محمد أبو رمان

فتوى فقهية من "الوزن السياسي" الثقيل

تم نشره في الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 

تتجاوز الفتوى التي أصدرها مجلس الافتاء مؤخراً في عدم مشروعية بعض بنود اتفاقية سيداو (التي رفعت الحكومة تحفظاتها عنها) المعنى الفقهي المحض إلى الدلالات السياسية والثقافية العامة.

قبل ذلك كانت دائرة قاضي القضاة قد رفعت إلى الحكومة مذكرة تتضمن التأكيد على تناقض بعض الأحكام مع الشريعة.

قد تكون، في حدود ما أعرف، هذه المرة الأولى التي تصدر فيها عن المؤسسة الدينية الرسمية مواقف معلنة وواضحة في رفض سياسة رسمية أو قرار حكومي معين، فغالباً ما كانت الاختلافات تتم سابقاً من وراء الكواليس، وفي مخاض ما قبل صدور القرار، لكن ليس في العلن ولا في الوجه مباشرة مع المؤسسات السياسية.

المؤسسة الدينية الرسمية عندما أصدرت فتواها كانت على علم ليس فقط بالقرار الحكومي (فجاءت الفتوى ضد القرار)، بل بالجهات التي تقف وراءه والضغوط الدولية لتمريره، وتعمل وفق أجندة اجتماعية وثقافية معينة. هذا يعني أنّ الفتوى، بحد ذاتها، هي رسالة سياسية استثنائية ترفض تجاوز هذه المؤسسة والقفز عنها في صوغ السياسات الرسمية.

بعيداً عن موقفي الشخصي من بنود اتفاقية سيداو، فإنّ هذه الفتوى تؤكد  أنّ استيراد الوصفات الجاهزة دوماً وإسقاطها على البلاد أو تجاهل المؤسسات والثقافات السائدة ومحاولة القفز عنها بجرة قلم، بمثابة مسار خاطئ تماماً، إذ إنّ مثل هذه القرارات والسياسات يجدر أن تنبع من اعتبارات داخلية، وتكون محصلة حوار فقهي وفكري معمق بين المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، لا أن تأتي جاهزة أو بضغوط خلفية.

الاتجاه العام في المؤسسة الدينية الرسمية يتسم بالمحافظة، مقارنة حتى ببعض الاتجاهات داخل الحركة الإسلامية. لكن من قال إنّ المطلوب مؤسسة دينية طيعة لينة توظف دوماً لخدمة التوجهات السياسية الرسمية، إذ إن ما أضعف المؤسسة الدينية سابقاً وهزّ من مصداقيتها عدم شعور الناس بوجود مسافة فاصلة معتبرة بينها وبين السلطة.

على النقيض من ذلك، فإنّ المطلوب مؤسسة دينية مستقلة تملك مصداقيتها وحضورها واحترامها في الشارع.

مشكلة السياسات الرسمية أنّها تجاهلت أهمية المؤسسة الدينية، خلال العقود السابقة، بل همّشتها، وجعلتها تابعاً ضعيفاً، فوصلت إلى حالة من الفقر المالي والعجز والضعف، ما جعلها في تصور الشارع نفسه مؤسسات هشة، غير قادرة على الاستقلال عن القرار السياسي، وتقديم الموقف الشرعي والفقهي المستقل، فذهب الناس يبحثون عن الفتوى والزاد الفقهي والنشاط الإسلامي خارجها.

فضلاً عن ذلك، بقيت المؤسسة الدينية، إلى مرحلة قريبة، عاجزة حتى عن تلبية مصالح موظيفها وتطويرها، ليكونوا على درجة من الاحترام والرقي المجتمعي، ما يتناسب مع سلطة "الموعظة الحسنة" والفتوى الفقهية التي يمتلكونها، والتي تزداد أهميتها وحضورها مع التزايد المستمر والتوسع الكبير في مظاهر التدين ومفاهيمه في الأوساط الاجتماعية العامة.

اليوم، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إنهاء حالة الفوضى في "الحقل الديني"، ما يدفع إلى ردّ الاعتبار للمؤسسة الدينية الرسمية وهيكلة أوضاعها وتحسين شروط عملها لتكون قادرة على النهوض وملء المساحة المطلوبة في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفقهي.

ذلك أمامه استحقاق كبير وهو المساهمة في "صناعة" رموز في الوعظ والفقه والدعوة، لهم مكانة واحترام واستقلالية، ويمتلكون روحاً تجديدية خلاّقة، وثّابة إلى الاجتهاد والتطوير ويمتلكون إلماماً بالمعارف وشروط العصر.

وذلك، أيضاً، يقتضي تشكيل مجلس من خبراء ومثقفين وعلماء لوضع استراتيجيات للسياسات الدينية والربط بين المدخلات (كليات الشريعة، مناهج المدارس، الثقافة الإسلامية) وبين المخرجات (وزارة الأوقاف، القضاء الشرعي، الإفتاء، الحصص الإسلامية في الإعلام).

