قانون المساءلة الطبية: حتى نحمي المرضى من الإهمال والأخطاء "وتجارة" الطب!

تم نشره في الثلاثاء 1 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

كان خبر تقييد الدكتور محمد القواسمي وهو على سرير الشفاء بعد اتهامه بخطأ طبي أودى بحياة مريض صادماً ومؤلماً، فهو من أبرع أطباء الأسنان وأكثرهم تميزاً في العالم العربي.

وإذا كانت هذه الصورة مؤلمة، فإنني لا أستطيع أن أنسى رغم مرور سنوات طويلة والد "عهود" الذي ظل يزور الصحف الأسبوعية لسنوات حتى تتبنى قضية ابنته التي ماتت بسبب خطأ وإهمال طبي خلال الولادة حسب كلامه.

ولا يمر يوم حتى نطالع خبراً عن قصة يتهم بها الأطباء بالأخطاء والإهمال، وأمس نشرت الغد خبراً عن سيدة في الأغوار تصارع الموت في المدينة الطبية بعد عملية ولادة، ويطالب أهلها بمحاسبة المقصرين في مستشفى غور الصافي الحكومي.

مصادر وزارة الصحة كشفت النقاب عن أن 41 خطأ طبياً وقع منذ بداية العام الجاري، في حين يشير مدير الرقابة الداخلية في الوزارة إلى أن الصحة تتلقى يومياً 20 شكوى من المواطنين وسائحين قاصدين العلاج في الأردن.

وزير الصحة نايف الفايز مهتم بقضية الأخطاء الطبية التي يتزايد الحديث عنها بعد تزايد عدد المستشفيات وبعد أن أصبح الأردن مقصداً للعلاج والسياحة الطبية، ولهذا أوعز بإنشاء أول سجل يرصد الأخطاء الطبية، وهي خطوة ضرورية ولكنها غير كافية لحل المشكلة.

إنكار المشكلة لا يحلها، فالخطأ الطبي أو الخطأ في الرعاية الصحية موجود في كل دول العالم، ففي أميركا نشر تقرير صادر عن المعهد الطبي أن عدد حالات الوفاة الناجمة عن أخطاء طبية كان يمكن تفاديها يتراوح بين 44 ألفاً و98 ألفاً سنوياً في مستشفيات الولايات المتحدة، وفي الكويت تنظر المحاكم ما يقارب 35 قضية أخطاء طبية سنوياً.

قانون المساءلة الطبية لم ير النور حتى الآن، وعارضته نقابة الأطباء حين طرح لأول مرة عام 2002، لأن النقابة اعتبرته مفروضاً على الجسم الطبي ولم يؤخذ رأيها فيه.

الوضع الآن تغير، فوزارة الصحة أعدت مشروع القانون ويتوقع أن يعرض على البرلمان في دورته العادية القادمة، ونقيب الأطباء الدكتور أحمد العرموطي أكد لي أن النقابة تؤيد إقرار القانون، ولكن هناك الكثير من التفاصيل الفنية والطبية لا بد من الاتفاق عليها.

من حق المرضى أن يكون هناك قانون للمساءلة الطبية، ومن حق الدولة أن تحمي سمعة المؤسسات الطبية بالرقابة والمساءلة، ومن حق الأطباء أيضاً أن يحموا أنفسهم ومصالحهم حتى لا تصبح ممارسة الطب خطراً، وحتى لا تستشري ظاهرة التعويضات المدنية التي سادت في أميركا وأوروبا.

النقيب العرموطي يتحدث عن أهمية وجود مسطرة مهنية لقياس الأداء أو ما يطلق عليه "بروتوكول" طبي يحدد مؤشرات للأداء وعن طريقه يجري تحديد إن كان الأطباء قاموا بواجبهم، وما هو مطلوب منهم أم لا؟!

المطالبة بحصول المستشفيات الأردنية على الاعتمادية الدولية أمر ملح حتى تستطيع دول أوروبية وأميركا إرسال مرضاها للعلاج في بلدنا. ويطالب رئيس جمعية المستشفيات الخاصة فوزي الحموري بسرعة إقرار قانون المساءلة الطبية حتى لا يعزف المرضى عن التوجه للعلاج في الأردن في ظل عولمة السياحة الطبية العلاجية والتنافس على استقطاب المرضى في دول العالم.

حين تتحدث وزارة الصحة أو نقابة الأطباء عن المساءلة الطبية عليها أن تربط الأمر بقانون التأمين ضد الأخطاء الطبية، وهو ما يجعل المساءلة ممكنة خاصة في قضايا التعويض، ويشعر الطبيب بأنه أكثر أماناً.

نقيب الأطباء يعترف بضرورة التأمين ولكنه يريد أن يتم ذلك تحت مظلة النقابة، ويقول نحن نريد حزمة إجراءات وقوانين لا تنتهي بالمساءلة والتأمين بل تمتد إلى التعليم الطبي المستمر حيث يجري إعادة تقييم للأطباء على ضوء ما يتعلمونه باستمرار، وهذا صحيح وحكيم.

حماية أرواح المرضى هو ما نريده، وتطوير القطاع الطبي وخدمات الرعاية الصحية لا تتحقق من دون رقابة ومساءلة، فالأطباء بينهم من يخلص لمهنته ويقوم بواجباته بمسؤولية وأمانة، ومنهم للأسف من لا يراعي أخلاقيات المهنة وأصبح الطب تجارة لديه، وبسبب هؤلاء نريد القانون حتى نحمي الناس منهم، وحتى نضمن أن لا يموت المرضى نتيجة الإهمال أو الأخطاء "غير المقصودة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من أروع ما قرأت عن الأخطاء الطبية (خالد السلايمة)

    الثلاثاء 1 أيلول / سبتمبر 2009.
    أسعد الله صباحك أخي الكاتب,

    أنا أشكرك على هذا المقال الدقيق و المتوازن و الذي تعرض فيه المشكلة من كافة الأطراف و هذا غير مألوف في الصحافة فيما يتعلق في الأخطاء الطبية. فلقد درجت العادة عندما يتحدث كاتب عن هذا الموضوع أن يقف مع جانب المرضى المشتكين و أنا أكن للجميع كل إحترام و يتجاوز الكاتب عادة الأطباء و وجهة نظرهم.

    أما مقالك فتعرض فيه المشكلة و مطالب الناس المشروعة و كذلك تعرض رأي الوزارة و كذلك رأي الأطباء و نقابتهم. أنا أحييك على هذه الموضوعية و التي هي نادرة أحيانآ. و ما أعجبني أكثر هو تفهمك لمخاوف الأطباء من الإستغلال و أن نصبح مثل أميريكا و ضرورة وجود تأمين على الطبيب ضد الأخطاء الطبية و التي كما تفضلت تساعد الطبيب أن يشعر بأنه أكثر أمانآ.

    مرة أخرى شكرآ على الموضوعية و الدقة و التوازن.