كي يظل الخير جاريا كنهر

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

بمقدار ما تنطوي عليه من تنافر وتفارق، فإن ثمة خيطا رفيعا يمكن أن يلظم متوالية الأقوال والأحاديث التالية:"عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج إلى الناس شاهرا سيفه"، و"الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"، و"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".

فكيف يتحقق التواؤم والتناسق مع هكذا أقوال تجنح مرة إلى الغضب ومرتين إلى النجوى والتفاؤل والترغيب بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟

يتبدى الأمر بالنسبة لي عبر إنتاج مركبات اجتماعية تصهر التناقضات الظاهرة في الأقوال الآنفة في بوتقة خلاقة وكريمة هدفها إغاثة الفقراء وإشاعة قيم التسامح في المجتمع، والتعويل على طاقة العطاء والتضحية والتآخي فيما بين الأفراد على اختلاف طبقاتهم ومناشئهم.

ومن شأن صيرورة هذا الأمر فعلا ناجزا على أرض الواقع، أن يحفز روافع الخير في النفوس والأعمال، ليس من أجل أن تغطي مكرمات القادرين حاجات غير المقتدرين من الفقراء والمعوزين خلال شهر رمضان وحسب، بل من أجل التفكير في إنتاج شبكات حكومية وأهلية تردم حفريات الفقر وبؤره المعتمة في شتى أنحاء المملكة.

ويحتاج هذا الحلم، كي يتبلور، إلى إعادة الاعتبار للهيئات الخيرية التطوعية والمؤسسات الاجتماعية في الأندية ومراكز الشباب والمنتديات على اختلاف عملها وأنماط حراكها وأنشطتها.

كما يحتاج الأمر حملة شعبية ورسمية واسعة من أجل تمكين الفقراء والمحتاجين الذين أضحوا يمثلون نسبة متزايدة في المجتمع، كيلا تتحول الاحتقانات الاقتصادية إلى منصات لإطلاق التطرف الديني والسياسي والاجتماعي، وكيلا تتآكل قاعدة التوافقات في المجتمع، لأن تآكلها ينذر بتهديد النسيج الاجتماعي والسياسي على حد سواء، فالذين عدّوا الجوع كافرا لم يجانبوا الحقيقة، بل إنه أشد أنواع الكفر بأسا وقتامة.

ولن ينسينا التعميم أن نتذكر المآثر الهاشمية التي أسندت، وما انفكت، أرواح الفقراء، وبنت لهم البيوت والمدارس والمستوصفات، فراحوا بمشيئة الله يطعمونهم من جوع، ويأمنونهم من خوف. وأعلم أن مؤسسة الديوان الملكي تنجز كل يوم، بإيعاز مباشر من جلالة الملك، أعمالا خيرية جبارة، بصمت وزهد، وبلا منة على أحد.

فمن وحي هذا الإرث الحضاري للهاشميين يتعين أن تكون المؤسسات الأخرى، وبخاصة مؤسسات المجتمع المدني التي يتعين أن تجعل ضمن برامجها أولوية الانخراط في رأب الصدع الاقتصادي لدى شريحة لا يستهان بها من الأردنيين، من أجل التباهي بمجتمع التعاضد والتضافر والتسامح.

وفي الشق الفردي من مشروع الحلم بترسيخ بناء اجتماعي متماسك الامتثال إلى قوله تعالى "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم". وهذا الحق يتبدى عبر الزكاة، لكنه يمكن أن يكون حقا دائما ما دام هناك فقراء يقابلهم أغنياء لن تنقص أموالهم من صدقة، كي يظل حبل التآخي بين مكونات المجتمع موصولا ومتينا.

الوفاق الاجتماعي الذي يكون ثمرة حزمة اقتصادية من المبادرات الفردية والمؤسسية يشكل ضمانة لرأس المال وحماية له وتنمية لآفاقه، ولعل في نعت رأس المال بـ"الوطني" ما يجعله مسيجا بتوافق شعبي يزيد من نموه ونظافة تعاملاته، ويحظى بمباركة اجتماعية واسعة.

الأيادي البيضاء تشرق في شهر الخير المبارك، ونود لشموسها أن تظل ساطعة على مدار العام، كيلا يخرج فقير على الإجماع الوطني والشعبي، وكيلا ينام امرؤ مكلوم القلب من شدة الحاجة، وكيلا يحزّ سيف الكبرياء نفوس الناس الذين يتقلبون على جمر الفاقة.

