جميل النمري

انتصار اليمين في الانتخابات الألمانية

تم نشره في الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

دفع الحزبان الكبيران في ألمانيا (الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي) ثمن ائتلاف "الضرورة" غير الطبيعي وغير المرغوب من أي منهما على مدار السنوات الأربع الماضية. لكن خسارة الديمقراطي الاشتراكي – يسار الوسط – كانت أفدح بما لا يقاس ووصل تحصيله (22% من الأصوات) إلى أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية. بينما كانت خسارة الحزب الديمقراطي المسيحي - يمين الوسط – محدودة بأقل من نقطتين لكنه احتفل منتصرا لأنه مع الحزب الليبرالي – يمين - حقق أكثرية كافية للحكم.

في الديمقراطيات الأوروبية هناك سباق على الوسط بصورة تخفف كثيرا الفروقات بين اليمين واليسار لكن اليسار يكسب اقلّ من الوسط بينما يفقد المزيد من قاعدته على اليسار، وفي الانتخابات الماضية لم يحقق أي من الحزبين الكبيرين نتائج كافية للحكم في ائتلاف يميني أو يساري فتشاركا في ائتلاف هجين ثم جاءت الأزمة المالية العالمية وما تطلبته من إجراءات قاسية وغير شعبية ليدفع ثمنها الشريك اليساري في الحكم. وما عمّق أزمة الحزب الديمقراطي الاشتراكي أنه كان يرفض سلفا فكرة الائتلاف مع الحزب الاشتراكي (الحزب الشيوعي لألمانيا الشرقية سابقا) حتّى لا يخسر القاعدة الوسطية والمعتدلة في حين أنه كان مستحيلا الوصول إلى مقاعد كافية لائتلاف يسار وسط وتكوين أغلبية حكومية من دون الحزب الاشتراكي، فظهر الحزب بلا مشروع مقنع، وانشقت مجموعة عنه واتحدت مع الحزب الاشتراكي – الشيوعي سابقا- والذي حقق تقدما كبيرا (من 8% إلى 12% من الأصوات)، وكذلك حزب الخضر الذي حاز على أكثر من 10% من الأصوات.

مجموع أصوات اليسار تصل تقريبا إلى 44% من الأصوات ولو زادت قليلا عن ائتلاف اليمين فإن الحزب الديمقراطي الاشتراكي كان سيجد نفسه في مأزق فريد في ظلّ التزامه المسبق بعدم الدخول في ائتلاف حكومي مع اليسار الاشتراكي، ولم يكن هو أو الديمقراطي المسيحي براغب في العودة إلى الائتلاف السابق بينهما، لكن النتائج حسمت الأمر لصالح اليمين وكأن ذلك أراح الحزب الديمقراطي الاشتراكي في هذه المرحلة ليعود إلى صفّ المعارضة ويعيد بناء نفسه وسياساته بصورة اقرب إلى قاعدته الشعبية التقليدية.

ائتلاف يمين وسط من الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب مقاطعة بافاريا الديمقراطي المسيحي والحزب الليبرالي حاز على ما يقارب 48% من الأصوات لكن بإعادة توزيع الأصوات المهدورة للأحزاب التي لم تصل لنسبة الحسم (5%) يحصل مقاعد تزيد عن النصف قليلا لتشكيل أغلبية لرئيسة الوزراء ميركيل التي تستطيع أن تحكم بصورة مريحة.

قلنا أن السباق على الوسط والاعتدال قلّص الفوارق بين الحزبين الرئيسيين لليمين واليسار وفي السياسة الخارجية فإن الفوارق تتقلص أكثر، إذ ليس هناك فوارق جوهرية في السياسة الأوروبية ولا في العلاقة مع الولايات المتحدة وخصوصا في ظلّ إدارة بارك أوباما، وربما كان التباين الأبرز هو تحفظ أشدّ من اليمين على عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، أما تجاه الشرق الأوسط ففي العادة لا توجد فروقات جدّية بين الحزبين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الثقافة...الثقافة (fisal)

    الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009.
    فعلا انك كاتب مثقف ومثقف جدا,سواء اتفقنا او لم نتفق معك. مجتهد ,شجاع وحيادي.اهنيك
  • »الديموقراطي المسيحي! (جميل البابا)

    الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009.
    لماذا لا يشير الكاتب إلى قبول الغرب بالاحزاب الديموقراطية المسيحية ورفض النظام الرسمي العربي للاحزاب الاسلامية
    السبب الحقيقي لغياب الديموقراطية عندنا هو معاداة الاحزاب الاسلامية ورفض وجودها من الحكام ومن النخب المرتبطة بها انتهازيا
  • »دق الماني (يوسف العواد)

    الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009.
    الملفت في مقال الكاتب السيد جميل النمري هذه النسب المئوية للاصوات التي تحدد الفائز في الانتخابات الالمانية نجدها متواضعة اذا قسناها بالارقام الفلكية التي يتم الفوز بها في عالمنا العربي و دول العالم الثالث التي تصل في بعض الاحيان الى 99%. معنى هذا ان اي حزب صغير ممكن ان تؤثر اصواته في حسم الانتخابات لصالح طرف معين مما يعطي مجالا للمشاركة و التنوع من مختلف الاطياف.و كما يقول المثل العامي صرارة صغيرة تسند صخرة كبيرة.
  • »قلنا وقلنا .. (عارف الصمادي)

    الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009.
    ربما من المناسب للكاتب أن يخفف من عبارت " قلنا" ويترك للقارئ الاستنتاج بأنه استقرأ حدثا مبكرا أو سبق جيله بنبوءة.
    حبذا لو يكتب الكاتب بلغة المفرد لا لغة الجمع
  • »برافو (علي محمد)

    الثلاثاء 29 أيلول / سبتمبر 2009.
    يا رجل والله لو لانك عايش في المانيا ما بتطلع في تحليل ممتاز مثل هذا التحليل.

    فعلا انك كاتب محترم