د.باسم الطويسي

مشروع لتنمية مائة قرية

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

  أشار التعداد الزراعي الذي أصدرت نتائجه دائرة الإحصاءات العامة قبل أيام الى تراجع الغطاء النباتي نحو واحد ونصف بالمائة، ما يؤكد ان الإنتاج الزراعي والتنمية الريفية تواصل انحدارها الى الأسفل، ويتضح ذلك أكثر بالنظر الى المؤشرات الإحصائية على مستوى القطاعات الفرعية، ما يفيد ان حجم التراجع في القطاعات الزراعية الفرعية المرتبطة بالتنمية الريفية  قد تراجع خلال العقد الأخير أكثر من 25% ، بينما الأمر الذي يفسر الاستقرار الهش للمؤشرات العامة هو ازدياد حضور سوق الأعمال في بعض أنماط الإنتاج الزراعي.

  ليست المشكلة في نمو الاستثمار في الزراعة، بل المشكلة حينما يتم ذلك على حساب التنمية الريفية، التي تشكل العمق الحقيقي للأمن الغذائي الوطني، وليست المشكلة في اتجاهات قطاع الأعمال الزراعي الذي يبحث بالطبع عن أنماط زراعية مدرة للأرباح، وبكلف اقل وأسواق مضمونة، كما هو الحال في سلوك السوق في كل مكان، بل المشكلة في غياب السياسات العامة المعنية بحماية التنمية الريفية والتي عملت على  إفراغ الأرياف الأردنية على مدى أكثر من ثلاثة عقود مضت من ملامحها الإنتاجية الفعلية ومن مقومات الإنتاج الريفي المحلي وصولا الى فقدان الناس هناك  للاستقرار؛ ما يفسر حال مئات القرى الأردنية الى تحولت خرائب بعد ان أصبحت الحياة فيها شبه مستحيلة.

 دخل عام الزراعة نصفه الثاني، من دون وجود اتجاهات جادة وواضحة المعالم تسير نحو المقاصد والغايات التي ذهب نحوها الإعلان الملكي نهاية العام الماضي والذي هدف الى تكريس الجهود الوطنية في هذا العام في مجال الخروج بحزمة من السياسات والتشريعات التي تعيد الاعتبار الاقتصادي والتنموي للزراعة، ومن الواضح ان الشهور القادمة ستنهي  قصة عام الزراعة بأكملها حتى على مستوى الإعلام إذا ما عادت الطبيعة الى عنادها واستمر الجفاف وانحباس الأمطار لهذه السنة أيضا.

  هل قصة التنمية الريفية مستحيلة في الأردن؟ هناك اتجاهات داخل النخب الرسمية وعلى هوامشها تحاول منذ سنوات ترويج هذه النتيجة وبيعها الى صناع القرار والمجتمع والدولة معا.

  على الرغم من كل ما يتردد من تشاؤم حول مستقبل الزراعة لجهة ندرة الموارد المائية فان هذا الواقع لا يبرر ان تنتحر البلاد زراعيا تحت وطأة الخوف من ندرة الموارد المائية ونحن نتخبط حتى في إدارة هذه الندرة، بالفعل هناك انتحار لقطاع الزراعة بدأ ببطء منذ حوالي ثلاثة عقود ثم تصاعد حتى وصلنا اليوم الى التعامل هذا القطاع الحيوي وكأنه جزء من الفلكلور الوطني لا أكثر نحتاج فقط الى وجوده الرمزي، ونتذمر منه بالسر والعلانية باعتباره عبئا على الاقتصاد الوطني.

  التنمية الريفية لا تعني فقط الزراعة، بل هي حزمة متكاملة من السياسات والممارسات التنموية المحلية التي تتعامل مع المجتمعات المحلية الصغيرة والمتوسطة كوحدات إنتاجية متكاملة، قادرة على إعادة تدوير قيمة مضافة للاقتصاد الريفي في الزراعة الحديثة وفي التعاونيات وفي الصناعات الغذائية وفي المدخلات الصناعية لمئات السلع. لقد عملت منهجية الإدارة التقليدية على مدى عقود في ترسيخ مركزية من نوع آخر ابرز ملامحها مركزية  المدن الرئيسة أو عواصم المحافظات على حساب مئات القرى حيث دائما ما كانت تلك المدن تُخص بكل عوائد التنمية والخدمات باسم المحافظة، بينما بقيت الأرياف ومئات القرى خارج حدود خطط التنمية ومشاريعها، ما جعل الحياة في تلك القرى التي تفتقد للبنى التحتية وابسط الخدمات تصبح شبه مستحيلة.

 لنتصور مشروعا تنمويا جادا يستهدف مائة قرية أردنية، بهدف تحويلها الى وحدات إنتاجية ريفية حقيقية، تمُكن الناس من الاستقرار وان يتحولوا بالفعل الى منتجين، لنتصور فكرا تنمويا جديدا يستهدف المجتمعات المحلية الصغيرة والمتوسطة البعيدة عن المدن الرئيسة، يوفر لها الخدمات والبنى التحتية الأساسية يجاور ذلك حزمة من السياسات الإنمائية تدفع نحو وحدات إنتاجية ريفية متعددة الإنتاج ومتكاملة حينها يمكن الحديث بجدية عن استعادة الزراعة وبداية التصنيع. 

التعليق