العلاقة بين الفقر والجريمة

تم نشره في الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

هل يؤدي الفقر إلى ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف؟ وهل يكفي عامل الفقر لتفسير العديد من الظواهر ومنها جرائم الشرف كما أظهرت دراسة المركز الاردني للبحوث الاجتماعية ومركز المفرق للبحث والتي تطرقت لهذا الموضوع مؤخرا، وهل الخلاصة أن تحسين الوضع المعيشي سيقضي على تلك الظاهرة التي تعود الى قرون عديدة؟

كلها اسئلة تتبادر الى الذهن لدى مراجعة المسح الذي نفذ مؤخرا ورصد مائة حالة على مدى خمس سنوات، اي بمعدل عشر حالات لكل عام، وهو عدد قليل من المشاهدات لا يكفي برأينا للتوصل الى الاستنتاج بالعلاقة السببية التي طغى عليها العامل الاقتصادي. 

نظريا من السهل الربط بين معدلات الجريمة والفقر، فالمناطق الفقيرة ليس فيها نظام تعليمي جيد، وليست مخدومة وهي تعاني من كافة انواع المشاكل التي تدفع الى الانحراف، وهذا ما نتفق معه، ولكن ما نختلف عليه هو تحديد نوع معين من الجرائم المرتبطة بمجموعة معقدة من العوامل، والاستنتاج أن العامل الاقتصادي -الفقر- هو العامل الرئيس في تفسيرها مجتزأ، وهنا  نتساءل عندما كان الوضع الاقتصادي حتى منتصف الثمانينات في الاردن جيدا، وعندما كان الاردن لا يعاني  من مشاكل في البطالة، وكان مستوى الدخل والمعيشية أفضل مما هو عليه الآن، هل غابت جرائم الشرف عن المجتمع الاردني؟ وهل تغيرت مواقع حدوث الجريمة أو أدواتها أو الطريقة التي يتم اختيار الشاب الذي سينفذها؟

ما حصل خلال العقدين الماضيين من تحولات اقتصادية رفع مستويات البطالة والفقر الى مستويات تزيد كثيرا على مستوى الزيادة في الجرائم التي تم تسجيلها، وما حصل في الحقيقة تبدل في نوعية الجرائم، ففي الوقت الذي يتم التركيز فيه على جرائم العنف المباشرة، ينسى البعض جرائم أخرى مثل الفساد والإثراء غير المشروع، وهي عوامل لا تقل في تأثيرها عن الفقر بالمعنى المطلق، وفي الحقيقة فإن نسبة الجرائم المرتكبة في أوساط الفقراء نسبة الى عدد السكان تعتبر أقل من نظيرتها في اوساط ميسوري الحال، ولننظر الى جرائم المخدرات والسرقة والتزييف وغيرها من الجرائم التي لا تحظى بتغطية إعلامية مشابهة لجرائم الشرف.

فالنوع الثاني من الجرائم يعتبر عاديا من المنظور الغربي والاستشراقي، لذلك ليس من الضرورة تخصيص برامج دعم له أو التركيز عليه، أما النوع الأول فهو يرتبط بثقافة قديمة سائدة قبل الإسلام، وهو مرتبط بمنطقتنا وتراثنا، وهذا لا يقلل من أهمية هذا النوع من الجرائم التي ترتكب تحت كافة المسميات الدينية والأخلاقية والتي في كثير من الأحيان لا علاقة لها بسبب ارتكاب ذلك النوع من الجرائم.

ونقول هذا في الوقت الذي تنتشر فيه انوع جديدة من العنف والتوتر الاجتماعي محليا والتي يعزوها الى أسباب اقتصادية، فإنغلاق الأفق أمام الشباب وعدم وجود منافذ لتفريغ الطاقة السلبية والايجابية وانتشار الفساد وتفضيل الحياة السهلة، كلها عوامل لا تقل أهمية عن مستوى الدخل. 

