وسط البلد.. من دون "البخارية"

تم نشره في الاثنين 10 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

في كل الدنيا وسط البلد هو المركز التجاري وبؤرة الحراك الاقتصادي والحركة التي لا تتوقف.. هو هكذا في القاهرة وبيروت التي جددت "وسط بلدها" مرات عدة قبل ان تسميه سوليدير بيروت.. وهو ايضاً هكذا في لندن وباريس، وحتى في منهاتن التي هي وسط البلد لدنيا بحالها.

إلا عندنا.. وسط البلد بالنسبة لأجيال كاملة من ابناء هذا البلد هو مركز الذاكرة، والرائحة التي تنبعث من زقاق قاع المدينة.. لتعيدنا ببساطة إلى ايام كانت الحياة فيها احلى.. او ربما "أروق".

وسط البلد بالنسبة لجيلنا، وربما لمن سبقنا من خبراء وسط البلد.. اكثر من مكان واعمق من مركز تجاري يمتد من شارع الملك طلال وحتى طلعة الحايك، مروراً بشارع بسمان وزقاق شارع السعادة والرضا (لاحظوا الأسماء).. هو روح المكان والدفء الذي لا يفارق اهل المكان وزواره.

ثمة طعم للأشياء يرتد إلى ذائقتك مهما امتدت السنون، ومهما تغيرت الدنيا.. ثمة أشياء لا تتغير.. أتذكرون رائحة الفلافل التي كانت تنبعث من "دخلة" فؤاد فنشمّها عند أدراج سينما عمّان.. أتذكرون ايام الكنافة "على الواقف" عند مدخل حسن ابو علي ومؤسسته الثقافية العريقة "الكشك".. رائحة السحلب عند اول طلوع الخيام .. وأمسيات هاشم حتى الصباح.. ثم مقهى السنترال ملاذنا بعد الهروب من ساعات المدرسة الطويلة؟!.. ألا تشتاقون لرائحة الفستق السوداني عند مدخل سوق الصاغة.. ولطعم الساندويش الذي كنا نلتهمه في عتمة سينما رغدان اثناء انشغالنا بمشاهدة احد افلام احسان عبدالقدوس ونبيلة عبيد؟

ببساطة وسط البلد هو عمّان.. هو نحن؛ بكل ما اجتمعنا عليه من محبة وآُلفة.. هو الوسط الذي نرنو إليه، لانه خير الأمور.. وهو الوسط الذي جمعنا فكراً وانتماءً واختلافاً لا يفسد في الاخوّة قضية.. الوسط الذي سهرنا على ابقائه فينا.. في ليالي الشتاء العمّاني "الوسطي المعتدل" في نادي البولينج وعلى مقهى الجامعة وعند "زقة" فندق الملك غازي الذي هو مركز آخر من مراكز الذاكرة لوسط البلد.

أتذكرون! أقصد أتودون أن تتذكروا.. أياماً كنا نتقاسم فيها كل شيء.. مصاريف السينما.. وثمن اشرطة راغب علامة في بداياته.. ووقية الكنافة عند الدخلة.. و"حق" الكتاب او الرواية التي كان ابو علي يهاودنا بثمنها.. كنا نتقاسم كل شيء.. إلا حبنا للبلد ووسطه؟!

ما الذي حصل.. أين ذاكرتنا.. ام ان على كل الاشياء الجميلة التي هي "وسط" أن تذهب بلا عودة.. حتى تحل ذاكرة مكان وزمان آخرين.. لا وسط فيهما.. محلها؟

هل باحتراق سوق البخارية الذي هو روح التسوق التاريخية في عمّان ونواة كل "مولات" الاردن.. تُشطب ذاكرتنا الجمعية.. هكذا ببساطة؟ وهل علينا ان نتقبل فكرة اننا تغيرنا بتغير الايام.. والمصالح والمواقع فبتنا بلا مزاج جمعي او وجدان مشترك تشكلّه الامكنة التي وقعنا بحبها من أول نظرة؟

اليوم، وبعد مائة عام على تأسيس عمّان التي ولدت هناك.. في وسط البلد.. تطلع علينا الاخبار بأن حريقاً هائلاً أجهز على عشرات السنين من اعمارنا التي قضيناها في ازقة سوق البخارية الملتفة حول نفسها!

