جميل النمري

كفاية بقى ...

تم نشره في السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" لم تمت، وهي تعود بحيوية وجرأة وتقدم نموذجا يحتذى في اقتحام الآفاق واختراق التابوهات. فقد أعلن منسق الحركة عن اتخاذ خطوات اجرائية لملاحقة جمال مبارك نجل الرئيس المصري قضائيا باتهامات تتعلق بمصادر ثروته، وانتحال صفات سياسية ليست له عبر قيامه بأدوار سياسية من دون سند دستوري وتشريعي.

هذا الدور الطليعي لحركة كفاية له ما بعده؛ فالجرأة على مواجهة سلطة القيادة بسلطان الحق والأخلاق والقانون   والكبرياء الأهلي الوطني والحضاري لا يمكن قمعها، وهذه الحركة لا يمكن إخمادها فهي تمثل ذروة المسؤولية المدنية، من دون مصالح انقلابية ولا أجندة ايدولوجية، وستتمدد مثل بقعة زيت وسيكون خطاب السلطة ضعيفا وكسيرا أمامها.

 ان أوقاتا صعبة تنتظر مشروع التوريث في مواجه خطاب مدني ناضج وجريء وجامع. خطاب يتوقع له أن يضم  الجميع تحت عباءته بما في ذلك الإخوان الذين سيضطرون لمغادرة خطابهم التقليدي ونهجهم الخاص الذي كان يخيف القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية والليبرالية والخارج ايضا، ويمكّن النظام من التفرد بهم وقمعهم باسم حماية مصر من أصولية دكتاتورية تهدد التعددية والحريات المدنية.

يبدو أن طريق "كفاية" هو الوحيد المتبقي في ظلّ الارتداد العربي عن مشروع الاصلاح السياسي. ومن المؤسف أن قادة كانوا قد بدأوا يتحسسون رؤوسهم لمّا رأووا البلدوزر الأميركي ايام بوش جاد في مطالب الاصلاح الديمقراطي استنادا لنظرية اقنعت الادارة بأن الفساد والتفرد بالسلطة هو المسؤول عن توليد ظواهر التطرف والارهاب، وسارعوا الى طرح مشاريع الإصلاح بل وتبنّي مشروع عام للإصلاح العربي في قمة تونس، حتّى اذا ضعفت الإدارة وغاصت حتّى الركب في الرمال المتحركة في العراق وأفغانستان تنكر القادة العرب لمطالب المشاركة الديمقراطية والمؤسسية الدستورية، وعادوا الى سيرتهم الأولى بالإدارة السلطوية للحكم الذي يتحول الى شأن عائلي يملك فيه الأبناء والإخوان والزوجات والأنسباء أكثر مما تملك الحكومة والوزراء.  

وجمال مبارك ليس له منصب رسمي يخوله أي سلطة، مع ذلك يشرف على برامج ويترأس اجتماعات وزراء ويدير مفاوضات ويقرر صفقات. ليس جمال وحده؛ ففي معظم الدول العربية يكون لأبن أو أخ أو حرم أو نسيب رأس السلطة ما يفوق أعلى المسؤوليات الحكومية، وتجدهم يخرجون ويقابلون ويفاوضون ويوثق بهم أكثر من وزراء ومسؤولين حكوميين، انظروا إلى سيف الاسلام القذافي وأحمد عبدالله صالح و و و. ومن المؤسف ان يأتي الخبر عن فساد ورِشى تطال نجل أحد رؤوساء الدول العربية من موقع وزارة العدل الأميركية (يمكن مراجعة الموقع على الإنترنت) حيث حوكمت وغرّمت شركة تقدم خدمات الاتصالات الدولية بعد أن اعترفت بأسماء المتورطين معها للحصول على "أسعار مناسبة" على حساب جيب المواطن في ذلك البلد.