نرنو إلى شموس توسع فسحات الأمل، كي يظل الخير جاريا كنهر لا ينقطع في بلد المحبة والتكافل.

m.barhouma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخير المتأصل (محمد الرواشده)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    لا يساورنا ادنى شك بان خيرية هذه الامة دائمة و حاضرة الى يوم الدين كما قال رسولنا الكريم عليه السلام و عليه ينبغي التاكيد على ان مجتمعنا تتاصل فيه المودة و التكافل .
    قد يبدي البعض في تصرفاته ما يوحي اننا نعبش كالاغراب عن بعضنا مثل هؤلاء لا بد من مراجعتهم و نصحهم فالدين النصيحة كي نكون كالجسد الواحد كماحضنا رسولنا الكريم
  • »أوافقك يا (محب-الأردن) (سهاد غزال)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    أوافقك على تعليقك يا محب، فعلا أن الأستاذ موسى في أهميته بمصاف الأساتذة أحمد سلامة وسلطان حطاب ورمضان رواشدة وآخرين حاليا لا أذكرهم للأسف. إنه درب الكبار
  • »ما اجمعت امتي على باطل (ناص عبيدات)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    اشكر الاستاذ موسى برهومه على التنويه بالقيم النبيله الراشده التي تسود المجتمعات الاسلاميه ولاسيما شعبنا فوق هذه البقعه من الارض وذا هو النهج القومي والتربوى الاصيل المستقى من ديننا الحنيف

    شعبنا كما استشعر يواجه لاول مره بلاء الفقر بسبب ضيق الموارد وهنا يجب ان تبرز خصاله في العصمه والصبر على البلاء ويجب ان يتاقلم على وضعه الجديدفهذا امتحان الهي اذ ان الشعب في الاردن اعتاد دائما على بحبوحه غير مترفه خلال العقود الخوالي ويشد حزامه فقد يكون القادم اعظم

    في امريكا تثور الطبيعه وهي من اسرار الله على الظلم الامريكي للعراقوازهاق ارواح 2 مليون برىء
    كما اتنقدمت العنايه الالهيه بكارثه اقتصاديه اتت على العالم باسره لان امريكا لم تفهم الاشاره الاولي وفتش عن اليمين المتصهين واسرائيل وبعدين ( الحق البوم يدلك عالخراب )

