الإنشاء والسياسة وإدارة الأوطان

تم نشره في السبت 8 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

 تبدو فرصة المرء في الاحاطة الموضوعية بالمشهد من خارجه أفضل بكثير، وهذا ما يدعونا الى التأمل المدهش في حجم ما نهدره من اعصاب البلاد وطاقة اجيالها في صراعات كلامية هي عكس ما يتوقع الكثيرون؛ تخلو من السياسة كما تفتقر إلى الفهم البسيط لادارة المصالح في هذا العصر، شاهدنا كيف انقلبت الرؤوس والطواقي بعد حديث الملك في القيادة العامة، وهو حديث نعرفه جميعا، وسبق للملك ان كرره في اكثر من مرة ومكان، ولكن كالعادة تحولت البلاد فجأة الى قطع فنية من الانشاء الجميل التي تتغنى بعيون الوحدة الوطنية والخطوط الحمراء، حيث يمكن تفسير ما نريد ان نفسره ونتوقف حينما نريد ايضا.

لا اعتقد ان الملك اراد ان يسكت الناس عن حوارات صاخبة حول المستقبل، ولكنه اراد ان يذكرهم بالوقائع والحقائق والتاريخ وهي محددات قد تتجاوز فكرة النقاش وتبادل الاراء. انها لافتتات كبيرة على الطريق، كما انه لم يسع الى وضع حد للنقاش بتعميم الصمت واغلاق هذا الكتاب وكيل المدائح، بل ان المناسبة تدعو الى البحث في قضايا جوهرية اهمها غياب العناوين العريضة في الحياة العامة وغياب اللافتات الواضحة على الطريق نحو المستقبل، واذا ما كان كل ما اشيع خلال الاسابيع الماضية من قصص حول تفاهمات ما، وحول قضايا معلفة منذ عقود مثل حق عودة اللاجئين لم يطرأ عليها جديد، تبدو اهم الاسئلة المقلقة كيف تتحول وسائل الاعلام المحلية والاخرى التي تبعث برسائلها من الداخل الى الخارج ادوات للعب في اعصاب البلاد والناس.

  لا ندري كيف تتحول هذه الوسائل التي عجزت عن تقدم متابعة نزيهة لحق سكان طيبة الكرك على مدى ستة أشهر بالماء على سبيل المثال، والتي تعجز يوميا وتحت طائلة الخوف من سيف  القانون من كشف عشرات قضايا الفساد، والتي تسوغ للناس ضعف عشرات المؤسسات وهوان ادارتها، كيف لهذه الوسائل ان تحتمي بالخوف من القانون مرة وبالحق بالرأي مرة اخرى في قضايا ترتبط بمصير المجتمع وبقيمه، وتملك كل هذه الجرأة في قضايا بعينها وتصمت في قضايا اخرى.

  كل دولة عبر التاريخ تقوم على ترسيخ بنية ثقافية صلبة في الوعي العام للناس وعليها تترسخ العلاقة بين الدولة والمجتمع، هي جملة وخلاصة العبر التي تمثل جوهر مصالحها على المدى البعيد، وهذه البنية الثقافية هي مزيج من المعرفة والحقائق والمصالح والعواطف وهي تصهر في بوتقة واحدة تشكل ما اصبح يعرف "قيم الدولة".

  لقد اطُلق هذا المفهوم من هذه الصحيفة قبل سنوات لاول مرة في الثقافة السياسية المحلية، ونادينا مرارا بأن الدولة بمفهومها الوطني المدني هي الفضاء الذي يمكن ان تُحمى فيه مصالح الجميع وان تستوعبهم، وان الدولة بمفهومها المدني الوطني هي القادرة على اعادة تشكيل العواطف واعادة صوغها. احدى المفارقات التي تبرهن ان مشكلة الانشاء ليست فقط لعبة وسائل الاعلام، بل لعبة الدولة احيانا، يبدو ذلك في الطريقة الانشائية التي قدمت فيها فكرة قيم الدولة مؤخرا، ترى ماذا اضافت!

  القيم ليست صيغة انشائية نهذبها من هنا ونقيفها من هناك، القيم هي ممارسات وخلاصات تجارب نتتبعها ونرعاها وحينما تتخلق نحميها بالوعي والمارسة وبالمصالح والعواطف ايضا، غياب هذا الامر من جهة ما يفسر كيف يمكن ان يصادر رجل او امرأة في ليلة صيف تاريخ بلاد كالاردن بجرة قلم، هل يحدث هذا على سبيل المثال مع بلد مثل انجلترا او مصر وللاستداراك، وهذا جزء من المشكلة، لا يقل تاريخ هذا البلد اهمية عن هذه او تلك، وحتى ان حدث وتجرأ احدهم وقال فإنه لن يحرك اي ساكن، لماذا؟ لأن القيم الكبرى المستقرة محمية بالهيبة الحقيقية للمجتمع والدولة معا، محمية بالانتاج الفكري والبحث العلمي، وبالاعلام المهني المستقل والحر، ومحمية بالسينما والدراما والصناعات الثقافية، ومحمية بأسماء الشوارع والمسارح والمباني العامة، ومحمية ايضا بالقوانين والتشريعات. هذه القيم هي التي تخلق الثقة والكرامة الحقيقية وتحمي الاوطان .

basim.tweissi.alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال هادف لكاتب تاجح .. (nasser obeidat)

    السبت 8 آب / أغسطس 2009.
    سعدت بمطالعة هذا المقال وسعدت اكثر لوعي الكاتب وامانة الكلمه
    وهذا السمتوى العادل في تثمين المواقف كما ان الصحافه رساله ترحب دائما بالنقد البناء الذى يجمع الناس على الحق ويناى بهم
    عن الشطط واثارة الغضب لان الغضب
    جمره تحرق العقل كما قال حكماء
    العرب.. وختاما ارجو لك التوفيق
    ولا سيما في منابر صحيفة " الغد "
    الغراء