لو نطق المكان العتيق.. لحك? قصصاً مطرزة بأجمل الذكريات والصور، كتلك المطرزات والكُلَّف والازرار التي تنتشر في المكان.

وبعيداً عن الاسباب التي تقف وراء حادث حريق البخارية.. ارى لزاماً علينا ان نضع الحادث على طاولة البحث، كما الكثير من القضايا التي لا تقل اهمية عن حريق صرح من رموز التأسيس التي انجبت هذا الشكل المتفرّد من البيت العمّاني الجامع.. حيث ابناء القلعة والسيل والسهول والروابي يشكلون هذا الخليط (التنوع) الذي يثري التجربة.. بهاءً وجمالاً، ويؤسس لوطن التعددية البناءة وبيت الاصول الشتّى.

البخارية.. حيث الذكريات والقصص التي اسهمنا كلنا في نسجها، واسهمت بدورها في اعلاء شأن المكان.. منارة "للقُيّا" لكل من آتى إلى عمّان محباً ومنتمياً وعاشقاً وبناءً.

والبخارية.. المئة عام الفائتة من عمر الحلم الذي تحقق ونجح إلى الحد الذي أرق الآخرين وتجاربهم، فبتنا لا ندرك قيمة اشياءنا، ونستسهل خسارتها او حريقها.. بالاهمال وبالافق الضيق وحوارات البُعد الواحد.. والتشكك والتململ بين ابناء الحلم الواحد.

تماس كهربائي او غيره لا يهم، ما يحزن بالفعل ان رمضان القادم، وقبالة هذه الساحة الخالدة "الحسيني" التي عاشت كل افراح الوطن منذ ان عرف طريقه للفرح.. لن يكون هناك "سوق البخارية" الذي هو سبيلنا إلى تذكّر "ايامنا الحلوة".

ولا أعرف إن كان سيستعيد بهاءه قبل موسم الحج.. حيث "السجاديد" والمسابح وطواقي الحج وهدايا الاطفال من الارض المقدسة.. التي تعاود الانتظار كل عام في رحلة الالتفاف على الوقت والجهد "والوزن الزائد".

المهم ايضاً أن نستعيد بوعي لا يعوزنا.. بهاء المشروع والبيت الام.. حتى نجنبه أية حرائق اخرى.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل شيء راح (Nadia)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    والان و بعد أن تغيرت ملامح وسط البلد .. نتيجة لعملية التجميل الفاشلة التي خضعت لها .. ماذا بعد ؟؟ نحن لانزال تحت تاثير صدمة اقتلاع حديقة عمرة .. واقتلاع الذكريات الجميلة منها .. فما بالك بسوق البخارية !! و وسط البلد .. نحن تعودنا أن نعد العدة لزيارة و سط البلد و نحضر هذا اليوم في كل فرصة تتيح لنا الذهاب الى تلك المنطقة ..

