الديمقراطية تولد من جديد في اليابان

تم نشره في السبت 5 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

 إن الأمزجة والموضات في اليابان كثيراً ما تهبط على الناس وكأنها موجات مد عارمة (تسونامي)، أو أعاصير، أو انهيارات أرضية. فبعد أكثر من خمسين عاماً من السلطة التي لم تنقطع تقريباً، لقي الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم هزيمة ساحقة في الانتخابات العامة. ولقد شهد عام 1993 تغييراً مفاجئاً حين تولى السلطة لفترة وجيزة الائتلاف المكون من أحزاب المعارضة، ولكن الحزب الديمقراطي الليبرالي ظل محتفظاً بالأغلبية القوية في البرلمان الياباني. أما في هذه المرة فقد سقط حتى آخر معاقله. فقد استولى الحزب الديمقراطي الياباني المنتمي إلى يسار الوسط على ما يزيد على ثلاثمائة مقعد من أصل أربعمائة وثمانين مقعدا في البرلمان. والآن لم يعد الحكم للحزب الديمقراطي الليبرالي.

الواقع أن العالم الذي أصبح جُل اهتمامه مثبتاً على صعود الصين، كان بطيئاً في الانتباه إلى هذا التحول الجذري في سياسة الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم. إن السياسة اليابانية تحظى بصورة باهتة مضجرة في الصحافة العالمية. ذلك أن أغلب المحررين الصحافيين، حين يتصدون لتغطية الأوضاع في اليابان، يميلون إلى تفضيل القصص التي تدور حول الحماقة التي تتسم بها الثقافة الشعبية الشبابية، أو الشواطئ الأرحب للجنس في اليابان.

ويرجع السبب الرئيسي وراء ذلك بطبيعة الحال إلى كساد وفتور السياسة اليابانية، على الأقل منذ منتصف الخمسينيات حين نجح الحزب الديمقراطي الليبرالي في ترسيخ احتكاره للسلطة. ولم يكن لأحد من غير المتحمسين المتعصبين للتحركات الغامضة المبهمة داخل أروقة الحزب الحاكم أن يزعج نفسه بمتابعة أنباء صعود وهبوط زعماء الفصائل، الذين كان أكثرهم ينتمون إلى عائلات سياسية راسخة، وكان أغلبهم يعتمدون تمويل مثير للشبهات. وكانت فضائح الفساد تتفجر من حين إلى آخر، ولكن حتى هذه الفضائح كانت في الأغلب الأعم تشكل جزئاً من المناورات الداخلية في الحزب لكبح جماح الساسة الذين أصبحت أحجامهم أضخم مما ينبغي، أو الذين حاولوا الاستيلاء على السلطة قبل الأوان المناسب لهم.

ولقد نجح ذلك النظام على نحو ما: فقد تناوب زعماء الفصائل المختلفة داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي على تولي منصب رئيس الوزراء، وكان أصحاب المصالح التجارية الخاصة بارعين في التملق والرشوة، وكان القرار بشأن السياسات الاقتصادية المحلية بين أيدي كبار البيروقراطيين بصورة أو أخرى، وكانت الولايات المتحدة تتولى رعاية أمن اليابان (وقسم كبير من سياستها الخارجية أيضاً). وتصور البعض أن هذا النظام قد يدوم إلى الأبد.

كان المعلقون اليابانيون والأجانب كثيراً ما يزعمون أن الأمر الواقع المتمثل في دولة الحزب الواحد كان يناسب اليابانيين. وكان الاستقرار القائم على الاستبدادية الناعمة يشكل الطريقة الآسيوية، التي تتبعها الصين الآن. إن اليابانيين لا يحبون المشاكسة الفوضوية التي تنطوي عليها الديمقراطية البرلمانية. ولننظر ماذا يحدث حين تبلغ حماقة الآسيويين الحد الذي يجعلهم يستوردون مثل هذا النظام، كما هي الحال في كوريا الجنوبية وتايوان. فبدلاً من الحوار المتحضر أصبحنا نرى المشاجرات وتبادل اللكمات والصفعات.

ولكن على الرغم من المشاجرات والخصومات العرضية فمن الواضح أن النظام الديمقراطي في كوريا وتايوان يتمتع بقدر ملحوظ من القوة والنشاط. والتحجج بأن اليابانيين، أو غيرهم من الآسيويين، كارهون ثقافياً للمنافسة السياسية أمر مناف للصحة تاريخياً.

الحقيقة أن التاريخ الياباني عامر بالصراعات السياسة والتمرد، وكانت اليابان أول دولة آسيوية مستقلة ذات نظام سياسي متعدد الأحزاب. وكان نظامها الديمقراطي في أوائل أعوام ما بعد الحرب صلباً صعب المراس، وهيمنت عليه الاحتجاجات الحاشدة، والنقابات التجارية المتشددة، وأحزاب اليسار القوية، حتى أن بعض المحاولات المتعمدة بُـذِلَت لاستئصال السياسة من النظام وفرض الوضع المضجر الممل المتمثل في دولة الحزب الواحد.

