محمد أبو رمان

مبادرات لملء الفراغ والحوار بين الدولة والمجتمع؟!

تم نشره في الأحد 2 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

 

ثمة محاولات من مصادر رسمية متعددة في الآونة الأخيرة لإعادة الطمأنينة للمواطن، وذلك بالتأكيد على المواقف الثابتة في حماية هوية الدولة والمجتمع وعدم الإخلال بها، ونفي الهواجس التي أثيرت مؤخراً حول استباق الحل النهائي والتوطين والتعويض والتنازل المسبق عن حق العودة.

إذا تجاوزنا بعض التلميحات الرسمية، سابقاً، فإنّ خروج نخب سياسية وإعلامية عن الخط المتفق عليه وطنياً وإعادة فتح "دستورية قرار فك الارتباط" بين الضفتين، وتزايد الحديث عن "حقوق منقوصة"، وغيرها من قضايا، بالتزامن مع مواقف إسرائيلية متطرفة تسعى إلى نقل "الكرة الملتهبة" إلى الأردن هو ما أثار مخاوف مشروعة في مدى "صلابة" الموقف الرسمي لمواجهة الضغوط الحالية أو المتوقعة على الأردن خارج سياق الحل النهائي والعادل والشامل للقضية الفلسطينية.

الآن، نحن أمام تأكيدات رسمية معلنة، وغير معلنة، بالتمسك بالثوابت الوطنية والمواقف الواضحة الأساسية المتفق عليها في هذه القضايا الحساسة، وهذا جيّد، لكن لا يكفي. فما هو مطلوب أكثر من ذلك بكثير، وفي المقدمة ملء الفراغ السياسي والإعلامي الحاصل ووضع حدّ للتقولات والإشاعات، ليس من خلال سياسة نفي الأخبار والأنباء، التي تمثل "استجابة سلبية" من الدولة ومؤسساتها، بل بالقيام بمبادرات سياسية وإعلامية لمخاطبة الرأي العام بصورة مستمرة وتوضيح وجهة البوصلة الرسمية.

حضور الدولة السياسي الناضج هو ما نفتقده بوضوح، ما يدفع إلى نمو سوق الشائعات والمخاوف والصالونات المغلقة وازدهارها، وذلك علامة ضعف للدولة لا قوة وثقة بالنفس.

من هذه الزاوية، تحديداً، تقع مسؤولية كبيرة على مؤسسات الدولة والحكومة وتحديداً رئيسهاً. فقد شهد الواقع السياسي والإعلامي خلال الشهور السابقة سجالات إعلامية وسياسية عميقة كان أحد أبرز عناوينها التأكيد على الصلاحيات الدستورية والمؤسسية لموقع رئيس الحكومة والوزراء من جهة، والبرلمان من جهة أخرى، وعدم القبول بتغول "مؤسسات الظل" أو القنوات الموازية الجديدة عليها.

وفي إطار ذلك حدثت إعادة هيكلة الأدوار السياسية والاقتصادية والإدارية، ما منح الحكومة مساحة سياسية واسعة لاستعادة سلطاتها المطلوبة والإمساك بزمام المبادرة. لكنّ الرئيس لم يستجب لذلك، إلى الآن، وبقي يتعامل بمنطق دور "كبير الموظفين" مفضِّلاً عدم الاشتباك مع الواقع السياسي بصورة فاعلة، فانحسرت أدوار مؤسسات الدولة جميعها، بدلاً من ملء الفراغ، وهو ما أدى إلى الثغرات الكبيرة الحالية.

الخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع ظهر بصورة أوضح في الآونة الأخيرة عندما غاب الخطاب السياسي والإعلامي من جهة، وتأخر تدخل الرئيس، من جهة أخرى، وترك الأمور تتفاقم في قضايا مطلبية وخدماتية مشروعة إلى أن تدخّل الأمن، فحدثت أزمات غير مبررة، أحدثت شروخاً اجتماعية وسياسية.