    نحن لا نريد أن يسخروا منا و يعيدو ترميم او بناء سوق البخارية .. لانهم لن يستطيعوا ان يعيدوا له رائحة الذكرايات
  • »وسط البلد لاهل البلد (محمد زِكري)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    حين قرأت مقال الكاتب «البدري» استيقنت اختزالاً مكنوناً ما بين السطور مضافة بنكهة خاصة عودنا عليها بحرفية الاداء، فالكثير منّا قد تغيب عنه تلك الاشياء او قد يتغيب عنها، واحياناً اخرى لا نشعر بأثرها في انفسنا إلا حين نفتقدها من حولنا.
    فبدأ الكاتب بسرد ذكرياته الجميلة عن «وسط البلد» رغم كل ما تعتليه من ازماتٍ او كما اسماها بالأرق، ووصف لنا طعم الاشياء والاشتياقات والمحبة والألفة، مما جعلني اتساءل أين «طعم» تلك الاشياء التي ذكرها الكاتب رغم وجودها في امكنتها!! كفلافل فؤاد، والكشك، والكنافة، والفستق، ومطعم هاشم، ودور السينما... فجميعهم لا يزالون قابعون في ارضهم؟ فأستخلصت لنفسي الاجابة بأن المكان هو المكان على حاله لم يتغير إلا ان الناس هم من تغيروا واختلفوا، فمنهم اليوم اصحاب المعالي او الوزراء او السفراء او النواب او ذوي مراكز تجارية عالية المستوى ولا يروق لهم ذاك المكان، وإن مروا بها كانوا مضطرين لذاك المرور متعكرين المزاج للازمات المرورية او الاختناقات البيئية او الطبقات البشرية.... الخ -لا يقصد من المسميات المذكورة اعلاه احداً معنياً- قد لا تكون صراحتي هذه تروق للجميع إلا انها الواقع المرير، فادعو هنا امانة عمّان الموقرة بإعادة النظر ملياً لوسط البلد لتجعلها وجهة اولى لكل اهل البلد، ليُعاد اعمارها وتتزين متباهية بوقارها.
    واشكر الكاتب مرة اخرى على عودته الكريمة لمواضيعه التي تهم الوطن والمواطن من قضايا المجتمع الذي نتمنى له النماء والبهاء في كل زمان ومكان.
  • »تقول الشائعات (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    تقول الشائعات ان هنالك من يريدون هدم هده الاسواق العتيقة والتي تشكل تراث عمان الخالد ليبنون فوقها ناطحات سحاب ..أهل يدرون هؤلاء انهم ينزعون من قلب كل مواطن اردني جزءا كبيرا من قلوبهم ؟فهل طغت المادة على الروحانيات التي جعلتنا ان نركض وراء المادة لنهدم تراث امة باكمله .
  • »نعي بخارية فاضلة ! (حنان الشيخ)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    شكرا أستاذ هاني على مقالك ووصفك الجميل لأيام نَحِنُ اليها حتى لو لم نكن جزءا منها لكنني و الله_ و بسبب حكايات البلد ووسط البلد التي كانت تسردها أمي على مسامعي منذ كنت طفلة في الكويت _ بت أتخيل نفسي قطعة من تلك الذكريات و بطلة أحدى حكايات البلد القديمة . و من هنا اسمح لي و باسم كل الأولاد الذين كانوا مبعوثي سلام ما بين الأمهات و التجار لانتقاء السحابات و الخيوط و الأزرار.. باسم أصوات النساء و الرجال الغابرة و التي كانت تلعلع في المفاصلة و حلافات الطلاق و المجاهرة بأسرار البيوت.. باسم الحركة الدؤوب للبائعين الكبار و السماسرة الصغار .. باسم النظرات فالابتسامات فالمواعيد فاللقاءات في نفس زاوية السوق .. أعلن حدادا طويلا و أنكس علم الخيال الجميل حزنا و كبدا على السنوات التي احترقت داخل السوق .. و ألمح لحضرتك سيدي الكاتب بأن كلمة تتذكرون التي استخدمتها في مقالك هي الخبر الحقيقي و المؤلم بأن ذاك الزمن قد صار في عداد الأموات .. فنحن أشباه الأحياء لا نكرم أشياءنا (القيمة) الا بعد أن نتأكد بأنها ...راحت !!!