العامل الاقتصادي مهم ولكنه ليس محددا للسلوك الاجتماعي، فالفقر سيئ من حيث المبدأ، لأن ذلك يرافقه الجهل والحرمان معا وما ينجم ذلك من ممارسات خاطئة ومن ضمنها ما يعرف بجرائم الشرف، وعلنا أن ننظر الى الأمور بمقياس عام، ونتساءل ما الذي حل بمجموعة القيم التي تحكم المجتمع وما أسباب تراجعها، العامل الاقتصادي سيكون واحدا من متعدد، وإلا كيف نفسر السلوك السوي للغالبية العظمى من فقراء مجتمعنا. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا فل سيفك يا ابن سيف (فلاح أديهم المسلم)

    الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    استفزني العنوان فظننت أنه سيحمل الفقراء مسؤولية جميع مصائب المجتمع وجرائمه مضاعفا بذلك مصائبهم من الفقر والحرمان وكنت استعرض في ذهني ما يجب قوله ردا على الكاتب_ ففوجئت بالكاتب يكتب ما أريد قوله لا بل أفضل مما كنت سأقول؛ فله جزيل الشكر ووافر التقدير. ما أريد أن أضيفه هنا هو أن التركيز على ما يسمى بجرائم الشرف وتضخيمها مع غض النظر عن سائر الجرائم_ لهو أمر يثير الشك والريبة في " شرف " مقصد هذه الضجة والضوضاء ! لاحظنا أن هذه الجرائم تبحث بسطحية، وبأسلوب غير علمي، ولا تتحرى الحقائق مما يدل على أن مثيريها لا ينطلقون من عواطف إنسانية عميقة ولا يعبرون عن فكر إنساني ممازج وجدانهم يدفعهم للبحث والتدقيق، وإنما يقومون بدور "النائحة المأجورة" وقديما قيل "ليست النائحة كالثكلى" ، فرق شاسع بين داعية يسعى لنهضة مجتمعه ويحس بآلامه وأوجاعه، ويسعى لرفعته وإسعاده، وبين دعي مأجور يجعجع ويلعلع ليرفع تقاريره لمستأجره مليئا بما قال أو عمل مرفقا معها قائمة مطالبات بمستحقات مالية! إن هذا الصنف "الدعي" سيغمض عينيه قطعا عن الحقائق التالية: 1_ أنه لا يوجد في القانون الأردني ولا المحاكم الأردنية شيء اسمه "جرائم شرف" وحتى المادة التي تنص على "العذر المحل" فقد ألغيت، والقاتل بدافع الشرف يعاقب كأي قاتل آخر. 2_ لن يعترف بأن موروثنا العربي والإسلامي على الرغم من تشدده في الحفاظ على الأعراض ليس هو السبب في تفشي هذه الجرائم، والدليل على ذلك أن قبائل الأردن الكبرى العريقة قلما حصل فيها جريمة من هذا الصنف، أكتب هذا وأنا أستعرض تاريخ إحداها وإلمامي به يؤهلني للحديث عنه، فأقول إنه طيلة مائة عام لم نسمع عن جريمة من هذا النوع لا لأن أولئك الناس ملائكة لا يخطئون، ولا لأنهم يقتلون سرا فلا أحدث يكتشف جرائمهم كما قد يتوهم البعض، ولكن لأنهم يحلون تلك القضايا بحكمة وحنكة تثير اعجاب العقلاء، تحفظ الأرواح من القتل، وتحفظ المجتمع من الفساد في آن واحد. 3_ ستغمض عيونها عن طبيعة العقلية "الغربية"(بالغين) الدموية التي لا تتورع عن سفك الدماء لأتفه الأسباب وستتجاهل تأثيرها على العقلية العربية الرقيقة المسالمة التي تتحرج من قتل كل ذي روح ولو كان من الحشرات، وستصر على أن ما يجري من اجرام بشع طارئ على هذه العقلية هو من مركباتها ومن نتائج حرارة شمس صحرائها! يحصل كل ذلك لأن تلك العقول مستأجرة غير عاملة وجميع العقلاء لا يحترمون العقل المأجور والقاتل المأجور لأن كليهما فرط بمقدس إنساني: الأول فرط بالعقل عنوان كرامته، ووسيلة هدايته، والثاني فرط بقوته التي بها يحافظ على كيانه الفردي والاجتماعي من أي عدوان.