حتى المعالجات التي تمت، بعد ذلك، كانت قاصرة وغير مقنعة. ففي قصة قرية الطيبة كان المطلوب إقالة وزير المياه وكبار المسؤولين بالوزارة الذين تجاهلوا مطالب قرية كاملة حُرمت من الماء أربعة أشهر، لا مجرد تنقلات شكلية تنال صغار الموظفين.

وفي موضوع عمال الموانئ، وما وقع فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان، كان المطلوب القيام فوراً بحماية العمال الضعفاء وزيارتهم وفتح تحقيق رسمي فيمن تسبب بالاستخدام المفرط وغير المبرر للقوة، وفي الإصابات التي وقعت.

قراءة المتغيرات والتحولات الكبرى بمثابة ضرورة ماسة اليوم، فقد جرت مياه كثيرة غيرت من المعادلات التقليدية، ولم يعد سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع مطمئناً، ما يدفع إلى أولوية تصليب الجبهة الداخلية وتقويتها من خلال مشروع إصلاح توافقي، يحمي الوحدة الداخلية، ويجدد الإيمان بالثوابت الوطنية، وذلك التحدي الأساسي الأكبر يتطلب حكومة قوية سياسياً تقود حواراً وطنياً هادئاً وعميقاً مع مختلف الشرائح والقوى السياسية والاجتماعية.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حكومة قوية سياسيا (دز امديرس القادرى)

    الاثنين 3 آب / أغسطس 2009.
    اسعد الله صباحك ياد.محمد و مبروك من كل قلبى على الدكتوراة....حديث طيب و فى الصميم و لكن قولى بالله عليك من اين يمكن ان تتنزل هذة القوة السياسيةو انت من خيرة العالمين بالبئر و غطاه.
  • »الطريق لا يزال مسدود (بانا السائح)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    أعتقد ان المأساة يا أخ محمد تكمن في العقول التي تنادي بالاصلاح و هي نفسها غير مؤمنه بمبدأ الاصلاح لما قد يترتب عليه من انتقاص لمصالحها الخاصة ...للاسف أننا أصبحنا في هذا الوطن الغالي نردد باشعارات نفسها دون أخذ المبادرات االجدية لمنع و الحد من بناء الجدار الاسمنتي بين المواطن و أصحاب القرار في الوطن. ليسمح لي الكاتب أن اتسائل عن الجدوى في المناشدات للتغيير في الوقت الذي لا يزال الحديث عن "أمور غاية في الحساسية أمور ممنوع الخوض فيها" و هذا ما يمنح الطرف الاقوى من ممارسة ما يشاء تحت مسمى "هذه قضية حساسة"!!! أذا أردنا التغيير و الافضل فعلينا أن ندرك أن مصلحة الوطن تكمن في تعزيز الولاء الصادق للوطن و ليس في انتهاك حريات و حقوق تحت ذائع مختلفة.
  • »يا دكتور محمد .. هل سمعت كلآم السيد ناصر جوده ؟! (nasser obeidat)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    لدى مقابلة السيد ناصر جوده اوضح
    كل شيء ياترى هل كان في جوابه مع
    مندوب الجزيره ما يثير لبسا او غموضا.. انا مع الوضوح وعدم تعريض البيت الاردني للشائعات او
    الاتهامات ..وبالتآكيد نحن كمواطنين احرص الناس على عدم المس بحقوق الاخوه في فلسطين
  • »تعقيب على الأخ محمد علي (محمد أبو رمان)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    أخي محمد لا أعرف كيف قرأت المقال بهذه الصورة! لا توجد حكومة في العالم لا تتحدث مع شعبها لتوضح سياساتها ومواقفها بخاصة حول القضايا المصيرية وتفاصيل ما يحدث، وهذا حق طبيعي للشعب والمجتمع، وهو ما نطالب به الحكومة الأردنية أن تكون على تواصل سياسي وإعلامي مع الناس كي لا تترك فراغا يؤدي إلى ازدهار سوق الشائعات!
    تصور معي أخي محمد أن الرئيس أوباما مثلا لم يعلن خططه لمواجهة أزمة البورصة ولم يعط الإعلام معلومات دقيقة ووافية وحجبت الأخبار عنه، ماذا كان سيحدث لملايين المواطنين الأميركيين، ونحن هنا نتحدث عن تجربة ديمقراطية عريقة.
    في الأردن، هنالك موضوعات في غاية الحساسية والأهمية لا نعرف على وجه التحديد موقف الحكومة منها ولا السياسات المتوقعة، فضلاً عن ذلك فإن مجلس النواب لا يقوم بدوره في التواصل بين المجتمع وصانع القرار لتأطير المطالب.
    ثمة فرق كبير بين المطالبة بالحد من سياسات التدخل الرسمية في حقوق الإنسان والحريات العامة وحرية الصحافة والعديد من المجالات الأخرى، في المقابل مطلوب منها أن تبني روايتهاوقصتها الإعلامية وتتواصل مع المجتمع لتنظر إلى التغذية الراجعة، هذه أخي محمد من بدهيات العمل النظمي والمؤسسي التي تدرس لطلاب الجامعات في أقسام العلوم السياسية السنة الأولى، لكنها للآسف ما تزال غائبةعنا، وتدرس العلاقة بين الحكومات والشعوب وفق مقاربات مغايرة تماماً انثروبولوجية تعتمد على العلاقات الشخصية والشللية وما قبل المؤسسية..
    أرجو أن تكون الفكرة اتضحت؟
  • »يسعد صباحك يا محمد (خالد السلايمة)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    الأخ العزيز محمد,

