موفق ملكاوي

ذكرى التوازنات

تم نشره في الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

هل رأيت نساء بيروت؟

السؤال ينثر نمشا متثلما في عينيك العسليتين. تحاول أن تبتسم، وأنت تفرك كفيك متذرعا بـ"مؤتمر مهم"، و"ساعات قصيرة من المكوث".

هل تذوقت نبيذ بيروت المرمري؟

أين يمكن ذلك؟

كانت الشوارع مرسومة منذ ربع قرن في ذاكرة عصية شقية تربع فيها أطفال وعجائز ومحرومون.

غير أن أسئلة العابرين تلحّ عليك، وتطالبك بخريطة حزن لسفرك القليل؛ حسنا أيها السادة: كان مهوى القلب جهة أخرى.. أنشودة بعيدة عن ليلكِ بيروت ونعاسها الرخيم، فقد يمّم القلب صوب أماكن لا تذكرها في العادة سوى خرائط مبتلاة بالصدق وبالحزن المعتق وعويل ممتد منذ الطعنة الأولى.

كان الرحيل صوب صبرا وشاتيلا محاولة هواةٍ لاستجماع قليل من الصفحات المفقودة في دفتر يومياتنا الأصفر. ربما مثّل معاندة، غير محسوبة العواقب، لسياق "جيوسياسي" يحاول إلباس الأشياء غير هيئتها الحقيقية في ظل عالم لا يتوارى خلف النيات الحسنة.

على مدخل المخيم ترى إشارات البؤس واضحة، ثمة وجوه تعلن على الملأ: أيها المارون من هنا، نحن أبناء المأساة. نحن الذين تفتحنا على ألف دم ودم.. لكننا ما نزال نكرز بالجروح نفسها.

على مدخل المخيم، وقريبا من "الفاكهاني"، تصطدم بذاهلين يذرعون طرقات المخيم.. لا لشيء مهم، وإنما لأنهم لا يملكون عملا آخر يقومون به، فتراهم يملأون فراغهم بمزاولة الهباء.

القراءة عن صبرا وشاتيلا ليست كمثل اختبار المكان، ومحاولة تمثل الزمن البعيد القريب الذي أنتج مجزرة ما يزال مجرموها يتنسمون الهواء.

ثمة رائحة منتشرة في المكان.. ستظنها بلا شك رائحة آدميين أدمنوا تعكير المكان بضوضائهم، إلا أن الحدس يخونك هذه المرة، ربما كمثل كل مرة، فالرائحة لا تنبئ عن مقيمين، بل عن مغادرين، ما تزال خيالاتهم تجوب أروقة المخيم الضيقة، وتستدل على الأبواب بالحب نفسه الذي استدلت فيه على العشيقات.

ستجبر نفسك على الحزن فيما أنت تتذكر رواية عجوز تعبت من تعداد السنوات فوق كاهلها، حين صوّرت لك كيف قام مجرم، عريق بالإجرام ويزاحم الآن على كرسيّ خلافة، ببقر بطن زوجة ابنها وقتلها هي والجنين الذي كان ما يزال في طور التشكّل!

ستمرّ ساعات عديدة قبل أن تستطيع محو المشهد المتشبث بذاكرتك.. ستقنع نفسك بأن ربع قرن من السنوات كفيل بمحو أوطان كاملة، فكيف ببضعة آدميين ذهبوا لقاء توازنات اقتضتها طبيعة المرحلة.

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الميزان (يوسف العواد)

    الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اشكر الكاتب على هذا المقال الذي يبعث على الالم و الحزن و الحسرة. و ما اقوله انها ليست توازنات و لكنها اخلال في الميزان.لان التوازن يبنى على العدل و الحق و الانسانية و الجمال.
  • »مقال اكثر من جميل (لينا خالد)

    الخميس 8 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    لقد وفقت استاذي العزيز بطريقة ملفتة وحميمة في سرد ذاكرة بائسة حزينة تفرض نفسها حتى اللحظة، لم اقرأ منذ زمن بهذا المستوى من الجمال في وصف ذكرى تأبى النسيان.