"بنطال لبنى" : محاكمة تعاكس تيار العصر لكسر قلم صحافية

تم نشره في الخميس 30 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 لم يرتجف قلم الصحافية السودانية لبنى أحمد الحسين التي تتهددها محاكمة بـأربعين جلدة، عقابا على ارتدائها بنطالا رأت فيه الشرطة خدشا للحياء العام، ما يعد وفق متابعين تجسيدا قانونياً لمصادرة حق فردي في بلاد تهزها صراعات وحروب أهلية ومشكلات تتهددها بأخطار لا تعرف مدياتها.

في آن يبدو وكأن السودان الرسمي في حاجة لقتامة سمعة تضاف الى متاعب قاصمة تشل البلاد الممتدة بين شبح الانفصال وغائلة الفقر والحروب الاهلية، لتنهمك الخرطوم في اشغال الاعلام العالمي باسترسالها في مواصلة تزويده بما تتفتق به قرائح القائمين على "صون الحياء العام"، دافعين بمحاكمة الصحافية لبنى الحسين بتهمة ارتداء ملابس "تخدش الحياء والذوق"، حيث رأت الشرطة القائمة على تنفيذ قانون النظام العام في ملابس (لبنى) "خطرا على المجتمع وقيمه السمحة"!! ووفقا للقانون الجنائي السوداني فإن عقوبة هذه "الجريمة" هي الجلد 40 جلدة علنا بتهمة "ارتداء ملابس مُضايقة للشعور العام".

لبنى تكتب منذ سنوات عمودا صحافيا شهيرا تحت اسم "كلام رجال" تنتقد فيه الأوضاع السودانية وتوجه انتقادات لاذعة للأوضاع القائمة في البلاد. حكومة الخرطوم المسنودة بقانون صيغ لزجر المجتمع نحتت من بنطال لبنى "قضية" يتدثر بها أعداء السودان لتشويه سمعته وتزويد المدافعين عن حقوق الانسان بمادة زخمة تؤكد السطو القانوني على حقوق الناس، وهو قانون يشهد على حالة هروب وعي سلطوي أبوي نحو الماضي للتخلص من أثقال الحاضر ومسؤولياته، واللجوء إلى الغيــب في مسعى وهمي للتملص من الوضع القائم وآلامه.

 في مؤلفه "النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي"، يؤكد الراحل هشام شرابي: أن هذا التخلف هو غير التخلف الاقتصادي أو الإنمائي أو التربوي، أي أنه أعمق وأبعد وأشمل من ذلك. شرابي في مقاربته لتحديد موضع الداء يعتبر أن "التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر، إنه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية و"الأبوية المستحدثة"، ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد، وينتـقل من جيل إلى آخر كالمرض العضال.

 وهو أيضا مرض لا تكشف عنه الفحوص والإحصاءات. إنه حضور لا يغيب لحظة واحدة عن حياتنا الاجتماعية، نـتـقبله من غير وعي ونتعايش معه كما نـتـقبل الموت نهاية لا مهرب منها، نرفضها ونتـناساها في آن. قبل تفجُّر قضية بنطال لبنى كانت شرطة الآداب السودانية قد ألقت القبض على عشر نساء بينهن مسيحيات، وقد قامت بجلدهنّ عقابا على "السفور" الذي مارسنه ما اعتبر خرقا لثقافة مجتمع ودولة ينتميان لمتوالية عربية طويلة من العجز في كبح التحديات والانتصار عليها، والابداع في إعادة إنتاج التخلف. والسودان بصفته عربيا فإن ما حدث مع لبنى ويحدث مع سائر السودانيات يؤكد الذهنية الأبوية التي لا تقبل رأيا آخر وتسلك سلوك الممتلك للحقيقة كلها. لبنى التي ارجأت المحكمة أمس النطق في الحكم عليها بعدما دفع محاميها بلا قانونية الحكم عليها واحتجازها أساسا بصفتها موظفة في هيئة دولية، تواجه عقوبة الجلد العلني 40 جلدة في حال إدانتها. لبنى التي تخوض صراعاً مع تزييف الوعي تحدت تلك التهمة بطبع بطاقات دعوة وجهتها للإعلاميين والصحافيين لحضور جلسة محاكمتها، ودعتهم كذلك إلى حضور تنفيذ الحكم في حال صدوره.

 زملاؤها لم يخذلوها فقد تقاطروا الى المحكمة ليكونوا شهودا على محاكمة تخالف العصر ومنطقه، وهو ما لم تحتمله الشرطة التي دخلت في مواجهات معهم، قبل أن تقرر المحكمة إرجاء البت في الحكم الى موعد لاحق. وكانت لبنى أكدت أن الشرطة دخلت عليها في صالة كانت تستضيف حفلاً فنياً واقتادتها مع نحو 12 فتاة أخريات كن يرتدين البناطيل.