    انا أشكرك على مقالك و أود أن أضيف أنه في ظل عدم وجود معلومة رسمية أو وضوح في الأمور, من الأفضل إذآ أن لا نبدأ نحن الناس و الكتاب في إثارة الأمور. و أنت تذكر أنني كنت أعارضك في طرحك لأنه لا يوجد هناك أي شيء موثق و واضح تبني عليه إستنتاجاتك. هذا لا يعني أنه لا يحق لأحد أن يبدي رأيه. و لكن في أمور حساسة جدآ تتعلق بمصير ناس و وطن و أمة أنا سأفضل التريث قبل أن أصل إلى إستنتاج معين.

    و ما زلت أقول أننا في البلد هنا صف واحد ضد التوطين حكومة و شعب, أردنيين و فلسطينيين. جيران و أهل و إخوة دائمآ. و سنعود حتمآ إلى أرض فلسطين إذا ليس اليوم فغدآ و إذا ليس غدآ فاللي بعده و هكذا.
  • »شكرا (محمد علي)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    معك حق يا استاذ ابو رمان فقد تعودنا ولعقود طويلة على حضور قوي للحكومة تقول لنا اصمتو فنصمت جميعا وتقول لنا تكلمو في الموضوع الفلاني فنتكلم وتضع لنا النقاط على كل حروفنا . والحكومة هي التي كانت تضع السقوف والارضيات للمعارض والمؤيد وتضع الخطوط الحمر والخضر .. وبدون الحكومة نشعر كالطفل الذي ضاع من امه في السوق ..ونحن بحاجة لعقود طويلة من التوجيه لان موعد فطامنا لم يحن بعد.
  • »لاأظنه سيحدث ....!!!! (فتحي الحمود)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    للانصاف أخي الدكتور محمد هناك خيبة امل كبية في الشارع الاردني , بسب غياب الرؤية الصحيحة , والضبابية التي تطغى على كل شيء !!!
    بصراحة انا أدعي بأنني متابع ومثقف وقاريء جيد ...الا انني أعترف انني لم اعد افهم شيئا من سياستنا الخارجية وإعلامنا المهزوز والمرعوب !!!
    فكيف لي كمواطن ان أشكل رأيا وأتبناه ...وعلى اي اساس في ظل غياب المعلومة , وممارسات لاعلاقة لها لابالديموقراطية ولابحقوق المواطن ولا بالشرعة الدولية لحقوق الانسان ..وكأن أجهزتنا ومسؤولينا يعيش في عالم آخر !!!!
    كل المحاولات التي ذكرت , وتلك النشاطات ليست اكثر من زوبعة في فنجان , اوسحابة صيف ...ومعظمها كلمات حق يراد بها باطل ...فالقول شيء والفعل شيء آخر مختلف تماما !!!
    العيب فينا ...فلا زلنا نحبو في ظل ديموقراطية عرجاء تمشي على عكازين وقد التبست امورها على الكثيرين من صناع القرار فضاع شعبنا الكريم بين حانا ومانا ...كان الله في عونه على " دويخته "!!!!
