محمد أبو رمان

فن تحطيم الإنسان!

تم نشره في الأحد 19 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

دمعت عيناي، وأنا أقرأ رواية باراك أوباما "أحلام من أبي"، إذ يسرد تلك الرحلة المليئة بالمعاناة والتضحية لأسرته، وأجداده، وحياته في أندونيسيا عندما كان صغيراً، ثم دراسته الجامعية ومعاناته المالية والاجتماعية، واشتغاله بالعمل العام والسياسي.

أوباما، ذو الأصول الكينية وابن الطبقة الوسطى المناضلة، أسمر البشر، أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، الدولة العظمى، بعد سنوات محدودة من اشتغاله بالعمل السياسي والعام.

بينما كنت مستغرقاً في قراءة حياة أوباما، بدأتُ أتابع مذكرات د. عبد المنعم أبو الفتوح، أحد أبرز القادة الإصلاحيين  في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بل في العالم العربي، والتي انطلق نشرُها مؤخّراً في صحيفة الشروق الجديد اليومية.

المفارقة "بسيطة" للغاية بين تجربتي أوباما وأبو الفتوح! الأول أصبح رئيساً للولايات المتحدة، أمّا الثاني فكان يكتب مذكّراته من سجن ليمان طرّة، سيئ الصيت والسمعة، وقد تدهورت حالته الصحيّة (إذ يعاني من مشكلة في التنفس) ونقلته السلطات إلى مستشفى شعبي في أوضاع إنسانية مُزرية، ورفضت معالجته على نفقتها الخاصة بمستشفى أفضل حالاً.

أبو الفتوح لا يقلّ شأناً عن أوباما، بل هو أفضل منه! فهو طبيب متميز، وحاصل على دبلوم في الحقوق وماجستير في إدارة المستشفيات، ثمّ أصبح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، ورئيس اتحاد طلبة جامعة القاهرة سابقاً، وعندما كان طالباً في الجامعة ناظر أنور السادات، وهو ابن أسرة متواضعة في أحياء القاهرة القديمة، كافح وناضل حتى أصبح قامة وطنية رفيعة.

سُجن أبو الفتوح مرات متعددة، ثم هو اليوم يعاد إلى المعتقل على خلفية قضية هزلية عنوانها "التنظيم الدولي" للإخوان المسلمين، وقد زُجّ فيها مع أبو الفتوح بعدد من القيادات الإخوانية من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، وتمثِّل القضية الثانية الكبرى للأخوان خلال شهور معدودة بعد قضية "رجال الأعمال" الأخوان، التي  اعتُقل فيها خيرت الشاطر، ومجموعة من البارزين في القطاع الاقتصادي بتهمة تشكيل الشبكة المالية لجماعة الإخوان المسلمين.

للتذكير، فإنّ جماعة الإخوان في مصر قد أعلنت منذ العام 1977 تخليها عن العمل المسلّح مطلقاً واعتماد الدعوة السلمية وأكّدت قبل سنوات إيمانها بالديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية، وشاركت في الانتخابات النيابية المصرية الأخيرة وحصدت 88 مقعداً بالرغم من التزوير.

مآلات كل من أوباما وأبو الفتوح تلخّص الفرق بين أميركا (والغرب عموماً) ومصر (والعالم العربي عموماً).. هناك الإنسان مقدّس له كرامته وحقوقه الإنسانية والسياسية والمدنية، والعمل السياسي ليس جريمة نكراء ولا حكراً على اتجاه معين، وهو ميدان لخدمة الصالح العام.

هنا، السلطة أداة مفرّقة لأي اجتماع إلاّ الاجتماع لتأييدها والتصفيق والنفاق لها. أمّا العمل السياسي الحرّ فله كُلفة إنسانية وسياسية باهظة، سواء في السجن أو الاعتقال أو حتى الحرمان من العمل في مؤسسات الدولة، وربما المؤسسات الخاصة!