 وقالت إن الملابس كانت عادية وإن عشر فتيات ممن طاولتهن حملة الشرطة نفذ بحقهن بالفعل حكم الجلد. وأكدت انها أصرت على استدعاء محام فأحيلت اوراقها إلى محكمة متخصصة للنظر في القضية بحيث يتم تنفيذ حكم الجلد فور صدوره، بينما عبرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن بالغ قلقها حيال قرار إحالة الصحافية السودانية المعارضة الى المحاكمة. واعتبرت عبير سليمان مديرة البرامج بالشبكة أن الحكومة السودانية لجأت إلى هذه الاتهامات لضيقها من كتابات الصحافية المعارضة.

وطالبت المنظمة الحقوقية المنظمات الدولية المهتمة بحرية الصحافة والمدافعة عن حقوق المرأة بتأييد لبنى في قضيتها، ووصفت المحاكمة بأنها غير عادلة وتنتهك كافة المواثيق الدولية التى تدافع عن حرية المرأة وحرية الصحافة. وقالت سليمان ان "هذه اتهامات رخيصة لا تلجأ إليها سوى حكومات مستبدة، كان على الحكومة السودانية أن تتحلى بالشجاعة وتعلن ضيقها من كتابات هذه الصحافية الشجاعة، بدلا من اتهامات وانتقام وحشي هدفه الأساسي كسر قلم هذه الصحافية".

وتعتبر منظمات حقوقية قانون النظام العام السوداني: من أشد القوانين تمييزا ضد المرأة السودانية لانتهاكه حريات أساسية من حق المواطن التمتع بها"، لافتة الى أن القانون يستهدف المرأة العاملة والطالبة بشكل خاص، وكأنه سُنّ لاضطهادهن وإذلالهن وتقييد حريتهن وعزلهن عن المشاركة في الحياة العامة. وقد تفتق الذهن البوليسي عن استخدامه الآن ضد صحافية معارضة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عداله عمياء وحكم جائر (mona)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2009.
    تحياتي اخ سليمان
    اذا كان لبس البنطلون في السودان يعاقب عليه بالجلد اربعين جلده! فما هو عقاب من يلبسن التنانير القصيره والملابس الشفافه وغيره من اللباس الغير محتشم: هل سيكون الحكم هو الاعدام لماذا لا يطبق الشرع على الافعال البشريه الاكثر خطوره؟
    لماذا يتشبثون بالقشور وينسون الجوهر؟
  • »البنطلون يهدد أمن الأمة (نادر)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2009.
    كان منظر فخامة الرئيس عمر البشير مدهشاً وهو يرتدي الريش ويرقص رقصة ديك الحبش، ولم يثر منظره هذا هيئات النهي عن المنكر، ولم لا وقد قال لي سائق التكسي ونحن نتحدث عن جرائم الشرف، وقلت له بأن الإسلام في جريمة الزنا لم يفرق بين الرجل والمرأة، حتى انه قدم الرجل على المرأة في حد العقوبة، فقال: الرجل لا يعيبه شيء!!!
    جميل منطق مجتمعنا وهو يقف في مواجهة فرنسا التي منعت المحجبات من دخول الجامعات والمدارس، فهذه حريات شخصية، أما ما تقوم به بعض الدول " الإسلامية " من فرض الحجاب ومنع البنطلونات وآخرها فرض الحجاب على المحاميات فلا يعد تدخلاً في الحريات الشخصية، طبعاً أنا لا اتحدث هنا عن التعري فهو مرفوض، أما أن يعتبر الظلاميون ارتداء البنطلون سفوراً !!! لماذا لا يهتم جهابذتنا بتدنيس أولى القبلتين ويتصدون بالغالي والنفيس للتنانير والبنطلونات؟؟!! أهو تعويض عن التخاذل ؟ أم إنه حقد شهوة الثعالب للعنب؟؟
  • »لست وحدك يا لبنى (احمد الجعافرة)

    الخميس 30 تموز / يوليو 2009.
    ليست لبنى لوحدها التي يتم جلدها بل كلنا يا سليمان نجلد بموجب قانون جائر لا يعترف به الا من يعيش في العصور الخوالي التي انتهى مفعولها منذ زمن بعيد ولم تعد صالحه ومع ذالك يصر اصحابها على فرضها علينا جورا وظلما دون اي شعور انساني
    كلنا نجلد بنفس الصوط وان اختلف الجلاد ففي مصر يتم اهدار دم سيد قمني فقط لان الدوله منحته جائزتها وفي غيرها من الدول يتم اهدار دم المرأه لانها تطالب بقيادة السياره مثل مثل بقية نساء الله وفي غيرها من دول يتم تجريم شاعر لانه قال بيت شعر لا يرقى الى صراحة
    لقد اسمعت لو ناديت حيا--------
    ومع ذالك لم يتم محاكمته في عصر نعتقد انه كان اقتم من هذا الزمن وفي غيرها من بلدان يتم جلد المختلفين بكل الطرق الغير انسانيه حيث تبدأ من النميمه وتمر الى التحريض وتنتهي باغتيال الشخصيات معنويا وماديا
    فطئن لبنى يا سليمان انها ليست لوحدها في الميدان بل لها رفاق كثر يجلدون على نفس المنصه