  • »- (نجيب)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    لا ادري لماذا يدعو المدعو نجيب بطول البقاء لهاني يا اخوان علقوا في سياق المقال
  • »ذكرى سوق ..ام سوق الذكرى (وسيم زادة)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    ان البعد جفا،والجفا قطيعة،و القطيعة نسيان،و النسيان طبيعة الانسان،بل نعمة من الله،لكن هناك امور لا تنسى الا اذا اردنا تناسيها،في كل البلدان التي لها حضارة و تعتز بها يكون فيها مواقع لا تنسى بل تصنع تاريخ يمتد من الماضي و يبقى للحاضر و المستقبل، و الحاصل عندنا اننا وجهنا الانظار من الاصل الى الفرع،كيف؟ معظم التجار الكبار انطلقوا من البلد،ومعظم العمال الذين اصبحوا تجار انطلقوا من البلد، معظم المطاعم المعروفة انطلقت من البلد، معظم محلات الحلويات الشهيرة انطلقت من البلد، و...و...، وهذا امر طبيعي لان الانسان يحب التطور و يسعى له، و انا اذا سألت نفسي لما لم تعد تذهب الى البلد كما في الماضي؟ لأن هذا المكان بقدمه و عراقته لم نحس من المسؤولين عليه بأي تقدير له، اي ما يبقي الانظار عليه وسط ما ظهر حديثا من اماكن اخرى فيها سهولة بالذهاب اليها و الحصول على المطلوب، بل انا اعرف اشخاصا من الجيل الجديد لا يعرفون ما هي البلد، الا اذا مروا فيها صدفة فسئلو عنها فعرفو الجواب، فالذهاب للبلد الطريق لها ازمة و الخروج منها كذلك فصار الامر يحتاج الى نصف نهار لتلبي حاجتك، لما لا نغلق البلد و نجعلها للمشاة فقط كما في معظم الاسواق المعروفة و الشهيرة، تخيل معي كم سنطفي عليها مسحة جميلة تترك لزائريها فرصة التأمل في هذا الماضي دون ان تأخذه ضجة السيارات و ازمتها، لما لا نقدم لها خدمات اكثر حتى و ان فرضت على محلاتها او حتى محبيها، لما لا نزينها و نجعلها دائما كحفلة عرس، حتى يتمنى الجميع ان يذهب لزيارتها، فلا يوجد حضارة بدون ماضي
  • »أطال الله عمر أبي علي، فالأسواق تعوض (نجيب كايد)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    أتمنى يا أستاذ هاني، أن لا يبنى مول حديث مكان السوق الذي احترق، لأن أغلب القادرين على بناء مولات وناطحات سحاب لا تعنيهم كل الروائح التي أبدعت في وصفها وتذكيرنا بها.
  • »عمــان في القلب (ابو المعتز)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    أخي هاني
    لقد ايقظت في نفسي اياما وذكريات جميلة عشناها في عمان الحبيبة اكثر من خمسين عاما ، كانت العفوية والطيبة والحب يلفنا بعيدا عن تعقيدات هذه الايام ، كان وسط البلد هو المكان الوحيد الذي نجد فيه طلبنا ، من كسوة العيد الى مونة الشهر من سوق السكر ، الى التسلية وقضاء الاوقات في مقهى الجامعة او السنترال اووجبة جميلة لذيذه في مطعم هاشم قبل الدخول الى سينما الحسين او فلسطين او غيرها ،،
    والله العظيم انني اتشوق لهذه الايام ،،
    شكرا لك
  • »سوق "البخارية" ليس مجرد سوق!! (أحمدعلان)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2009.
    شهر الخير على الابواب !! وبالتأكيد سنصومه من دون "البخارية"
    الذي ادعو الى الله ان يعيده كما كان من قبل اهل الخير واصحاب الهمة فسوق البخارية هو "اخ" عزيز للجيل السابق و "والد" كريم للجيل الحالي والقادم، فهو فعلا ليس مجرد سوق !! "البخارية" هذه السنة سأعتبره مسافرا خلال شهر رمضان المبارك فلن نصوم معه ولن يكون متواجد معنا..!على أمل ان يكون بيننا في رمضان القادم ان كتب الله تعالى للعمر بقية!! كل الشكر للأستاذ الكريم والى الامام يا عزيزي.