  • »التحدي الصعب (ماهر يوسف شحاده)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    عند الحديث عن التنمية في مجتمعات العالم الثالث، لعل أول ما يتبادر إلى أذهان الناس مشكلة النقص في الموارد المالية وما يسببه ذلك من إعاقة لتحقيق مشاريع التنمية، إلا أنه في بعض الأحيان لا يكون النقص في الموارد المالية هو وحده العائق تجاه التنمية، بل أيضاً غياب الوعي لدى الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، وربما شكّل غياب الوعي عائقاً أقوى من نقص الموارد المالية، فهو عائق عسير يمثل تحدياً عظيماً يُواجه القائمين على دفع عجلة التنمية في تلك المجتمعات.
    والنهوض بوعي العامة وتوسعة مداركهم وتوجيههم نحو النظر إلى الأشياء بمنظار أشمل وأعمق، ليس من الأمور السهلة أو السريعة الإنجاز، لذلك فإن مسألة التنمية الاجتماعية تظل أحياناً تسير ببطء لما تتعرض له من تأرجح ما بين خطوة إلى الأمام وخطوات إلى الوراء. وقد لفت نظري ما نشرته الصحف منذ أيام من إحصائيات صادرة عن وزارة الصحة تفيد ارتفاع نسبة الذين أتموا اجراءات زواجهم رغم أن نتائج الفحوص الطبية تشير إلى أنهم غير صالحين للزواج من بعضهم، فحسب ما ذكر في الصحف بلغت نسبة المُصرّين على الزواج رغم عدم ملاءمة الزواج لهم (90%) في السنة الأولى، وفي السنة الثانية (88%)، وفي السنة الثالثة (85%) وذلك عبر السنوات الثلاث التي أقر فيها نظام الفحص الطبي قبل الزواج.
    ورغم أن هذه الإحصائيات تبين أن نسبة الذين أتموا اجراءات الزواج (رغم عدم التلاؤم) آخذة في التناقص، إلا أنه تناقص ضئيل للغاية، فنسبة المتراجعين عن الزواج بلغت في السنة الأولى (10%) وفي السنة الثانية (12%) وفي السنة الثالثة (15%)، أي أن الغالبية من الناس مازالوا يضربون عرض الحائط بما تقوله نتائج الفحص الطبي ويمضون في إصرار غبي في اتمام الزواج، غير مدركين لمدى الأذى الذي يُعرضون أنفسهم وأولادهم له في المستقبل، حين ينجبون أطفالاً مرضى يعانون من أمراض عصية كتكسر الدم والانيميا المنجلية، فيظلون طيلة حياتهم يعانون هم وأولادهم الشقاء والألم بسبب ذلك.
    إن تنمية الوعي لدى العامة تعني تنمية العقل وتطوير القدرة على التفكير الجيد، وليس مجرد نشر المعرفة ومحو الجهل، فهؤلاء المصرون على عدم التراجع عن زواج اختاروه رغم معرفتهم بالعواقب الخطيرة لإتمامه، لا تنقصهم المعرفة بما قد يعقب اختيارهم ذاك، ولكن تنقصهم الحكمة المتمثلة في القدرة على الرؤية الشاملة لحياتهم المقبلة متى ابتدئت بداية غير صحيحة، وهو ما لا يتحقق إلا متى وجد لدى الناس العقل اليقظ القادر على التفكير الجيد، وذلك هو التحدي الصعب.