"الحريديم" لمحاربة فلسطينيي 48

تم نشره في الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

أثارت تصريحات وزير الإسكان الإسرائيلي العنصرية أريئيل أتياس، من جديد، مساعي المؤسسة الإسرائيلية لمحاربة وجود فلسطينيي 48 في وطنهم، بواسطة "أداة جديدة"، ممثلة باليهود الأصوليين المتشددين دينيا، أو كما يسمونهم باللغة العبرية "حريديم"، الذين نسبة الولادات لديهم تعتبر من الأعلى في العالم، إن لم تكن الأعلى، تضاف إلى أدوات وأساليب تضييق الخناق القائمة منذ عشرات سنوات، وتهدف إلى تضييق الخناق على فلسطينيي 48 لمنع تطورهم ودفعهم الى الرحيل.

وكان أتياس هذا، وهو من حزب "شاس" الأصولي لليهود الشرقيين، قد قال في "محاضرة" له أمام نقابة المحامين في تل أبيب يوم الخميس الماضي، إنه "قلق من انتشار" فلسطينيي 48 في منطقة وادي عارة، المحاذية لشمال الضفة الغربية، "وحذر" من أن السكوت على هذا الانتشار سيُفقد إسرائيل السيطرة على منطقة الجليل، الشمالية ذات الأغلبية الفلسطينية، وأعلن عن مساعيه لإقامة مستوطنة خاصة بـ "الحريديم" في وادي عارة، لزرع الاستيطان اليهودي في تلك المنطقة.

إن سياسة التمييز العنصري الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 48 ومحاولات اقتلاعهم من وطنهم، لا تغيب للحظة عن جدول أعمال واضعي ومنفذي هذه السياسة، ولا عن جدول أعمال الضحية المباشرة لهذه السياسة، وداعميهم، إلا أن هذه التصريحات هي مناسبة لتسليط الضوء على إحدى الأزمات التي يعايشها المجتمع الإسرائيلي في داخله، وقد عولجت قبل فترة في "الغد"، وهي مسألة التكاثر السريع لجمهور "الحريديم" في هذا المجتمع وقلق المؤسسة الرسمية من ازدياد نسبهم لاحقا، ليكونوا ذوي وزن سياسي اكبر مما هو عليه اليوم.

فالحريديم، ليسوا كباقي الفئات الأصولية في جميع الأديان، وهم ليسوا جزءا من الحركة الصهيونية لا بل يعادونها من منطلقات دينية بحتة، على أساس الاعتقاد بأن "مملكة إسرائيل" تقام فقط بعد مجيء المسيح لأول مرة إلى العالم، ولهذا فإنهم في سنوات ما قبل العام 1948 رفضوا فكرة إنشاء "الدولة"، من حيث المبدأ، واعتبروها كيانا غير شرعي دينيا.

ولكن بعد العام 1948 انقسم هذا الجمهور إلى مجموعتين، وبالإمكان القول إن غالبيتهم بقيت متمسكة بمواقفها، وغالبية هذه الغالبية تقيم خارج إسرائيل، وبالأساس في نيويورك، ومنها أقلية متواجدة في إسرائيل، من بينها حركة "ناطوري كارتا" المعروفة أيضا في وسائل الإعلام العربية، نظرا لتشددها في رفض الكيان الإسرائيلي وسياساته العنصرية.

ولكن المجموعة الثانية قررت التعامل مع هذا الكيان، ككيان مؤقت لتسيير الأعمال، وأقامت أحزابها، التي تنخرط في الائتلاف الحاكم غالبا، ولكن اهتمامها بالأساس في الشؤون المدنية فقط، وحتى قبل سنوات، لم يكن لها موقف واضح من مسألة الاحتلال الذي بدأ في العام 1967، وحتى منها من أيد اتفاقيات أوسلو وما قبلها وبعدها من اتفاقيات سلام.

إلا أنه في السنوات الأخيرة، خاصة ما بعد العام 2000، بدأت سلسلة من التحولات في هذا الجمهور الذي قرر التعامل مع "الكيان المؤقت"، وبدأت قيادات أحزابه تتمسك بمواقف يمينية متشددة، لم نعهدها من قبل، وبات يهمها استمرار الاستيطان وتوسعه، وهذا نابع من عدة أسباب، ومن الصعب جدولة أهميتها لكونها كلها متداخلة، وتقريبا بنفس المستوى من الأهمية.

ولكن العامل الأبرز المتداخل في جميع الأسباب هو التكاثر السريع لهذا الجمهور، الذي تشير التقديرات إلى أنهم يشكلون اليوم 14% من مجمل اليهود في إسرائيل، وقد تقفز نسبتهم إلى أكثر من 24% بعد عشرين عاما، فحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فإن نسبة الولادات لديهم ما بين 7 إلى 8 ولادات للمرأة الواحدة، مقابل 3,7 ولادة للمرأة الفلسطينية، وحوالي 2,2 ولادة للمرأة اليهودية من غير الحريديم، وفي حين أن معدل الولادات لدى جميع القطاعات في إسرائيل من عرب ويهود في تراجع مستمر، فإنها لدى جمهور الحريديم تتراوح ما بين الاستقرار وبين التوجه إلى الأعلى.

ونظرا لخصوصية هذا الجمهور المنغلق على نفسه اجتماعيا، ويعيش في مجتمعات مغلقة أشبه "بكومونات" تعتاش على المخصصات الاجتماعية، وغالبيتهم لا تنخرط في سوق العمل، ولا في جيش الاحتلال، فإنهم باتوا بحاجة أكثر إلى أحياء خاصة بهم، أو حتى بلدات لهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن احتياجاتهم للأموال ازدادت أكثر مع ازدياد عددهم، وأحد أكبر الموارد للأموال التي يحتاجونها هي من الخزينة الإسرائيلية الرسمية.

ومن جهة أخرى، فإن تكاثرهم بات أيضا يهدد المجتمعات المدنية اليهودية نظرا للتقييدات الدينية المتشددة التي يريدونها في أحيائهم، ونشهد في الأيام الأخيرة استئناف الصدام بينهم وبين العلمانيين في القدس، على خلفية فتح موقف ضخم للسيارات أيام السبت.

وهنا حصل التقاء مصالح، رغم تناقض دوافعها، بين المؤسسة الرسمية وبين هذا الجمهور، فالمؤسسة تريد ابعادهم عن التجمعات المدنية الكبرى، وأغرتهم ببناء المستوطنات في الضفة الغربية، وقبلوا بهذا حتى باتوا الجمهور الأكبر المتوجه إلى المستوطنات في السنوات الأخيرة، واليوم تريدهم السكن بالقرب من تجمعات فلسطينيي 48، من أجل منع انتشارهم، وأيضا كما يبدو يقبل الحريديم بذلك مقابل إقامة تجمعات خاصة بهم.

ومن هنا، فقد بات لهذه الأحزاب مصلحة بالاحتلال واستمراره، من ناحية جغرافية، ولكن أيضا من ناحية سياسية، إذ إن مسايرة المؤسسة الرسمية الحاكمة، يجعلها تنخرط أكثر في هذه المؤسسة، "وأقرب إلى كعكة ميزانية الدولة"، ومن انعكاسات هذا أننا بتنا نسمع مواقف يمينية سياسية متشددة أكثر من أحزاب جمهور الحريديم، وخاصة من حزب "شاس" الذي يعتبر الأكبر، كون نفوذه يمتد أيضا إلى أوساط اليهود المحافظين دينيا، بين اليهود الشرقيين، وليس فقط الأصوليين.

وكما في هذه النقطة بالذات، نحن أمام مرحلة جديدة قد تقود لاحقا إلى مواجهة مباشرة بين فلسطينيي 48، وبين جمهور الحريديم، في حال تحققت سلسلة من المشاريع لتوطينهم قرب البلدات العربية، أو في مدن فلسطينية تاريخية باتت ذات أغلبية يهودية، مثل عكا واللد والرملة وغيرها.

Barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق