كيف تفوقنا على سنغافورة

تم نشره في الأحد 2 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

وأخيراً فعلناها! تحدثنا كثيراً عن محاكاة التجربة التنموية لسنغافورة حتى أصبحنا مثلها بل وأفضل، فقد أصبح متوسط الأجور في القطاع العام أعلى منه في القطاع الخاص تماماً مثل النموذج السنغافوري.

فحسب أرقام دائرة الإحصاءات العامة يبلغ متوسط الأجر الشهري للعامل في القطاع العام 352 دينارا، بينما لا يصل متوسط الأجر الشهري في القطاع الخاص إلاّ إلى 276 دينارا.

وبهذا يفوق راتب الموظف في القطاع العام راتب نظيره في القطاع الخاص بنسبة 28%.

أيضاً، يعمل موظفو القطاع العام في المتوسط 222 ساعة في الشهر، بينما يعمل نظراؤهم في القطاع الخاص 30 ساعة أكثر في الشهر. وبحسبة بسيطة لأخذ الاعتبار للساعات الإضافية في القطاع الخاص فإن القطاع العام يدفع 124 دينارا (45%) أكثر مما يدفعه القطاع الخاص لموظفيه.

وإذا أضفنا أن 20% من العمالة الأردنية تعمل في الاقتصاد غير المنظم، حيث تكون الرواتب والامتيازات أقل بكثير مما يقدمه الاقتصاد المنظّم (الشركات التي تلتزم بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وقانون العمل والعمال وتدفع ضرائب)، فإن ما يدفعه القطاع العام لموظفيه يفوق ضعف ما يدفعه القطاع الخاص، وبهذا نكون تفوقنا فعلاً على سنغافورة.

ولكن، سنغافورة توظف أفضل الخريجين والمهارات وتدفع لهم أجوراً تفوق تلك التي يدفعها القطاع الخاص فتبتعد عن الواسطة وتعتمد الكفاءة والمكافأة في التوظيف والأداء، بينما نحن في الأردن ندفع في القطاع العام لذوي المهارات المتدنية أكثر مما قد يحصلون عليه في القطاع الخاص وندفع لذوي المهارات العليا أقل مما قد يدفعه لهم القطاع الخاص وبذلك نكون مارسنا ونمارس ما يُسمى "الانتقاء العكسي"، أي اختيار الأسوأ، وهي ظاهرة كان أول من كتب فيها ووثقها الاقتصادي جوزيف ستجلتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في 2001.

كما تُشير المعلومات الرسمية إلى أن حجم العمالة في الحكومة المركزية وصل إلى 275 ألف موظف بينما بلغ عدد الموظفين في القطاع الخاص نحو 595 ألف أي أن كل موظفَين في القطاع الخاص ينفقان على موظف في الحكومة المركزية.

وإذا أضفنا عدد الموظفين في المؤسسات المستقلة وشبه الحكومية إلى عدد الموظفين في الحكومة المركزية، فإن عدد الموظفين في القطاع العام يصل إلى نصف مليون تقريباً، وهي نسبة قد تكون الأكبر في العالم، حتى لو أخذنا بعين الاعتبار الدول الاشتراكية منها.

كما تصبح الأرقام أخطر وأشد وطئاً على الاقتصاد الوطني لأن الحكومة تستهلك 60% من حجم الاقتصاد الكلي تقريباً بينما لا تتجاوز قيمة خدماتها التي تقدمها كقيمة مضافة 25% ما يدلّ على انعدام الكفاءة في الإنفاق، كل هذا بينما لا تراوح جهود إصلاح القطاع العام مكانها رغم كل التصاريح والمبادرات المعلنة بـ"الشوال" أحيانا ومع كل حكومة جديدة.

