ياسر أبو هلالة

في بهجة الروح ووديان الذهب

تم نشره في الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

جاء المريد إلى شيخه الحذّاء في زحمة السوق، وقد مزقه إقبال نفسه على الدنيا وشوق روحه إلى مقامات علا. تلك التي بلغها شيخه الذي تجري على يديه الكرامات، والشيخ منشغل في إصلاح أحذية الناس التي أنهكها السعي في الأرض، وذاهل عن متطلبات إصلاح روح مريده التائقة إلى التحليق في السماء. حدق المريد في وجه شيخه الذي يضرب بمطرقته الخفيفة على السندان وقد تجسد تمزقه في مطرقة الروح وسندان الجسد.

عرف الشيخ مراده، فقال له عرَفتك الطريق إلى الله، وهو لمن صدق لا لمن سبق، وكما تجد الناس وتجتهد في السوق وتلهث وراء الشهوات المزدانة، جد واجتهد وستصل إلى المقامات العلا.

على الفور ودع المريد شيخه لينقطع في هجرة إلى الله بعيدا عن زحمة السوق، فلو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا "ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب". هام في وديان التراب وقلّب وجهه في السماء، عندما خلا إلى نفسه وانقطع إلى الله، اغتنت روحه، وتحولت القفار إلى ذهب، وازدهى في جوف الليل يتحدى: من أغنى مني؟ لماذا ينهكون أنفسهم في التنقيب عن الذهب وهو مذخور في نفوسهم؟

سأعود إلى شيخي، لقد ارتقيت وبلغت المراد، ها أنا أشعث أغبر لم أذق لذة ولم تقع عيني على منكر، ولكن أين كرامتي؟ أي خوارق العادات التي تجري على يد ولي. كان يتأمل صفاء النبع المتدفق من الأرض ويخال روحه صافية وكأنها الماء العذب الذي لم يتكدر، وفي الجوار جرة مكسورة تذكره بجسده الذي انتصر عليه، سأملأ الجرة بالماء. وتضرع إلى الله وهو الأشعث الأغبر: إن كان لي كرامة فلا تجعل الماء يسيل من الجرة المكسورة. فكان له ما أراد.

حمل جرته المكسورة التي لا يسيل منها الماء، وعاد مبتهجا إلى شيخه، وصل السوق وشعر بالغربة،على ماذا يلهثون؟ وصل محل شيخه مزدهيا بالجرة التي تؤشر إلى أي مقام ارتقى في هجرته، وبدأ يحدث الشيخ عن أحواله وما ارتقى إليه وعينه على الجرة المكسورة التي لا يسيل منها الماء. فقد غدا صاحب كرامة.

كان الشيخ الذي يعرف أسرار الروح فخورا بمريده، لكنه يدرك أن القلب من التقلب وأن الروح كما الطيرالمحلق الذي قد تغويه دودة الأرض فينحدر من عليائه طمعا فيها. في الأثناء دخلت سيدة تريد إصلاح حذائها وشمرت عن ساقها، فاسترق المريد نظرة لزينة افتقدها في هجرته، انساب الماء من الجرة المكسورة، لم تعد له كرامة! هاهو لاهث في الزحام وراء اللذة مثله مثل من انقطع عنهم واستعلى عليهم في هجرته. تبسم الشيخ وقال له "يا بني العبادة بين السيقان وليس بين الوديان"!

الحكاية المشهورة في الأدب الصوفي تلخص قصة الصيام، أن تمتلك وتزهد لا أن تفتقر وتدعي الزهد. فأنت ترى الطعام ولا تتناوله ولست في مجاعة تتضور. وقيمة الصيام أن تزهد لا أن تزداد تعلقا بالملذات حتى المشروع منها.

 في كل رمضان يلح علي سؤال: هل يصوم الفاسدون؟ هل يدركون أن الموت موعد مؤجل ينتظرهم بشكل مفاجئ وليس بشكل منتظم كما أذان الفجر؟ هل يحسون أن الجسد يحتاج القليل وشربة ماء ترويه؟ أم يزدادون شرها لأن الحياة قصيرة؟ ولا بد أن نملك وديان الذهب في أقصر وقت؟ هي قصيرة عندما تكون بحجم جرة مكسورة من صلصال كالفخار، كما كان الإنسان قبل أن تنفخ فيه الروح الممتدة التي سجدت لها الملائكة.

