استغلال التاريخ، والتلاعب بالتاريخ

تم نشره في الأربعاء 29 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

في كتابها الباهر "استغلال التاريخ والتلاعب به" تحدثنا المؤرخة مارجريت ماكميلان عن مناقشة دارت بين مواطنين أميركيين عن فظائع الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. فسارع أولهما إلى قياس أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) على بيرل هاربر (الهجمة التي شنتها اليابان ضد الولايات المتحدة في عام 1941). فتساءل الثاني: "وما هي بيرل هاربر؟". فرد عليه الأول قائلاً: "كان ذلك حين قصف الفيتناميون الأسطول الأميركي فبدأت بذلك حرب فيتنام".

إن الذاكرة التاريخية ليست سيئة إلى هذا الحد دوماً. ولكن عالم السياسة الدولية والدبلوماسية يعج بالأمثلة للاستخدام المتعجل غير المدروس للسوابق في تبرير قرارات السياسة الخارجية، وهو ما يؤدي دوماً إلى الكارثة.

كثيراً ما يستشهد الساسة باجتماع ميونيخ ـ في عام 1938 بين أدولف هتلر، وإدوارد دالادير، ونيفيل تشامبرلين، وبنيتو موسوليني ـ كحجة ضد المغامرات الخارجية. وهناك من تحدثوا عن الغزو البريطاني المأساوي لمصر في عام 1956 وكأن جمال عبد الناصر كان تجسيداً لعودة طغاة الفاشية من أيام الثلاثينيات، وأن التساهل معه، كما حدث حين تساهلنا معهم، لابد وأن يؤدي إلى عواقب مأساوية في الشرق الأوسط.

بل لقد اتُـخِذ اجتماع ميونيخ كذريعة لشن حرب فيتنام وحرب الرئيس بوش التي شنها باختياره علىالعراق. إن تعبير "مهادنة الثلاثينيات" ـ التعبير الذي يستبعد بل ويلغي الجهود الدبلوماسية ويستنكر رفض الخيارات العسكرية ـ قيل لكي يذكرنا بما قد يحدث إذا لم ندافع عن جنوب فيتنام وإذا لم نسارع إلى غزو العراق. ونحن نعرف ماذا حدث في كل من هذين البلدين.

ولكن أسلوب القياس ليس دوماً على خطأ، وتلك القياسات التي أثبتت خطأها في الماضي قد يتبين لنا أنها على صواب اليوم. كان من بين التحضيرات لحرب فيتنام ما أطلق عليه "نظرية الدومينو". فإذا ما سقط جنوب فيتنام بين أيدي الشيوعيين، فهذا يعني أن دولاً أخرى في جنوب شرق آسيا سوف تسقط حتماً أمام التمرد الشيوعي.

بيد أن الأمور آلت إلى نهايات مختلفة تمام الاختلاف. فقد أثبتت فيتنام أنها نهاية الخط وليست بدايته. فقد قتل نظام بول بوت البغيض الملايين من البشر في كمبوديا قبل أن تتدخل فيتنام.

وفي أماكن أخرى من المنطقة كانت الرأسمالية، التي روج لها أنصارها بفتح الأسواق، سبباً في تشجيع النمو ودعم الاستقرار. وأنتجت العولمة تأثير الدومينو الخاص بها. فسقطت أحجار الدومينو؛ وارتفع الناتج المحلي الإجمالي؛ وأفلت الملايين من قبضة الفقر؛ وارتفعت معدلات معرفة القراءة والكتابة إلى عنان السماء؛ وهبطت معدلات الوفيات بين الأطفال.

واليوم، فإن أحجار الدومينو قد تكون أكثر اتصالاً بالسياسة الخارجية والسياسة الأمنية، إذا افترضنا أنها لم تكن على القدر نفسه من الأهمية والاتصال في ذلك الوقت.

في أميركا وأوروبا، ينادي العديد من الناس في هذه اللحظة بانسحاب قوات حلف شمال الأطلنطي من أفغانستان. ويقال لنا إن منظمة حلف شمال الأطلنطي والغرب ليس بوسعهما أن يتكفلا ببناء الدولة هناك، وأن هدف نشر الديمقراطية والرخاء هناك بات حلماً بعيد المنال.

