الزراعة العربية: مستقبل محفوف بالقلق

تم نشره في الأربعاء 26 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

يختلف وضع القطاع الزراعي من بلد عربي لاخر من حيث وفرة الموارد الطبيعية (الأرض والمياه)، وتوافر باقي عناصر الإنتاج وخاصة رأس المال والعمالة سيما الماهرة منها ، ومستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي ودور منظمي الأعمال والتكنولوجيا المستخدمة. إلا أن هذا التفاوت لا ينفي عن الزراعة في مستوييها القطري والعربي سمة الزراعة النامية إن كان من جهة حجم ونوعية الموارد الطبيعية وتوافر عناصر التنمية الزراعية وطبيعة ومستوى استخداماتها أو من جهة بنية المشروعات الزراعية والإنتاجية والمنافسة النوعية والسعرية للمنتجات أو من جهة معايير الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات.

وفي ضوء العوامل المشار إليها أعلاه وعلى أساسها عوملت الدول العربية من قبل منظمة التجارة العالمية WTO كدول نامية سواء في مرحلة التفاوض معها بشأن انضمامها للمنظمة أو في مسألة تطبيق أحكام اتفاقية الزراعة عليها. وهو ما يمكن أن نؤكده لدى استعراض أهم المؤشرات الزراعية العربية. حيث تبلغ المساحة الزراعية العربية 71.5 مليون هكتار  تعادل 4.6% من المساحة الزراعية العالمية مقابل 10.8 % هي نسبة ما تمثله مساحة الدول العربية من مساحة العالم. وتمثل المساحة الزراعية العربية 5.1% من مساحة الدول العربية مقابل نسبة عالمية تبلغ 11.9 %. أما متوسط نصيب الفرد من الأراضي فيبلغ عربيا 0.23 هكتار مقابل 0.24 هكتار عالميا مما يشير إلى اختلال واضح بين عدد السكان ومساحة الأراضي الزراعية. وتمثل كثافة السكان في الريف نسبة عالية في البلاد العربية بالرغم من تراجع السكان الريفيين من إجمالي السكان ليمثل ذلك ضغطاً على الطلب على الأراضي الزراعية. إذ يبلغ نصيب الفرد في الريف من الأراضي الزراعية 0.51 هكتار مقابل 0.47 للفرد على مستوى العالم . وتقدر نسبة الأراضي الصالحة للزراعة بنحو 7% والمستغلة بنحو 5% يترك منها قرابة 22% من دون استغلال سنوياً لأسباب مختلفة.

وتبين مؤشرات المياه ندرتها النسبية مقارنة بأغلب مناطق العالم سواء من حيث نصيب وحدة المساحة أو نصيب الفرد أو انتظام المورد المائي والمتاح منه للاستغلال وكفاءة توزيعه. تقدر إجمالي المياه المتدفقة في البلاد العربية بنحو 0.9% من إجمالي المياه المتدفقة المتاحة على مستوى العالم ، 30% منها من مصادر داخلية و 70% من دول خارجية غير عربية. ومع استقرار المياه المتاحة بمقابل تزايد السكان المستمر يتجه نصيب الفرد إلى التراجع سنة بعد أخرى، حيث انخفض معدل نصيب الفرد العربي من المياه المتدفقة محلياً أي ذات المصدر الداخلي ليصل عام 2005 إلى 435م3 مقارنة بنحو 6719 م3 نصيب الفرد في العالم. أما نصيب الفرد العربي من المياه المتاحة محلياً ومن خارج الحدود فقد تراجع من 1485 م3 عام 2004 إلى 1446م3 عام 2005 تعادل 17.7% من نصيب الفرد على مستوى العالم. هذا وتعتمد 80% من الأراضي المستغلة على الأمطار، كما يستخدم 90% من الأراضي المروية أساليب الري التقليدية .

وبالنسبة لحجم القوى العاملة الزراعية العربية فيقدر عام 2005 بنحو 30 مليون عامل ما يمثل 31% من إجمالي القوى العاملة . ويقدر متوسط نصيب العامل الزراعي من المساحة المزروعة في نفس السنة بحوالي 2.39 هكتار يعادل تقريباً ضعف المتوسط العالمي المقدر بنحو 1.13 هكتار للفرد.

ويتصف الغطاء النباتي العربي بمحدوديته حيث تقدر مساحة الغابات بحوالي 928 ألف كم2 تمثل 6.6% من المساحة الكلية و 2.4% من مساحة الغابات في العالم. والمراعي الطبيعية 462 مليون هكتار تعادل 33% من المساحة الكلية و 13.5% من المراعي الطبيعية في العالم . وقد بلغت مساحة المحميات في العام 2004 حوالي 1237 ألف كم2 تمثل 8.8%من المساحة الكلية . لكن ظاهرة الزحف الصحراوي باتت محدداً أساسيا في توفير الأراضي الزراعية حيث تصحرت 68% من الأراضي بينما يهدد التصحر نحو 20% أخرى منها (المنظمة العربية، التقرير السنوي للتنمية 2007) بينما قدرت المحميات البحرية عام 2004 بنحو 132 ألف كم2 تمثل فقط 0.9%  من المساحة العربية و3% من مساحة المحميات البحرية العالمية.