الفتوى الجديدة قد تكون مفترق طرق نحو الاستقلالية وهي عنوان رئيس وشرط أساس في ردم الفجوة بين الخطاب الديني الرسمي وبين الضرورات الاجتماعية والسياسية المتجددة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الله يهدي المشايخ (قيس)

    الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009.
    وين مجلس الافتاء وسماحة المفتي المحترم من جرائم القرف؟ اليوم بنت مقتوله بلا ذنب وكل شهر في حالتين قتل على الأقل. الفتوى علي بتحكي عنها يا أخ محمد وزنها خفيف كثير. فالمفتي بردد اللي بتقوله العادات القديمة البالية مش اللي بقوله الشرع. الفتوى من الوزن الثقيل هي اللي بتعلم الناس وبتوعيهم انه دينهم دين عدل وتسامح وحرية مش دين تخلف وقتل وقرف.
  • »قاضي القضاة (amer)

    الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009.
    كل الشكر و التقديرقبل مجلس الافتاء لدائرة قاضي القضاة التي رفعت توصياتها الى الحكومة بمخالفة بعض بنود الاتفاقية للشريعةولمتداهن او تهادن
  • »هذا هو الرجل الصالح (عمر قعدان)

    الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009.
    لم نكن لنسمع بهذه الفتوى لو كان من يجلس على رأس مؤسسة الفتوى غير نوح القضاة هذا العالم الفاضل الذي لم يرضى أن يبيع دينه بدنياه
  • »الكسب المادي والقدره القتاليه لدى الرجل (احمد الجعافرة)

    الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009.
    وما تفوق به الرجل قدم على المرأة فيه مثل القدرة على الكسب، ولذا كانت نفقة الاسرة واجبة عليه، والقدرة على القتال، ولذا كان الدفاع عن الوطن بالسلاح واجبا عليه اذا دعت الحاجة.
    بهذا الكلمات فرق مجلس الافتاء بين الرجل والمرأه وبالتالي كان سببا للاعتراض على اتفاقية سيداوا
    ولو نظرنا الى المبرر الاول الذي يدعي تفوق الرجل على المرأه بالقدره على الكسب سنجد ان هذا الكلام ليس دقيقا في هذه الايام حيث دخلت المرأه معظم المجالات التي كانت حكرا على الرجل في الايام الخوالي وبالتأكيد ان المرأه تحصل من جراء ذالك على كسب مادي فاين تذهب بهذا الكسب المادي اذا لم يكن لاولادها نصيب الاسد منه مثلها في ذالك مثل الرجل الذي يكسب من اجل الصرف على اولاده الذين هم اولاد المرأه كذالك ولو نظرنا الى واقعنا المعاش هذه الايام لتأكد لنا بكل وضوح ان للمرأه دور اساس في ذالك فكيف يدعي المجلس ان الرجل هو القادر على الكسب فقط كمبرر لجعله مميزا عليها
    اما بالنسبه للسبب الثاني الذي تطرق له المجلس كماهو واضح من الاقتباس السابق فهو ان الرجل قادر على القتال وكأنه لا زلنا في عصر الحروب التقليديه التي تفترض قتالا بالايدي او بالسيف متجاهلين هذا التطور الهائل في الاسلحه التي لم يعد استخدامها يقتصر على الرجل القادر بل يستخدم من قبل المرأه الذكيه فعصر القدره العضليه على القتال انتهى بغير رجعه وحل مكانه الاعتماد على العقل والذكاء في القتال وهذه الصفه لاتقتصر على الرجل فقط بل ان الذكاء اعطي للجميع دون تميز بين الرجل والمرأه
  • »استقلال المؤسسات الدينية الرسمية واجب شرعي ومصلحة وطنية (الدكتور عبدالرحمن الكيلاني)

    الأربعاء 12 آب / أغسطس 2009.
    أشكركم على هذا المقال المتميز ،واضم صوتي إلى صوتكم في ضرورة صون المؤسسات الدينية الرسمية عن الإملاءات والاعتبارات السياسية ،فالوطن بحاجة إلى مؤسسات دينية قوية تتمثل رسالة الإسلام في الدعوة إلى الخير وإظهار وسطية الإسلام وعدله ورحمته ، وقادرة في الوقت نفسه على مواجهة تيار التطرف والغلو والتكفير ،وهذا لا يتأتى إلا باستقلال المؤسسة الدينية حتى يكون لها مصداقيتها وقبولهاعند الجميع .وأرى أن من واجب هذه المؤسسات أن تستفيد من الخبرات الأكاديمية والعلمية التي تزخر بها كليات الشريعةفي الأردن ، فكثير من أساتذة الجامعات يمكلكون خبرات علمية متميزة وتستعين بهم مؤسسات دولية للإفادة من خبراتهم ، بينما لا تتواصل معهم المؤسسات الدينية بالمستوى المطلوب .