منذ العام 2004 بدأت تصدر تقارير خاصّة بالتنمية البشرية في المنطقة العربية ذات دلالات كارثية حفزت مطالبات واسعة بالإصلاح، وها هو التقرير يصدر للعام 2009 عن أمن الانسان العربي ولا نجد أننا تقدمنا خطوة واحدة ان لم نكن تراجعنا الى الخلف . . لنقل على الطريقة المصرية، كفاية بقى!!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس كفاية (موسى كراعين)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    لسان من يتقلد المناصب العليا، هو لا يكفي و ليس كفاية،لست مشائماً لكنني في الوقت ذاته لست متفائلا، أغفل الكاتب في مقالته هذه موضوعا مهما هو إرهاب السلطة الي يمارس في مصر في كل شيء و ليس فقط في السياسة هذه المبادرات كلها مع احترامناو تقديرنا لأصحابها ديكور سياسي و فقاعات هواء، تحاول السلطة أن تستفيد منها في تلميع صورتها الخارجية،و لها مآرب أخرى تتمثل في تقوية اتجاه من اتجاهات المعارضة على حساب آخر، و سرعان ما تزول هذه المعارضة-ليس أكثر من 5 سنوات- لتعود للسلطة مقاليد السيطرة، و تعود المعارضة التقليدية للمارسة دورها بانتظار من يأتي لكسر الروتين السياسشي لفترة محدودة ثم نعاود الكرة لندور في حلقة مفرغة.
  • »جميل جدا... (rimas788)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    مقالك رائع ومميز يا استاذ جميل. شكرا
  • »النرجسية والنهوض ضدان (فلاح أديهم المسلم)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    أشكر الكاتب المتميز جميل النمري على مقاله الرائع كما أشكر الأخ خالدالسلايمة على تعليقه أدناه وأود أن ألفت النظر لما يلي: 1_ إن الدارس لماضي العرب وحاضرهم يكتشف أنهم يعانون من "نرجسية" رهيبة حالت دون تشكل مجتمع مدني ذي مؤسسات راسخة. 2_ نتيجة لهذا المرض النفسي فإن العربي يتخذ الفكر لباسا وزينة ولا مكان له في عقله ووجدانه ، فلا يتخذه رسالة حياة أو قضية يناضل من أجلها إلا إذا أقتنع أنه يخدم طموحه الشخصي ومصالحه الخاصة. 3_ إن محاولات إنهاض "النرجسيين" هو ضرب من العبث ؛ لذا أضطر الواقعيون أن يعترفوا بأنه لن يصلح الشرق إلا "مستبد عادل" . 4_ حاولت أن أكون واقعيا مثلهم إلا أنني لم أستطع فبقيت أعبث مع العابثين!
  • »الطبع غلب التطبع (يوسف العواد)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    اشكر الكاتب على هذا المقال .يقال انه كلما اتسعت الفكرة ضاقت العبارة.اقول " كفاية بقى " ولنريح عقولنا لانه يوجد امراض لا علاج لها. ونحن ابتلينا بهذا المرض .و الطبع غلب التطبع.
  • »كفايه غير كافيه (رشاد الصاحب)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    الاخ جميل هل تعتقد ان حركة كفايه قادره على الصمود حتى النهايه فكلنا شاهدنا زعيم الحركه السيد ايمن نور عندما تجرأ وترشح للانتخابات الرأسيه كيف تم زجه في السجن وان التهمه كانت جاهزه فحتى تصل الحركه الى فعل ذو تاثير يجب ان تكون مدعومه من قوى خارجيه والا فما عليها الا ان تركب الموجه وتلتزم الطاعه حتى لو تم تسليم الحكم الى ابن جمال وليس جمال نفسه
  • »"كفاية" أفضل من الطوش بمائة مرة! (خالد السلايمة)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    أسعد الله أوقاتك أخي جميل و أشكرك على مقالك الرائع,

    حقيقة كتب أخونا العزيز محمد أبو رمان مقال قبل يومين يعزو فيه المشاكل العشائرية المتكررة إلى وجود أزمة سياسية في البلد. و علقت عليه, بأنه مستهجن أن الناس في الأردن تتصرف بطريقة خطأ لتعبر عن وجود خطا!

    الإخوة المصريين تركوا المجتمع القبلي و أصبحوا مجتمع مدني و لهم باع أطول منا في السياسة! لذلك ترى حركة "كفاية" تقوى و تنتشر و تعمل بجد!

    أما نحن, فلا "كفاية" عندنا و لا إحتجاج موجود, بل للأسف الشعب "بيتفشش" ببعضه!! يعني بالعربي "بيذبحوا بعض"!

    علينا تعلم كيف نصبح مجتمع مدني و أن نتعلم من الذين سبقونا في الحضارة و سبقونا في الفكر و التفكير. علينا إستغلال المدارس و الجامعات و المعاهد و المساجد و الكنائس و كل المؤسسات المدنية لتحسين أوضاعنا الفكرية و الإنتاجية.

    و أكرر ما قاله الأخ حميل و أقول "كفاية بقى"!! لا لل "الجنوة". لا لل"المسدس". لا لل"البندقية". لا لل"موس". لا لل"طوشة"!! نعم لل "حوار". نعم لل "الفكر المستنير". نعم لل"الإستماع للآخر". نعم لكل شيء يفيد البلد و يدفعه إلى الأمام.