وتشير مؤشرات استخدام الميكنة والأسمدة الكيماوية على المستوى العربي في العام 2005 إلى 40% من معدل الاستخدام العالمي للجرارات بمعدل 7.2 جرار لكل 1000 هكتار و55% من معدل الاستخدام العالمي للأسمدة الكيماوية بمعدل 50 كغم لكل هكتار.

ونظراً لتذبذب الإنتاج الزراعي في الزراعة العربية التي تعتمد 80% منها على الأمطار، تتذبذب الأرقام القياسية لهذا الإنتاج وقيمة الناتج الزراعي العربي الإجمالي من سنة لأخرى ومن فترة لأخرى كذلك . فعلى الصعيد السنوي ارتفعت قيمة الناتج الزراعي العربي من 77.7 بليون دولار عام 2004 إلى 72 بليون عام 2005 زيادة 8% مقابل زيادة 21.2% في الناتج الإجمالي العربي مما خفض الأهمية النسبية للناتج الزراعي من الناتج الإجمالي من 7.6% إلى 6.8% ، وقد زاد ارتفاع قيمة الناتج الزراعي عام 2005 نصيب الفرد العربي من الزراعة بنحو 5.5% عما كان عليه عام 2004 من 215 دولارا عام 2004 إلى 227 دولارا عام 2005، إلا أنها بقيت اقل من الزيادة في نصيب الفرد على مستوى العالم التي وصلت إلى 7.8% (من 255 دولارا في 2004 إلى 274 دولارا في 2005).

وعلى الرغم من ارتفاع الرقم القياسي لقيمة الإنتاج الزراعي العربي عام 2005 إلى 112.3 مقارنة بمتوسط قيمته لفترة الأساس (1999-2001) ، إلا انه من ناحية ثانية ظل اقل من مثيله العالمي الذي بلغ 120.4، ومن ناحية ثالثة لا يعطي دلالة حقيقية على مستوى الاتجاه العام، حيث تشير دراسات المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى تراجع معدل نمو الناتج المحلي الزراعي السنوي مقارنة بين الفترتين (1985-1994) و (1995-2004) من + 5.5% في الفترة الأولى إلى ـ 0.5%  في الفترة الثانية . وانخفاض مساهمة الزراعة في الناتج الإجمالي العربي من 13.1% في الفترة الأولى  إلى 10.7% في الفترة الثانية. وانخفاض نصيب الفرد من الناتج الزراعي من 246 دولار للفترة الأولى إلى 227 دولار في الفترة الثانية .

ومن المؤشرات المقلقة زيادة المعدل السنوي للعجز في الميزان التجاري الزراعي العربي من 15.9 بليون في الفترة (1985-1994) إلى 20.6 بليون في الفترة(1995-2004). كما ارتفع معدل قيمة الفجوة الغذائية في الفترة (1995-2004) إلى 18بليون دولار. وظلت الدول العربية في ضوء ذلك تصنف من بين الدول صافية الاستيراد للغذاء مستمرة في عجزها عن تقليص الفجوة بين معدل نمو إنتاج الغذاء ومعدل نمو السكان.

لقد استمرت جهود التنمية الزراعية العربية غير قادرة على النهوض بالزراعة العربية والانتقال بها إلى مستوى الحاجة والطموح. وتمايزت تلك الجهود حتى الآن إلى مرحلتين دامت الأولى حتى مطلع تسعينات القرن الماضي كانت للتنمية الزراعية العربية فيها سياستها التي ما لبثت أن تغيرت بعد ذلك لتنحو منحى آخر مختلفاً لتبدأ معها المرحلة الثانية، لكن النتائج المتحصلة في الفترتين لم تصل إلى مستوى الأهداف المحددة للتنمية الزراعية العربية قطرياً وقومياً. وظل التقدم النسبي البطيء هو الغالب على مسيرة التنمية الزراعية رغم الآمال التي عقدت على انقلاب السياسات الزراعية العربية في المرحلة الثانية مطلع تسعينات القرن الماضي باتجاه برامج الإصلاح الاقتصادي وما رافقها من مستجدات على النظام التجاري العربي والإقليمي والدولي بإنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وإقامة الشراكة الأوروبية المتوسطية وتوالي انضمام الدول العربية لمنظمة التجارة العالمية.

ومثل سابقاتها لم تأت بالنتائج المرجوة حزمة السياسات الجديدة القائمة على تحرير الأسواق والتجارة الخارجية، كما لم ينتج عن تقليص تدخل الحكومات اثر معنوي في تحسين تخصيص الموارد وتنويع الإنتاج ورفع الكفاءة التشغيلية والتسويقية وزيادة الإنتاجية، فيما يبدو أن الإرادات السياسية والأجهزة الرسمية القائمة على تطبيقها ما تزال دون مستوى التحدي الذي تفرضه محددات التنمية الزراعية العربية.

التعليق