وقعت هذه الأحداث في منتصف الخمسينيات، ليس لأسباب ثقافية ولكن لأسباب سياسية بالكامل. وكما كانت حال إيطاليا (والتي ربما كانت الشبيه الأوروبي الأقرب إلى اليابان) فإن اليابان كانت من بين دول الجبهة الأمامية في الحرب الباردة. وكان المحافظون المحليون ـ ومعهم حكومة الولايات المتحدة ـ منزعجون بشأن احتمالات استيلاء اليسار أو حتى الشيوعيين على السلطة.

وعلى هذا فقد تأسس حزب ائتلافي محافظ ضخم (أشبه كثيراً بالحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي) تموله الولايات المتحدة إلى حدٍ ما، بهدف تهميش كافة أشكال المعارضة اليسارية. ولقد اشتمل ذلك على بعض تكتيكات الذراع القوية، وخاصة ضد النقابات، ولكن ذلك الترتيب كان ناجحاً في الأغلب بسبب استقرار الطبقة المتوسطة على صفقة غير رسمية: الازدهار المادي المتزايد في مقابل الإذعان السياسي. وقامت دولة الحزب الديمقراطي الليبرالي على الوعد الذي بذله رئيس الوزراء إيكيدا هاياتو في عام 1960 بمضاعفة دخول الأسر اليابانية قريباً.

وفي ظل هذا التهميش المتزايد تضاءلت المعارضة حتى تحولت إلى قوة عاجزة، أو مجرد واجهة جذابة لدولة ذات حزب واحد. ولكن حكم الحزب الواحد يولد الرضا عن الذات، والفساد، والتصلب السياسي. ففي العقد الماضي أو ما نحو ذلك، بدأ الحزب الديمقراطي الليبرالي ـ فضلاً عن البيروقراطية العاتية التي كانت تدير النظام ذات يوم ـ في الظهور بمظهر العاجز.

كان رئيس الوزراء جونيتشيرو كويزومي قد نفخ في الحزب الديمقراطي الليبرالي آخر أنفاس الحياة حين وعد بالإصلاح في عام 2001. ولكن يبدو أن كل جهوده لم تكن كافية. وأخيراً فرغ صبر الطبقة المتوسطة في اليابان بفعل الأزمة الاقتصادية.

قد لا يقيم الحزب الديمقراطي الياباني المنتصر أي ألعاب نارية سياسية على الفور. ذلك أن زعيمه يوكيو هاتوياما رجل يفتقر إلى الجاذبية الشخصية وينتمي إلى سلاسة أسرة سياسية أخرى راسخة ـ كان جده هاتوياما إيشيرو قد استولى على منصب رئيس الوزراء في عام 1954 بعد أن انتزعه من يوشيدا شيجيرو، جَد آخر رؤساء الوزراء المنتمين إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي، وهو تارو آسو.

إن أهداف الحزب الديمقراطي الياباني ممتازة: منح الساسة المنتخبين قدراً أعظم من السلطة، والإقلال من الوساطة البيروقراطية، والمزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة، وتحسين العلاقات مع الجيران الآسيويين، ومنح الناخبين المزيد من السلطة، وتقليص سلطة المؤسسات التجارية الكبرى، وهلم جرا. ولكن حتى الآن ما يزال علينا أن نرى ما إذا كان هاتوياما وزملاؤه يملكون الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

ولكن من الخطأ أن نقلل من أهمية ما حدث. فحتى إذا فشل الحزب الديمقراطي الياباني في تنفيذ أغلب الإصلاحات التي اقترحها في الأمد القريب، فإن اختيار الناخبين اليابانيين للتغيير من شأنه أن يبث النشاط في شرايين الديمقراطية اليابانية. وحتى لو تحول النظام إلى شيء أشبه بالديمقراطية اليابانية في عشرينيات القرن العشرين، في ظل تنافس حزبين محافظين ـ إلى درجة أو أخرى ـ على السلطة، فإن هذا سوف يظل أفضل من دولة الحزب الواحد. وأي قدر من المعارضة أفضل من انعدام المعارضة تماماً. فالمعارضة تدفع الحكومة دوماً إلى مراقبة تصرفاتها.

فضلاً عن ذلك فإن الرفض القاطع لدولة الحزب الواحد سوف يتردد صداه إلى ما يتجاوز حدود اليابان. فهو يبين بوضوح أن الرغبة في امتلاك حق الاختيار السياسي ليست مقصورة على حفنة من البلدان الأوفر حظاً، وأغلبها في العالم الغربي. وإنه لدرس بالغ الأهمية، وخاصة في وقت حيث ساعد النجاح الاقتصادي الذي أحرزته الصين في إقناع العديد من الزعماء بأن المواطنين، وبصورة خاصة في آسيا، ولكن ليس في آسيا وحدها، يتمنون لو يعاملهم حكامهم وكأنهم أطفال.

* مؤلف كتاب "جريمة قتل في أمستردام: مقتل فان جوخ وحدود التسامح". وهو أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة لدى كلية بارد. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "عاشق الصين".

خاص بالغد بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

التعليق