إذا دعوني أعتذر على العنوان الخطأ...فبعد التمحيص في الأرقام قليلاً نجد أننا لم نصبح بعد مثل أو أفضل من سنغافورة ما يدعونا إلى العودة إلى مفكّرينا ومحللي السياسات الاقتصادية في القطاع العام ومطابخ السياسات الرامية إلى التنمية، وندعوهم لصياغة سياسات تجعلنا أفضل من سنغافورة، ولكن أين هم؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النزيف المفتوح (مروان محمود)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    أقرأ هذه الكلمات وأنا أحس بالألم، نعم بالألم الشديد، لرؤية نجاحات أبناء الوطن ولكن بالخارج، لقد ضحى الكثير الكثير منهم عظيم التضحيات ولكن بلا طائل، طرقوا الآف الأبواب وأيضا بلا عائد، فلنأخذ النموذج اللبناني الذي خلق فرصا لأبنائهم في الخارج لإحساسهم العميق بأن بلادهم أولى بهم، وكذلك النموذج الهندي الذي بادر بهذه العملية مبكرا، ألا نستحق هذه الفرصة ولو على سبيل التجربة؟
  • »بارك الله في هذا الفكر الرشيد ! (ىش)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    الصحافه الجديثه تعشق التحليل
    الاقتصادى لا الفكر الطوباوى اقدر
    لك هذا الخط العلمي انه البوصله
    صوب الافضل والعرب احوج الناس الى
    لغة الرقم العفيف واستلهامه في بناء كيان افضل !
  • »الأردن أولا (كركي)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    شكرا للكاتب على هذا المقال الرائع ولكن نحن في الأردن لو تجمع كل خبراء العالم ما قدروا على تحليل الوضع القائم في الأردن فكل شيء عكسي فعلى سبيل المثال أعضاء هيئة التدريس في الجامعات رواتبهم أقل من راتب ميكانيكي في شركة البوتاس بالأضافة الى أن بعض المدرسين من غير الأردنيين يتمتع بأمتيازات في الجامعات الأردنيةأكثر من أبناء البلد فهل هذا يحصل في أي مكان في العالم
  • »شكرآ مرة أخرى (خالد السلايمة)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    أشكرك أخي الكاتب على هذا المقال الرائع و الدقيق و المدعم بالأرقام و سأبدأ من حيث إنتهيت بسؤالك!

    أين هم!؟ لقد هربوأ يا د يوسف إلى خارج البلد هؤلاء الشباب الرائعين و القادرين على إحداث فرق كبير في الحياة الأردنية. لقد هربوا بعد أن أيقنوا أنه لا مكان لهم في بلدهم. لأن المناصب يأخذها من لا يفقه الألف من كوز الذرة! أرجو أن تزورني لمدة يومين في العيادة بالصيف لتقابل الكثير من كوادرنا الرائعة و الذين هم الآن في الخليج و أوروبا و أميريكا! أسألهم, لماذا لا تعودون؟! الجواب واحد في أغلب الأحيان, شو نسوي في عمان يا دكتور!؟ يعطوني 400 دينار و أنا أحصل 3000 دينار و إمتيازات و غيره و غيراته في إحدى الدول! العالم كله يقدر شبابنا أما نحن فيا حسرة فلا أمل و لا نجاة!
  • »أين الحل ؟ (فؤاد)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    أشكر الدكتور على هذا التحليل الطيب ووجهة النظر الثاقبة, ولكن ما هو الحل برأيك و من أين أبدأ كمواطن عادي ليس بيده أية حيلة ؟

    أتمنى على الحكومة أو رئيس مجلس النواب تفسير هذه الأرقام و التحليلات و توضيح السياسات التي تعالج مشكلة إنعدام كفاءة الانفاق الحكومي وظاهرة الانتقاء العكسي التي وضحها الدكتور في مقاله.
  • »لا داعي للاعتذار عن الخطا في العنوان (ليلى)

    الأحد 2 آب / أغسطس 2009.
    فلم نعتد في بلدنا على الاعتذار عن الاخطاء التي نرتكبها.بل وتعودنا على ان نمارس الاخطاء ونتعمد ممارستها لنظهر بمظهر الاقوياء والمتنفذين الذين لا تاخذهم في الباطل لومة لائم.
    كمواطن اتعمد مخالفة قانون السير لاشعر بانني اكيد للمسؤول عن تطبيق نظام السيراما كمسؤول فلا اقيم وزنا للاخطاء التي امارسها بحق الوطن والا لماذا تم وضعي في المسؤولية ان لم اتلذذ في ممارسة الزور والبهتان علنا على مراى ومسمع الجميع.

    لقد تعرضت قيمنا لاختلالات كبيرة وهو الامر الذي ادى الى عدم نجاحنا في كل المبادرات التي تطلقها الحكومة... حتى الجدل في اي شان محلي اصبح اقرب الى الدجل والمزايدات وهي من الاخطاء التي نصر على ممارستها.
    لا تدعو احدا من المفكرين والمحللين لصياغة سياسات جديدة لان ذلك لن ينجح....بالولاء والانتماء للوطن وترابه تنجح كل السياسات ولو كانت على قدر بسيط من الحكمة والحصافة وبموارد الوطن المحدودة.وشكرا لاعتذارك