لاعب النّرد: خسر حياته وربح الشعر

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 

في الذّكرى السّنويّة الأولى لغياب الشّاعر محمود درويش، تتعمّق الفاجعة فينا، تبدو الحياة كما لو كانت محض مزحة أو أكذوبة! من دون مقدّمات خسر لاعب النّرد الجولة الأخيرة من اللعبة التي لم تكن في واقع الأمر سوى حياته. في اللحظة الحرجة خذله قلبُه، فرمى نظرة سريعة على ما حوله، نظرة هي مزيج من المرارة والسّخرية، ثمّ ألقى لحاف التّراب الثّقيل عليه ونام.

رحل محمود درويش، ولكنّ شعره بقي يشعّ بكلّ ذلك الألق والحضور، فالمجموعات الشّعرية المتتابعة التي أنجزها شكّلت المساحة الأكبر والأهمّ في لوحة الشّعرية العربية المعاصرة. لقد استمدّت تجربته الشّعرية فرادتها من عنصرين: العنصر الأوّل ويتّصل بالبحث الجمالي الذي انهمكت فيه هذه التجربة على مدار خمسين عاماً. ونستطيع القول إنّ محمود درويش ولد كبيراً. لقد أشّرت دواوينه الأولى على موهبة عظيمة، وحقّقت نجاحاً باهراً على مستوى التّلقّي، لكنّ درويش لم يأنس إلى صورته المضيئة في المرآة، لقد نحّاها جانباً، وراح يعلّي جدار القصيدة بالكلام السّاحر العذب، ويسقفها بالرّؤى الفاتنة المجنّحة. كان درويش مفتوناً بعمليّة تمزيق الجلد الشعري، بين فترة وأخرى كنّا نراه وقد انعطف بالشّعر بضراوة بالغة. كلّنا يتذكّر ديوان أحبّكِ أو لا أحبّكِ، وتحديداً قصيدة سرحان يشرب القهوة في الكفتيريا، كلنا يتذكّر ديوان محاولة رقم سبعة، ثمّ تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، فقصيدة أحمد الزّعتر، والمراثي التي كتبها لأصدقائه، وعلى رأسها مرثيته لراشد حسين. وتالياً نذكر ورد أقل، ومأساة النّرجس ملهاة الفضّة، مديح الظّلّ العالي، بيروت... وصولاً إلى لماذا تركت الحصان وحيداً فالجداريّة، وغيرهما. وهكذا فقد امتدّت تجربة درويش إلى مناطق جديدة وبكر. كانت القصيدة التي يكتبها تمثّل الذروة التي وصل إليها الشعر على المستويين العربي والعالمي.

العنصر الثاني الذي لا بدّ من التنويه به في تجربة درويش هو جماهيرية قصيدته. بدأب صنع محمود درويش له جمهوراً عريضاً هو الأكبر على مستوى الوطن العربي والعالم. في الأمسيات التي كان يقيمها كان لا يستسلم لأهواء هذا الجمهور، وإنّما يقوم بتقديم اقتراحات شعريّة جديدة له، ويأخذه إلى المناطق الصّعبة وربّما الخطرة في أرض الشّعر. جمهوره كان مزيجاً من أطياف ومشارب متنوّعة من مثقّفين وطلبة وفئات كادحة، هذا على المستوى العربي، أمّا على المستوى العالمي فلم يكن هذا الجمهور يقلّ أهمّيّةً... في باريس شارك محمود درويش ذات مرّة في أحد المهرجانات الشّعريّة، في اليوم الأوّل قرأ الشاعر الفرنسي برنار نويل، وكان عدد الذين استمعوا إليه لا يتجاوز خمسة عشر شخصاً. في اليوم التالي قرأ محمود درويش وكان المسرح الذي شهد القراءة مكتظّاً بالجمهور الفرنسي. كان هناك ألف وخمسمائة شخص داخل الصّالة، وما يقارب هذا العدد في الخارج. برنار نويل تساءل بدهشة قائلاً أنا ابن فرنسا، وقد عشت سنوات حياتي فيها ويحضر شعري هذا العدد الضّئيل من الجمهور، في حين يجيء هذا الشّاعر الفلسطيني إلى هنا من خلال مرّات قليلة، ويحصد هذا العدد العظيم من النّاس! في المرّة القادمة أريد أن أقرأ قصائدي مع هذا الشاعر الكبير.

في الذّكرى السّنويّة الأولى لرحيل محمود درويش ينبغي التّنويه بإرث هذا الشّاعر الذي يُعَدّ جزءاً أساسيّاً من البناء الحضاري الذي أنجزته الثّقافة العربية المعاصرة، وعلى حدّ علمي فقد تمّ في رام الله منذ عام تقريباً إنشاء مؤسّسة حملت اسم محمود درويش، ولكنّنا لم نسمع عن أيّ إنجاز قامت به، على صعيد نشر شعر هذا الشاعر وترجمته والتّعريف به، الأمر الذي يؤكّد حالة التّلفيق التي تحيط بهذه المؤسّسة.

yousef.abdelazeez@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر............ (مدحت)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    أنا حبيت اشكر الاستاذ يوسف عبد العزيز على هذا التعبير الرائع لراحل الشاعر محمود درويش الذي كانت له كتابات واشعار رائعة فليتغمد الله محمود درويش برحمته
  • »محمود درويش (إناس عبيد الله)

    الأحد 9 آب / أغسطس 2009.
    مقال ممتاز

    من حق الشاعر محمود درويش أن يجد من يكرمه لأنه ترك للعالم وليس للعرب فقط إرثا ثقافيا وحضاريا رائعا .. هذا هو الانسان الذي يحمل قضيته بين ضلوعه أينما كان وبهذه الطريقة علينا أن نذكره بعد رحيله