هناك، تزدهر فنون بناء الإنسان والمؤسسات وتنتعش الحريات الحقيقية، فيكون الإنسان إنساناً. أمّا هنا فتزدهر فنون تحطيم الإنسان والمجتمعات والمؤسسات، ليكون الإنسان مخلوقاً مطيعاً مجرّداً من أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية والأدبية تجاه نفسه ودولته وعالمه، ومستقبله؟!

السلطات المصرية تستكثر على الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، والسياسي الإصلاحي البارز، أن يتم علاجه في شروط إنسانية أساسية، فماذا تفعل هذه السُلطات يومياً بالإنسان البسيط؟!

إنّنا نتعرّض لانتهاك يومي سافر لأبسط حقوقنا الإنسانية، فكيف نطلب من الآخرين احترام حقوقنا؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نبارك لك بالدكتوراة ...يا دكتور !!! (العميد المتقاعد فتحي الحمود)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    للتو قرأت حصولك على شهادة الدكتوراة ....ابارك لك وأتمنى لك دوام النجاح والتوفيق !!!!
    لاأرغب بالتعليق على مقالتك اليوم فهذه مسألة تحتاج لاختصاص لاأدعي اني أملكه !!!
    اما بالنسبة لنداء الدكتور السلايمة ...فإنب أحيله لردي عليه حول مداخلته على مقالة دولة الاستاذ طاهر المصري في صحيفتكم !!
    رحم الله تعال امرءا عرف حد نفسه وعلمه ومعرفته فوقف عندها ... اليس كذلك ؟؟؟؟؟!!!!!!!
  • »..... (الرازي)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    أنصفت الرجل والله يا سيد أبورمان
  • »u are great man (salem)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    salam
    i would like to thank u about what u usally write,,u write what normal people feel .
    thanks again
    salem
  • »جملة (وداد السعودي)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    "إننا نتعرض لإنتهاك يومي سافر لأبسط حقوقنا الإنسانية ، فكيف نطلب من الآخرين إحترام حقوقنا "
    جملة تختصر كل ما يراد قوله
  • »إستغلوا أميريكا يا عرب (خالد السلايمة)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    أخي محمد,

    أنا أشكرك على هذا المقال و كخريج للولايات المتحدة فلن أتناول موضوع مصر وإن كان ما تفضلت به صحيح و لكن سأركز على أميريكا.

    على الرغم من الظرف الإقتصادي الحالي الذي تعاني منه أميريكا إلا أنها ما زالت "أرض الفرص" و "أرض الأحلام" بالنسبة للناس. و الدليل أن الناس ما زالوا طوابير و طوابير يريدون الهجرة إلى أميريكا.

    ما أود أن أطرحه هو أن يستغل العرب أميريكا علميآ و طبيآ و تقنيآ. الجامعات الأميريكية هي الأفضل في العالم و ذلك بإعتراف الجميع. المراكز الطبية الأميريكية هي الأفضل في العالم و مراكز الأبحاث الأميريكية هي الأنشط و أكثر إنتاجآ في العالم. على الطلاب العرب و الجامعات العربية أن تغزو أميريكا كالجراد لنأخذ من عندهم ما هو كثير و الأهم أنه متاح للجميع. لا شك أن الحياة في أميريكا مريحة جدآ و خصوصآ للمتدينيين و لذلك الكثير من أبنائنا لا يعودون. و يساعد في ذلك طبعآ أن المجتهد و الشغيل يصل إلى مراكز عليا في كل المجالات بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو مين أبوه أو مين خالته!! لذلك قرر الأميريكيون أن يقودهم رجل أسود و أبوه مسلم!

    بدأ الأميريكيون أن يغيروأ من نظرتهم أكثر عن المسلمين بوجود أوباما. و هم شعب متحضر و يقرأ كثيرآ و يحب زيارة الأماكن التاريخية كثيرآ لأن أميريكا لا يوجد بها شيء تاريخي قديم. علينا إستغلال أميريكا في كل المجالات و العمل على إحضار العرب و الأميريكيين ذوي الخبرات العالية إلى بلداننا للمساهمة في ردم الهوة بيننا و بينهم. و بالمناسبة الشعب الأميريكي يحب أن ينشر العلم و المغرفة التي لديه بعكس بعض الشعوب الغربية الأخرى.
  • »ابدعت (طارق)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    ابدعت
  • »مبارك..نفع الله بك الأمة ..ونفعنا بك.. (رياض شحادة ابوزايدة)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    مقال جميل ..

    ومقارنة أجمل ..

    مبارك الدكتوراه .. وارجو ان تنشر لنا ملخصاً عنها في الغد..

    ولو على شكل مقال اسبوعي تتحدث عنها..

    والاهم بالطبع ؛ مدوناتك عنها وعن حيثياتها.. وكيف بدأت الفكرة..

    رياض شحادة ابوزايدة
  • »هل المشكلة السلطة أم الشعب (بانا السائح)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    لماذالا يعترض الشعب منتهك الحقوق و يعلن رفضه لاستمرارية انتهاك حقوقه؟.يا أخي الشعب الذي يرضى لنفسه المهانه يصبح على غيره أهون!!أعذرني و لكن لا أستطيع أن أفهم مبدأ قبول الاهانة من قبل الاشخاص و يطلبون مساندة الاخرين!!!
  • »سؤال لو سمحت (كرم عبد الرزاق)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    أي النموجين يعتبر الاقرب لنا في الحالة الاردنية تحديدا ، هل النموذج المصري ام الامريكي؟
  • »مقال موفق (محمود)

    الأحد 19 تموز / يوليو 2009.
    في المقارنة بين ما نعاني هنا في عربستان وما نحظى به إن فكرنا ، وبين ما يحظون به هناك في غربستان لقاء معاناتهم وتفكيرهم ، ندرك فن نظمنا ومستخدميها في تحطيم إنسانية الإنسان وفكره من جهة ، والأمل في انتصارنا من جهة أخرى.
    وإحدى الأدلة على هذا الأمل بالانتصار، ترجيح كل منصف كفة وقيمة سجين لا حول له ولا قوة - أو رقم في معتقل ينتظر من سجان أمَّي التفكير،فهم أو أفهم بالأحرى أن هؤلاء المعتقلين مجموعة من المرتزقة ،أعداء للدين والوطن،إخراجه لفترة تشميس لا تتعدى دقائق تشعره انه ما زال حيا - على كفة وقيمة زعيم لأكبر دولة في العالم يستطيع أن يحرك بإشارة من خنصره أساطيلا ومساطيلا وجيوشا منا علينا، وهذا الترجيح هو قمة الانتصار في واقع الانكسار.
    يقول روسو:إن أردت أن تحيا بعد موتك،فافعل واحداً من اثنين،أكتب شيئاً يستحق أن يقرأ،أو افعل شيئاً يستحق أن يكتب.وقد قام عبد المنعم أبو الفتوح وكثير من أمثاله المعتقلين المثقفين بالشيئين في آن معا،حيث كتبوا وفعلوا،وهذا هو الخلود بحد عينه،اتفقنا أو اختلفنا معهم، وخير مثال على ما مضى الشهيد الأديب سيد قطب.
    الكلام يطول ويطول في شؤون المبدعين والمعتقلين وحالهم في بلادنا ومسرحيات التنظيمات الدولية ومتهميها وضحاياها والتي لا تكلف صانعيها (في الدنيا طبعا) إلا عناء اختيار الشخوص والمسميات الرنانة وإمضاء على إفادة ملفقة في غالب الأحيان.
    مقال موفق ..نتمنى الاستمرارية في هذا النهج الكتابي مدافعا عن قضايا الأمة وشعوبها المستضعفة ومعتقليها المظلومين.
    سائلين المولى عز وجل أن يفك أسر إخواننا المأسورين والمعتقلين وكل مظلوم في كل مكان . آمين