محمد أبو رمان

في إعادة بناء التوازنات الداخلية

تم نشره في الأحد 23 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

لم يعد الرأي العام يعوّل كثيراً على الانشغال الموسمي للنخب السياسية والإعلامية بجدل رحيل الحكومة وتعديلها أو حتى بقائها.

فمن الواضح أنّ الأسس التي تقوم عليها المعادلة السياسية الحالية قد أصابها التكلس والجمود، ولم تعد قادرة على هضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة التحديات الداخلية المُلِحّة.

 فقط خلال الأشهر الماضية، يمكن التقاط حجم المتغيرات المجتمعية، كالاحتجاجات العُمّالية التي كسرت حاجز الخوف من الأمن، إلى الاعتصامات الخدماتية، إلى بروز أزمة “الهويات الفرعية”، وظهور حركات مطالبية، كحركة ذبحتونا و”الخبز والديمقراطية”، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة العنف الاجتماعي، بصورة جمعية وفردية كذلك.

هذه المؤشرات والظواهر لم تنشأ من فراغ، فقد جاءت في سياق تحول مفهوم الدولة وانحسار دورها وتلاشي “العلاقة الزبونية” بينها وبين المواطن، تلك التي حكمت المعادلة السياسية خلال العقود السابقة، ما أصاب معادلة المصالح السياسية والاقتصادية السابقة في الصميم.

اليوم، المجتمع الأردني بمثابة الطرف الأضعف في المعادلة، في سياق حرص الحكومات المتعاقبة على جذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء منظومة تشريعية لخدمة بيئة الأعمال، والقفز درجات كبيرة في مرتبة تسهيل الأعمال والمسارعة في التخلص من عبء ميزان المدفوعات والنفقات الجارية..الخ.

هذه السياسات خلقت فرص عمل جديدة ومنحت زخماً للقطاع الخاص ومساحة أوسع من النشاط، استقطبت قطاعات حيوية، وساهمت في الحدّ من الاعتماد على الدولة، لكنها في الوقت نفسه أدت إلى تشوهات اقتصادية واجتماعية، دفعت ثمنها ابتداءً الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة والكادحة، فضلاً أنّها فتحت باباً واسعاً للفساد الإداري والمالي، بسبب ضعف الحصانة السياسية والرقابية وجمود الأدوات السياسية وعجزها عن رأب الفجوة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

المجتمع يدفع ثمناً باهظاً لتسارع التحولات الاقتصادية مقابل تراجع الحياة السياسية، بالتوازي مع غياب الدور الفاعل لمؤسسات المجتمع المدني، بخاصة الطبقة الوسطى في القطاع العام التي تعرّضت لهزات عنيفة، أضعفت من حضورها السياسي ومن وظيفتها كـ”صمام آمان” يقي المجتمع من الأعراض الجانبية الكبرى المصاحبة للتحولات الاقتصادية.

لعلّ الاستجابة الضعيفة مع “حملة مقاطعة اللحوم الحمراء” بمثابة دليل واضح على عدم وصول المجتمع إلى المرحلة التي يدافع فيها عن مصالحه وحقوقه، وما يزال يفتقر إلى الوعي المطلوب بهذه التحولات البنيوية، ما يحفِّز القوى المجتمعية الجديدة والصاعدة إلى تنظيم نفسها وحمل مهمة الدفاع عن مصالح الشرائح المطلومة والمضطهدة، وتعديل مزاج التشريعات والقوانين والسياسات التي تميل إلى الجانب الآخر.

 ذلك، يدفع إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، وفق الصورة الجديدة، التي لم تعد فيها الدولة أباً راعياً، بل طرفاً محايداً في أحيان، وغير نزيه في أخرى في لعبة تحديد وتعريف المصالح الاقتصادية.

فثمة ضرورة اليوم لأن يتحرّك العمال للدفاع عن مصالحهم من خلال إعادة تشكيل نقابتهم أو البحث عن أشكال جديدة، تحديداً عمال المياومة في الحكومة والقطاع الخاص، وفي قطاع النقل العام، وعلى المعلمين تكثيف الجهود لإنشاء نقابة، والطلاب من أجل اتحادات منتخبة، بالإضافة إلى الحركات المدنية المطالبية، وفي صلب ذلك تقوية جمعية حماية المستهلك وتوسيع نطاق إمكانياتها وأدواتها.

 في الأثناء، على الدولة أن تساعد على نمو مجتمع مدني حقيقي يملأ مساحات واسعة في المجال العام، لم تعد الدولة تقوم بها اليوم. قدرة المجتمع على تنظيم نفسه والدفاع عن مصالحه تقع في صميم الأمن الوطني، والمصلحة العليا من الدولة، لأنّ ذلك وحده كفيل بإعادة التوازن للمعادلة الداخلية، ما يحول دون وجود ثغرات كبيرة ترفع وتيرة التحديات والتهديدات الداخلية وتهدد السلامة الوطنية العامة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نمو المجتمع المدنى مسؤوليه جماعيه (د. ناجى الوقاد)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    اتفق مع الاستاذ محمد ابو رمان على ما جاء فى مقاله بشكل عام كما واعجبتنى الحكايه التى اوردتها خوله مناصره فى تعقيبها على المقال لما لها من دلالات واسقاطات مباشره كما واود ان اقول بان تنمية منظمات المجتمع المدنى هى مسؤوليه جماعيه تقع على عاتق جميع مكونات المجتمع بلا استثناء لتحقيق العداله الاجتماعيه والنمو
  • »نمو مجتمع مدني واعي (خوله مناصرة)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    تحية لقلمك المميز استاذ محمد، أثناء قراءة مقالتك، خطرت ببالي هذه الحكاية الطريفة. وهي حكاية تتحدث عن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، موضوع مقالتك.
    في القرن السادس عشر نشب نزاع طويل بين السويد والدانمرك، مما عطل المصالح الاقتصادية والتجارية لمواطني البلدين (الاقتصاد في تلك الحقبة كان قائما على الانتاج الزراعي)، فما كان من مزارعي البلدين الا أن أقاموا نقاط تبادل تجاري، وأرسوا قواعد السلام بينهم، متجاوزين الصراع السياسي القائم، وبدأوا بتبادل المواد الغذائية والبضائع المختلفة،يقايضون (اللحوم والزبدة، بالسمك والبهارات) وتناقل شعبا البلدين مقولة طريفة: (أرسى الثور السلام) لأن الثور الذي كان يستخدم في حارثة الأرض من عناصر قوى الإنتاج الهامة في ذلك الزمن للمزارعين.
  • »تحليل واقعي و جميل (خالد السلايمة)

    الأحد 23 آب / أغسطس 2009.
    أسعد الله صباحك أخي محمد و كل عام و أنت بخير,

    حقبقة مقالك جميل و يحمل في طياته الكثير من العمق في فهم الواقع السياسي الأردني في الوقت الحالي. و أكثر ما يقلقني هو تفشي العنف المجتمعي بشكل كبير. أعتقد أن الأحوال الإقتصادية هو إنعكاس للحال العالمي السائد و لكن العنف و الذي لا أعتقد للأحوال المعيشية علاقة بذلك و إنما للعنف علاقة بثقافة مجتمع لا يعرف إلا أن يأخذ حقه بيده و هنا تكمن الكارثة! تخيل حادثتين بين عشيرتين خلال أسبوع! و يحدث خلالها قتال كأنك في الصومال. و الله إنه محزن و يدمي القلب. وين المدارس و الجامعات التي صار لها عشرات السنين من هكذا حوادث!؟ ألم تستطع هذه المؤسسات و على مدى السنوات الطويلة نشر الوعي المجتمعي ضد العنف أينما كان؟! كيف وصلنا إلى هذا المستوى من العنف؟ّ الله وحده أعلم.