    هناك من يقول الفقر مسكين لايتسلط على احد ولكن هناك المغامرين والمراهنين والافاقين والذين يتسلطون عليه. كثيرا من اهلنا كانوا يقيمون في بيوت قديمه ان لم تكن بيوت من شعر الماعز وهاهم يشيدون قصورا في عمان الغربيه لماذا هل استعادوا كرامتهم وهل خرروا القدس وهل انتفضوا للعراق ثم هم يشكون الفقر من امس العصر اليس هذا ملامح انتقام الهي ما او اشاره غيبيه؟؟ فهل نسير على هدي ارحم ترحم ان نتحول للمثل القائل الناس في الفقر اوغاد !!
    لعلها من تباشير الكاتب ان ينتهي
    للمقوله الكريمه للردع والوعد( كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر !!
  • »دعوة الى المزيد من التكافل والتضامن (د. ناجى الوقاد)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    اشكر الاستاذ موسى برهومه على مقاله(كى يظل الخير جاريا كالنهر)وهو الذى غالبا ما يتطرق الى المشاكل التى تهم الطبقه الفقيره فى هذا الوطن الطيب
    لعل هذا الشهر الكريم لما له من فضائل كثيرة يكون عونا لنا على اداء حقوق اجتماعية كثيره نسينا او تغافلنا عن القيام بها خلال اشهر السنه بحجة كثرة المشاغل والاعمال الدنيويه التى لا تنتهى ومن اهم صور التكافل الاجتماعى التى لابد ان تحظى بالاهتمام والعناية منذ بداية الشهر الكريم على ان لاتنقطع طوال السنه متمثلة فى زيادة بر الوالدين والاحسان الى الاهل والاولاد وذلك بالتوجيه الصحيح والراشد والكلمه الطيبه وصلة الرحم والاقارب والتصدق على المحتاج منهم الى مساعدة الفقراء والمساكين والارامل والايتام والنظر فى حاجاتهم.
    لقد افتقدنا الى الكثير من الروابط الاجتماعيه فى هذا العصر الذى طغت فيه الماديات والتفنيات على معظم نواحى الحياة مما ادى الى انحلال هذه الروابط نتيجة لممارساتنا لبعض السلوكيات الحديثه وتاثرنا بها مع ابتعادنا فى نفس الوقت عن السلوكيات القديمه الاصيله التى كنا نتحلى بها وكانت تسودها العفويه والنقاء وصفاء الروح والتى يجب العمل الجاد على العودة اليها لزيادة الترابط الاجتماعى بين افراد المجتمع على جميع المستويات للوصول الى مجتمع متضامن متكافل بمعنى الكلمه واخص بالذكر الموسرين الذين يجب عليهم ان يحذو حذو القياده الهاشميه الرشيده لايصال المساعدات الى مستحقيها عن طريق مؤسسات المجتمع المدنى على مدار العام وليس خلال الشهر الفضيل فقط
  • »الزكاة ثم الزكاة (رشاد الصاحب)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    صدقت كما جاء في الحديث الخير فيي وفي امتي الى يوم القيامه فهذا حديث صحيح ولكن رب العزة يقول (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلي عليهم ان صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)صدق الله العظيم فلو ان كل انسان في المجتمع المسلم المتكافل اخرج زكاة امواله لما راينا فقيرا واحدا قط ولما اظطررنا ال موائد الرحمن التي نراها الان تنتشر في كل المدن الاردنيه بلا اسثناء قال تعالى(وفي اموالهم حق للسائل والمحروم) صدق الله العظيم نسال الله العلي القدير ان يبقى مجتمعنا مجتمعا متكافلا متراحما
  • »سلم فاك (jumana)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    سلم الله فاك و جعل وقع كلماتك راسخا في العقول. ما أحوجنا الى التعاضد الاجتماعي ليس في رمضان فقط بل طوال العام و ما أوردته بمقالتك قادر على ضمان التوازن في المجتمع و نشر قيم التسامح و المحبة. ان ما نسمعه مؤخرا عن حالات القتل و الانتحار لهو أكبر دليل على بدء انحلال المجتمع و لا بد من تدارك تبعيات ما يحدث و البدء بدراسة اسباب المشكلة الحقيقية قبل ان تتحول الى ظاهرة توصم مجتمعنا. لك مني كل التقدير و أدعو ان يكون هناك مستجيبين و أختم "ان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" بوركتم
  • »احسن القصص (محب)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    ذكرني النص بنصوص جميلة للكاتب المبدع احمد سلامة، شكرا لك استاذ موسى على هذا المقال وهذه الروح المؤمنة القانطة المتبهلة التي توالي القيادة فتحسن الولاء على درب الكبار
  • »لا وجود لثقافة التكافل عندنا في الوقت الحاضر (خالد السلايمة)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    أخي موسى,

    أسعد الله صباحك و كل عام و أنت بخير,

    حقيقة إنه من المؤلم أن يدعوننا ديننا الحنيف إلى التكافل و لا نجده في بلداننا بالقدر الذي نريده و نرضاه. لقد عشت في أميريكا 7 سنولت و رأيت التكافل عندهم إلى أقصى الدرجات و كنت أتحسر و أتالم على وضعنا. هل الأمريكان و الغرب أحسن منا لشعوبهم؟! كيف و لماذا؟ لأننا اليوم نريد المال للمنظرة و التعالي على الأقل حظآ بينمايرى الغرب المال أنه لتيسير حياة و جعلها أسهل.

    الجمعيات الخيرية الأميريكية منتشرة في كل المناطق الفقيرة لإطعام الفقراء و التبرعات السخية تنزل على الفقراء كالمطر و التبرعات السخية للمستشفيات و المصحات و لمراكز أبحاث الأمراض لا تعد و لا تحصى.

    أضم صوتي إلى صوتك و أطالب المجتمع بالتكافل فيما بيننا و أن تنتشر التبرعات و الصدقات و الزكاة لأنها صمام الأمان ضد الإنفجار الذي قد يحدث و الذي يحذر منه الجميع. و السلام عليكم.