كم هو بغيض شرههم، وكأنهم يريدون حيازة الدنيا ما بين طلوع الشمس ومغيبها، ولا يعزيك إلا أن التراب سيملأ جوفهم ولو ملكوا وديان الذهب وأكلوا اليابس والأخضر، وتحمد الله أنك لست منهم. تكفيك شربة ماء لا يشعر أحد أنك سرقتها منه. أما معين الروح فلا ينضب ولا تملؤه جرار.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • ».......... (كنعانية)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    مدرسة رمضان :
    لم ينجح احد
  • »شكرا لك (موسى)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    لقد أبكيتني والله...
  • »الزهد (يوسف العواد)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    اشكر الكاتب .ما احوجنا في هذا العالم الصاخب الى يقظة ضمير وزهد يضيء قلوبنا التي اعتمتها المادة .هذه القلوب التي ران عليها حب الدنيا و الشهوات فحجبتها عن نور الحقيقة و الجمال.الزهد ليس هروب من الواقع ولكنه صمودفي الواقع.الزهد سمو في النفس الى افاق الجمال والمفسدون تنحدر انفسهم في وديان الظلمة.الزهد يصقل مرآة القلوب.سأل المريد شيخه ما هو اعظم الزهد فقال له الشيخ يا ولدي اعظم الزهد ان تزهد فيما سوى الله. يا ولدي الزهد هو الطريق الى فضاء الروح الواسع.
  • »اما معين الروح قلا ينضب ولا تملؤه جرار (فوزية صيداوى)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    ابدعت اخى ياسر وفعلا نحمد الله على القناعة ورضى النفس
  • »تحية (الاب رفعت بدر)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    من أجمل ما قرأت للأستاذ الكاتب ياسر ،
    الله يقويك ، وكل عام وأنت بخير
  • »alsawsana@ggmail.com (رياض شحادة ابوزايدة)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    السلام عليكم ،،

    أخي ياسر ، أبدعت كعادتك..تقبل الله صيامك وقيامك.
  • »ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها (قران كريم) (ناصر عبيدات)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    تعقيبا على مقال الكاتب الكريم(في بهجة الروح ووديان الذهب )

    قال الامام علي : ما اكثر العبر وما اقل الاعتبار..!!

    الحقيقه دائما مقنعه .. يقول المثل الشعبي ( الطمع مشروك بالذل) هذا المثل يفهمه الناس الطيبون ويتجاوزه ويسخر منه الطامعون والانانيون..

    في الطمع واالاحتكار والانانيه والجشع هي صفات يجب ان يكون منها الحاكم ورجال النفوذ من حوله براء منها وبدلا عنا يجب ان تتوفر في اولي الامر الايثار وعزة النفس والزهد والقناعه والحكمه

    سأل صحفي فرنسي ذات يوم رجلا مخمورا يهمل نفسه من ستنتخب لقيادة فرنسا فاجاب على طريقة (اقعد اعوج.. واحكي عدل)قال: بكل تأكيد لن انتخب ازعر مثلي وسانتخب فلان... لانه نزيه وحكيم ومؤهل لقيادة فرنسا..

    العبره حتى الازعر في بلادنا لاينتخب الا من يعتقد انه الافضل بين منافسيه وهذه ظاهره في علم التوازن الفطري وسبحان الله في جكمته..

    الناس خطاؤون ولكن للخطأ اوزان ريشه او خفيف الوسط انتهاء بالمحترف الذى يرتدي حزام الخطر وهؤلاء مصدر الخطر في الاخطاء السياسيه والتنمويه والاجتماعيه والماليه اما( شرابيش الخرج) يكاد لا يابه لها احد لعدم اهميتها

    الحمد لله ان الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات كما جاء في الحديث الشريف وان الناس بالمرصاد لبعضها كالجوار والمعارف والصحافه تحاول برقابتها تقليل الاخطاء والجنح وسوء السلوك ( شايفك .. شايفك..)لسان الخلق اقلام الحق !!

    خلاصة ما اراده كاتب المقال الاخ ياسرواريد استكماله في عبارة الخير كثير وقليل فاعله لكنه دائما اقوى من الاشرار اهل الطمع والجشع والانانيه البغيضه بدليل ان اهل الخير يتصدرون كل محفل فيما يتوارى اولئك للصف الاخير حتى لا يكون لهم في الخير نصيب
  • »معين الروح لا ينضب ولا تملئه جرار ........ (سامية بنت عبدالله بن خصيب الراشدي)

    الأحد 13 أيلول / سبتمبر 2009.
    كلام جميل والاحساس به أجمل ليت الناس تعرف وتتعمق بقيمة الروح لاستقام حالهم ولم يتيهوا في الدنيا ولاذوا لشهواتهم وتمسكوا بها وكأنهم ينادون نار جهنم ويتوسلون اليها برجاء شديد لا تتركينا .....فهم في غيهم يعمهون لا يدركون ولا يستدركون ولكن ماذا سيحصدون الا الشقاء والحسرة والندم في وقت لا ينفع فيه الندم .....دمتم سالمين
    عاشقة الطبيعة ...