدوات وأساليب الحياة وتحولت إلى مصدر جديد لتحسين الحياة والارتقاء بها وإلى مورد متنامي ومتجدد لا يتوقف.

وفي كتابه "ثقافة الترفيه والمدينة العربية في الأزمنة الحديثة، دمشق العثمانية" يوثق مهند مبيضين للترفيه في مدينة دمشق في العصر العثماني (1516 - 1918) من الموسيقى والغناء والرقص والتنزه والمقاهي والحمامات والحارات والحكايات والسمر واللهو والألعاب إلى الخمر والنساء والغلمان، ولكنه في ذلك يساعدنا ويفتح المجال لنرصد حال المدينة العربية ومن ثم الحضارة العربية (باعتبارها أساس الجهد الإنساني لتحسين الحياة) وتحولاتها ومسارها،

كانت السلطة السياسية شريكا للمجتمعات، وبينهما (السلطة والمجتمع) توازن وتنافس وتشارك أنشأ كل ما عرفناه في الحضارة العربية من علم وثقافة ومن لهو وترفيه، قد يبدو بعضه انحرافا عن الشريعة الإسلامية، ولكنه لازمة أساسية أو ثمن لاستقلال المجتمعات وحريتها، وإن كان خطأ أو انحرافا فلم يكن على أية حال خطرا على الدين والعلم والحضارة، وفي المقابل فقد كان التحريم مدخلا للهيمنة والتسلط على الناس وعلى الشريعة نفسها باحتكار تأويلها وفهمها وأسلوب تطبيقها، ومن ثم فقد تراجع إلى درجة الانهيار مع انحدار الترفيه نفسه والعلم والنشر والثقافة والإبداع، جرى ذلك في وقت كانت النهضة الأوروبية في طور التشكل.

وفي حين نرى حضورا واسعا للترفيه في الحضارة العربية في القرون الأولى تعكسه كتب بالغة الاهمية ومنتشرة مثل الأغاني للأصبهاني وقصص المغنين والشعراء والموسيقيين نلاحظ انحسارا واسعا في العصور اللاحقة وتوسعا في الوقت نفسه في الجدل الديني والتحريم، وفي الوقت الذي شغلت السلطة في عصور النهضة والازدهار عن ملاحقة اللهو والترفيه، فقد شغلت في عصور الانحدار في ملاحقة الترفيه ومعاقبة الناس، وكأنها تمنح لنفسها الشرعية والقبول، ثم الهيمنة على المجتمع نفسه، وعلى ضمائر الناس وأفكارهم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نشأة الفن والترفيه (عبدالله جوابرة)

    السبت 10 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    تخلط يا عزيزي الكاتب ضمنا بين الفن والترفيه ولعلك مقالتك أثارت حفيظتي فرغبت أن أذكر بأن هناك نظريات عدة متباينة تفسر نشوء الفن لدى إنسان ما قبل التاريخ ويلمس القارئ لتلك النظريات ما يشبه الإجماع أن الفن لم ينشأ بسبب حاجة جمالية بل نشأ عن الفعل في الطبيعة سواء بسبب حاجة الإنسان للصيد عبر الرسم على جدران الكهوف أو حاجته لإله يعبده صانعا تماثيل أو رسومات أو طقوس أو لحاجته للتواصل مع أبناء جنسه ،ونحن الذين أدخلنا تلك الأعمال في مضمار الفن ، وهذا لا ينفي أن تكون فنا بالطبع بل يؤكد على أن علاقة المصالح العادية بنشوء نوع أو أكثر من الفنون دون انتقاص منها .
    وهناك مفارقة أخرى هي ما يشيع من أن الرفاهية والمال تقتلان الإبداع ، وهذا ربما يفسر لنا كون المبدعين في كثير من الأحيان عاشو ظروفا صعبة وبيئات اجتماعية قاسية .