ويرى هؤلاء أن جنود حلف شمال الأطلنطي يموتون عبثاً. فإن عاجلاً أو آجلاً سوف تستولي طالبان على السلطة من جديد، ولن يجد المنتمون إليها ما يمنعهم من العودة إلى إلقاء حامض النيتريك على وجوه النساء، كما كانت الحال من قبل. ويزعمون أنه من قبيل العنجهية والغطرسة أن نتصور أننا بوسعنا أن نفعل أي شيء لمنع هذا، وأن اختصار الخسائر والرحيل أفضل من الإصرار على البقاء والموت، ومن يستطيع أن يجزم بأن النتيجة سوف تكون اكتساب الإرهابيين المنتمين إلى طالبان المزيد من الجرأة والقوة؟ وأنهم فضلاً عن ذلك لا يشاركون تنظيم القاعدة بالضرورة أهدافه نفسها.

لا شك أن العديد من الأخطاء ارتكبت في أفغانستان. فبعد الإطاحة بنظام طالبان، لم يرسل الغرب العدد الكافي من القوات لمد سيطرة الحكومة الوطنية في كابول إلى البلاد بالكامل. ومن الواضح أن إدارة بوش ركزت كل اهتمامها على التحضير لحرب العراق.

فكانت خطوات التنمية بطيئة. وتخلفت جهود بناء الجيش الأفغاني وقوات الشرطة الأفغانية. واتسعت مساحة الأراضي المزروعة بالخشخاش. وفي بعض الأحيان كان الرد العسكري على التمرد في غاية الخشونة والقسوة؛ وفي أحيان أخرى كان الرد هزيلاً واهناً. لقد جلب الغرب على نفسه المتاعب حين بدا وكأنه يسعى إلى عزل الباشتون.

إن الغرب قادر على القيام بدور أفضل من هذا، وليس لدي أدنى شك في ذلك. ولكن الحجج المناصرة للانسحاب واهية، ولسوف يسفر الانسحاب عن عواقب وخيمة في باكستان أيضاً، كما في أفغانستان. إذا إننا نترك أفغانستان لطالبان على أمل أن يتحول أنصار طالبان إلى مواطنين عالميين أكثر تحضراً، ولكن هل فكرنا حتى في العواقب الوخيمة التي قد تتحملها باكستان؟ هنا نأتي إلى مسألة حجارة الدومينو؛ كان تصرفنا خطأ في فيتنام ولكنه ليس خطأً بالضرورة في شبة القارة الآسيوية الجنوبية.

إن أفغانستان تشكل الاختبار الأكبر بالنسبة لحلف شمال الأطلنطي. فقد وعد التحالف بإتمام المهمة حتى النهاية. وإذا تخلى عن المهمة الآن، فترك البلاد للفقر والتحامل وتجارة الخشخاش، فماذا قد يحدث؟

وما الذي يجعل أي شخص في باكستان يتصور أن الغرب جاد في رغبته في دعم هذه الدولة باعتبارها بلداً ديمقراطياً إسلامياً؟ وهل يساعد مثل هذا القرار في تحويل الدفة ضد طالبان؟ وهل يشجع هذا العمال المحترفين وعمال الحضر في باكستان من أبناء الطبقة المتوسطة، الذين يشعرون بالاشمئزاز إزاء تجاوزات المتطرفين، على تصيد وإبعاد الأصولية والتطرف؟ وهل يؤدي هذا إلى تعزيز قوة العناصر المعتدلة في المؤسسات السياسية والعسكرية؟ أظن أن لسان حال الغرب يقول: "يمكنكم الاعتماد علينا، ولكن لا تنظروا إلى أفغانستان المجاورة لكم، حيث ستدركون أنكم لا يمكنكم الاعتماد علينا".

إذا سقطت الأسلحة النووية الباكستانية بين أيدي الإرهابيين، فسوف تكون العواقب وخيمة، حيث سيشجعهم هذا على تصدير الإرهاب. ولنفكر في الهند وكشمير. فكيف ستكون نظرة حكومة الهند إلى المستقبل إذا ما سقطت باكستان بين أيدي الأصوليين؟

يتعين على الغرب أن يتم مهمته في أفغانستان، وأن يؤديها على أكمل وجه. ففي بعض الأحيان تتساقط أحجار الدومينو الواحد تلو الآخر. وهذا ليس بالمصير الذي قدر يرحب به أي إنسان في جنوب آسيا.

* مفوض الاتحاد الأوروبي الأسبق لشؤون العلاقات الخارجية، ورئيس حزب المحافظين البريطاني سابقاً، وكان آخر حاكم بريطاني لهونج كونج، ويشغل حالياً منصب رئيس جامعة أكسفورد، وهو عضو مجلس اللوردات البريطاني.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق