نادر رنتيسي

بنت السلطان لا تأتي دائما!

تم نشره في الجمعة 3 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

حين تخرجُ من بيتها صباحا، ترتخي دفّات دواوين الشعر، وتصير حروفها هواء يُحرِّكُ أطراف شَعْرِها، وعندما يعجز حبل الكلمات عن تطويقها، تحقن المفردات نفسها بالموسيقى، وتصير أغنيات تقترحُ امرأة لم يُنجز وصفها..

في خطوات قليلة تمشي..، فتركضُ وراءها موسيقى تحملُ آلاف المفردات الحُبلى باستعارات مخدوشة، محفوظة في كلمات.. "كالكلمات"!

لا تتأخر في مشيها لتستسيغَ لحنا نادبا، يُصوِّرها أميرة بين النساء، تتلذذ بتسريب ألم فتنتها، فينام الواهمون على "وسائد خالية"، يفرطون في جلد قلوبهم التي حاولوا لصقها بأثر "مُستبدة" الحُسْن، يمضون في سرد الوجع أغنيةً على مسمعها. لكن كثيرين منهم يخالفون المغني، ويتمنون لو يستديرون خواتمَ..، تفوق بكثير أصابعها العشرة!

وتمشي، لا تطمئن إلى زينتها في المرآة، فالخالُ في مكانه، رسْم شديد الاختصار لحجر أسود على ساحل أبيض؛ يحرسُ أنفاسها، ويُعطر كلماتها القليلة بعنبر بحري المزاج. خالٌ منذ كانت صغيرة سمِعَتْ صيته في الأغنيات التي قالت إنها "أحلى صبيّة"، فصار بريدها مثقلا بالمراسيل التي لم تشجُّ رأسَها، وتقرأها، وتسمع كلاما معروقا بالحمّى. تركَتْ المراسيل مغلقة في رؤوس كتابها الذين تكاثروا، وتورّم حلمهم، وتقلص أملهم إلى الموت السريع "على دينها"..

ولا تلتفتُ في أي اتجاه، فهي تعرفُ الحكاية، وترويها دائما، ولا تتواضع حين تحكي كيف التصق "المجد" ذاته باسمها..، وبثلاثة أحرف فقط!!

كان ذلك قبل خمسة وعشرين عاما، حين اختارت لميلادها زمنا دقيقا مثل "الميزان"، فلم يحدث أبدا أن التبس عليها الوقت، فعاشت كل عُمر..، ملء العمر، كما لم يحدث أن اختل نبض قلبها أمام أي ريح، يكفيه بعض هواء يُغني ما أسقطه المغني، ولم يشهد به على الملأ، أن لا امرأة تركتْ الأسئلة تحت شعرها، الخثر مثل نهر شديد السواد في مشهد ليلي يفصل بين ضفتين،..وأنها لفرط ثقتها لم تجب يوما عن سؤال؛ فهي اللغات كلها "لكنها تلمس بالذهن ولا تقال"!

وكم يحزنها أن تذهبَ محاولات تشكيلها إلى تشبيهها بنساء أخريات، فيقسمُ منْ يراها أنها تلك النجمة الشهيرة التي يفكر لحظات قبل أن يركبَ اسمها بشكل مضبوط، فيصرخ مسرورا:" سمية الخشاب"..، ولا تبتهج لأنها نجمة ورد اسمها بشكل مغلوط!

.. وتحكي حين يستعصي لغزها، وتخشى أن تختلط الحقيقة بالخرافة، بعد أن صار منْ يسقط في اختبارها يظنها "امرأة نزارية" ينتظر ليستوعبها أنْ تكتبَ "يومياتها اللامبالية".. تروي كيف كبُرتْ في ظل سلطان أبيها، أنثى تخفتُ الشمس أو تشتعل وفق فصولها، مدللة مثل سماء تبالغُ في حبِّها، وتكتبُ لها، ولما تفرط في وهمِكَ وتحسها قريبة تمشي إليها حتى نهاية النظر..، حين تظنُّ أنها في متناول الكف، وإذ تبلغ الترابَ وتتخيله سرابا تسألُ عنها "فيروز الشطآن"!   

لم تبسط كفها إلى سلام، أو تُطِلْ الحديث حتى يكتمل المعنى؛ فهو دائم النقصان لديها، ومن يريدُ له الاكتمال يتوهمه، أو يغنيه ولا يزيد كثيرا بعد أن يقرُّ أنها "أهم امرأة في الدنيا"، لكنه يظل مسكونا باللحن المجنون الذي يسحبه من ياقته حول قصر مرصود، تحرسه جنود السلطان، تسكنه ابنته التي "ضحكتها موسيقى وورود". ويقترب النزِقُ من سور حديقتها، من حجرتها، من يدها..، ولا يدري أنه "مفقود"!

ولا تفرحُ كثيرا "بنت السلطان" لأن الهوس بفك كنهها يدفع الماشين بأثرها؛ سُكان "مدن الأحزان"، إلى قراءة أقاصيص الأطفال، ودخول قصور ملوك الجان ليتعثروا بظلها؛ فهي امرأة واقعية. أنا شخصيا قلتُ لها بالأمس:"صباح الخير"، وأجابتني بلطف "موزون"!

.. حين تؤوب إلى بيتها مساءً تكون الطريق خالية، فهي لم تتعود أن تسلك دربا مرتين. ويكون في الطريق الأولى هناك منْ يهذي بأن تأتي بنت السلطان ثانية!! 

Nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حلم (ahmad)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    تلك هي حلم كل رجل... تحياتي للكاتب
  • »ليس مثله كلام (سعد العورتاني)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    اني اخالف رأي مواطن مو فاهم و فاخر واقول نحن عندما نقرا

    للكاتب نادر الرنتيسي نجد كلامات معبره جميله تدعونا الى التفكير في ما يقصد الكاتب

    وهذا برأيي افضل بكتبر من الموضوع ذات المقصد الواضح

    والكاتب يتبع اساليب جديده وجدا جميله في كتاباته التي تفوق قدرات القارئ العادي

    بل تحتاج الى مثقفين ذات مستوى عالي حتى يصلوا الى المقصد وممكن

    ان يكون عكس ما يتوقعون

    احسنت ايها الكاتب كل اسبوع تفاجئني في مقال اجمل من الذي قبله
  • »mmmm.... (MOX)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    Perfecto0 ! what an article !
  • »صديقتي بنت السلطان (ghada)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    أحلى بنت السلطان بالعالم..
  • »؟؟ (tala)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    نفس المواضيع تكرر ذاتها باستمرار.. تعرفُ رأيي فيما تكتب لكن شيء ما في سطورك يعرّف باستمرار عن هويتك الأدبية.. ننتظر المزيد لكن خارج غرفتك لتتحرر مفرداتك
  • »بنت السلطان (يوسف العواد)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    تبقى بنت السلطان حلم كل كائن حي. يبحث عن الحقيقة والجمال او اي قضية انسانية في هذا الكون وطريقها صعبة ومحفوفة بالمخاطر لمن يريد ان يتعرف عليها او يدنوا من سور حديقتها .وستجد من يقاومك و يعذبك ويسجنك او حتى يقتلك.وبنت السلطان تحب كل من تسامت روحه عن سجن جسده . وهي موجودة دائما في كل طرقات الكون.
  • »علي ما علي.... (وحدة)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    والله يااستاذ علي ماعلي انك بتسمع لكاااااااااظم الساهر...بس شاطر استوحيت كثيييييير من كلماته...صح؟؟ولا غلطان؟؟؟؟
  • »فاضي (فاخر)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    حاس يا أستاذ نادر إنك رايق وفاضي حتى تكتب مواضيع مثل هيك ولا الموضوع عندك إستعراض عضلات في فن الكتابة دون النظر إلى أهمية الموضوع وأختلف مع الأخوات عبير ورنا في مدح الموضوع وأؤيد كلام مواطن مش فاهم بعنف ليس هدفي الجلد والنقد
  • »woow (reem)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    WOW..seriously one of the best articles i've ever read..i think u're a great writer with a great muse..alah eywaf2ac
  • »حلو (ريمان)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    الموضوع كتير حيلو فريد من نوعةوصف جميل دقيق وغريب . حلو كتير حلو .
  • »الموضوع رائع الى الامام وبتوفيق يا نادر (غزل)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    يا ابن السلطان
  • »عالم فاضية (مواطن مش فاهم)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    يعني ايش المهم بالموضوع ولا هي بس اكتب وامشي
  • »شعر (رنا سمارة)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    هذا شعر حقيقي يصهر المعاني والأغاني في مفردات لم نألفها . أغاني عادية نسمعها نقرأها هنا كأنها قصص حية أو كأنها قصصنا
  • »مو معقول يجنن (عبير)

    الجمعة 3 تموز / يوليو 2009.
    من اجمل الكتابات يااستاز.