محمد أبو رمان

برنامج إنقاذ وطني وخريطة طريق

تم نشره في الأحد 28 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

"جرت مياه كثيرة" خلال السنوات الأخيرة، وتغيّرت المعادلات والعلاقات التي كانت تحكم المشهد العام، فخلقت أسئلة واستحقاقات وتحديات كبرى، قابلتها إجابات قاصرة ومحاولات نخبوية ضيقة، ساهمت بدورها في تجذير الأزمات ومنحها طابع الجدية والخطورة، لضربها على أوتار حساسة وحيوية.

بالأمس لخّص د. فهد الفانك جوهر الأزمة الحالية، في مقاله "نهاية الإدارة الأردنية" (في الزميلة الرأي)، عندما تحدّث عن العطاءات الحالية والسابقة في مجال التخطيط وإدارة المطارات والبريد والمؤسسات الاقتصادية والإدارية، وحتى في العلاقات العامة وتسويق المشاريع الحكومية، إذ باتت تُمنح جميعها إلى شركات أجنبية وخاصة، بينما هنالك عشرات الآلاف من الخبرات الأردنية المهاجرة والمُعطّلة.

السؤال الأكبر المتواري في مقال الفانك يتمثل بدراسة الأسباب التي أدت إلى هذه "النهاية المؤسفة" بعد أن كان الأردن أنموذجاً في الإدارة العامة وكفاءة الطاقات الإنسانية والتعليم والصحة وهيبة الدولة!

تغطس وراء هذا السؤال عشرات الأسئلة عن تدهور القطاع العام ومؤسساته الحيوية خلال السنوات الأحيرة وأزمة المعادلة السياسية (ضعف المؤسسات الدستورية) والعنف المجتمعي المتزايد والفساد والترهل..الخ.

فمن يستطيع أن يتنكّر لأزمة التعليم في الأردن، سواء الأساسي أو الحكومي أو العالي، ومخرجاتها المقبلة المرعبة، أو أزمة القضاء، والبرلمان، والإعلام الرسمي، والقيم الوطنية والثقافية، ووزارة الصحة، والضغوطات التي تتعرّض لها الطبقة الوسطى.

ثمة مقاربتان سادتا في أوساط القرار والتفكير في رسم السياسات العامة في السنوات السابقة، الأولى تنتمي للمدرسة الاقتصادية (الليبرالية الجديدة)، وما تزال الحاكمة في المسار الاقتصادي، بالرغم من خروج بعض رموزها من اللعبة، والثانية تتبنى المقاربة التقليدية والإمساك بالمعادلات التاريخية التي حكمت الدولة في العقود الماضية، وهذا ما لا يمكن تصوره مع تفكك الروافع التي كانت تحملها.

أبرز ما يميّز اللحظة الراهنة، بعد محاولة معالجة جوانب من الخلل، بواسطة عمليات الإزاحات والتغيير في إدارة المعادلة الداخلية وأدوار مؤسسات الدولة، هو الضبابية وعدم القدرة على رؤية متر واحد إلى الأمام.

يرى بعض السياسيين أنّ "الأزمات الحالية هي أعراض طبيعية لمخاض الإصلاحات الاقتصادية". هذا القول ربما يكون دقيقاً، لو كان قطار الإصلاح الاقتصادي على السكة الصحيحة له، لكن سياساته الحالية تُسقط قطاعات حيوية من حساباتها، كالسياحة والصناعات التحويلية والنقل الإقليمي، أمّا أخطر ما في هذه السياسات أنّها تجفف البنية التحتية (التعليم العام) لقوة الدولة ومواردها الاقتصادية، وتضر بالشريحة الكبرى من المواطنين غير القادرة على التكيف معها، ما يرفد عوامل التوتر الاجتماعي- السياسي.

من جهة أخرى، فإنّ البرنامج الاقتصادي، الذي سيطرت عليه غواية "الحلول السحرية" والنماذج الاقتصادية الوهمية، يواجه اليوم عجز الموازنة ومعضلة "الدوران حول الذات" في الديون ومعدلات البطالة والفقر، ويمارس سياسة "الهروب إلى أمام"، باللجوء إلى بيع ممتلكات الدولة وأصولها، وتضمين أخرى للشركات الأجنبية، والاكتفاء بدور "الجابي" للضرائب والرسوم وعوائد الخصخصة والمساعدات الخارجية.

أبرز ما تشير إليه إحداثيات اللحظة الراهنة، فشل رهانات البعض على حكومة تكنوقراطية منزوعة الدسم السياسي، مع برلمان مقزّم ومدجّن، لأنّ هذا "التفريغ" للسطح السياسي، أضعف تماماً روابط الصلة بين المواطن والحكم، وأنبت في القاع ما يهدد السلامة الوطنية بصورة واضحة، ودفع إلى التطاول على هيبة الدولة ومكانتها.

من الخطأ المبالغة في حجم الأزمات والتحديات، أمّا الخطيئة فهي "دفن الرأس في الرمال". وقد آن الأوان لبرنامج "إنقاذ وطني" تشهره حكومة كفؤة، تقودها شخصيات سياسية من طراز رفيع، تحظى بالقبول والمصداقية، وتقدم تصوراً توافقياً تشاورياً وخريطة طريق للمرحلة المقبلة المصيرية، تتزامن مع انتخابات نيابية مبكرة ترد الاعتبار لهذه المؤسسة الدستورية ومكانتها.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سلمت يداك على هذا المقال الرائع (د .عزام عنانزة- جامعة اليرموك)

    الأحد 28 حزيران / يونيو 2009.
    لا شك ان ما جاء على لسان الكاتب و الزميل الاستاذ محمد ابو رمان المحترم و كذلك ما جاء في المقالين لكل من الاستاذ فهد الفانك و الاستاذ ياسر ابو هلالة ...
    ما هو الا انعكاس و ترجمة حقيقية للوضع المأساوي الذي يمر به بلدنا الحبيب. ان الاردن اصبح بلد الشعارات الزائفة و التي اشبعتنا جعجعة ولم نر طحنا. اذا كانت هذه المقالات و غيرها الكثير لا تصل الى اصحاب القرار فهي مصيبة اما اذا كانت تصل الى اعلى مسؤول في هذا البلد و يتم تجاهلها فالمصيبة اعظم. بارك الله فيك على هذه المقالة الرائعة .
  • »الاصلاح المطلوب (naser rhamnah)

    الأحد 28 حزيران / يونيو 2009.
    لا يمكن لاي اصلاح سياسي اواقتصادي ان يأتي بالفطرة.بل لا بد من البحث والدراسة والتأني مع الحزم واعتبار البيئة المحيطة واولوياتها.هذا من جانب ومن جانب اخر لا بد من اخذ مؤسسات الدولة واحدة واحدة ومعرفة ايجابياتها وسلبياتهاومن ثم الاصلاح ,على لن يكون لنا نحن الشباب بعض الدور ولو من باب الداعبة في ما يجري,خاصة الشباب الذين كانوا وكنا ننتمي الطبقة الوسطى التي تعيش اياما صعبة جدا .كان الله في عون الجميع وحمى الله الاردن وقيادته وشعبه الابي.وكل الاحترامللكاتب ابو رمان.
  • »مثال واحد فقط (جمال الدهامي)

    الأحد 28 حزيران / يونيو 2009.
    سأعطي مثال واحد فقط يؤيد ما ذهب اليه السيد كاتب المقال وشيخ الكتاب الاستاذ فهد الفانك يحدث في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وهو دليل قوي على هذا التوجه الذي يتنازل عن مقدرات الوطن لصالح مجموعة من السماسرة والمتاجرين بالوطن.
    فقد عقدت شركة تطوير العقبة(الذراع الاستثماري للمفوضية)شراكة مع شركة يقال انها محلية لتنظيم الدور للشاحنات الداخلة لموانيء العقبة المختلفة يقوم على برنامج محوسب تم تنزيله على اجهزة حاسوب خادمة(servers)موجودة بالولايات المتحدة الامريكية(وهذا الامر يدعو للاستغراب طبعالان الهدف من هذا الامر هو قطع الطريق على شركة تطوير العقبة للتراجع عن هذه الشراكة)ومن بنود هذا الاتفاق ان تجهز شركة تطوير العقبة كل ما يلزم من بنية تحتية وموظفين وخلافه وما على الشريك الا تقديم البرمجيات على ان تتقاضى شركة تطوير العقبة 15% من العوائد مقابل 85% للشركة ,فأذا علمنا ان عدد الشاحنات في الاردن هو حوالي 11000 شاحنة(احصائية رسمية)يدخل منها يوميا الى العقبة (كحد ادنى) 2000 شاحنة للتفريغ والتحميل من الموانيء المختلفةوأن على كل شاحنة ان تدفع مبلغ 8 (ثمانية دنانير)فقط مقابل تنظيم الدور لهذه الشركة فيمكن بحسبه بسيطة معرفة ما تحصل عليه شركة تطوير العقبة(2400دينار)يوميا فيما تحصل الشركة على (13600 دينار) طبعا برضه يوميا , فبالله عليكم هل يستطيع عاقل ان يفسر لنا هذا الامر؟ولصالح من تذهب هذه الاموال وبهذا الحجم يوميا؟؟ وهل عجزت الادارة الحكومية الاردنية عن تصميم مثل هذه البرمجيات لتنظيم الدور او على الاقل شراءها اذا عجزت عن بناءها وتصميمها ؟؟الا يصاب المواطن بالقهر والغبن عندما يشاهد مثل هذه الشراكات الاستراتيجية؟؟
    نحن نتسائل مع كاتب المقال ومع الدكتور الفانك :ماذا يحصل عندنا بالبلد ولصالح من تدار مثل هذه الشراكات ؟ وهل فعلا عدمت الادارة الاردنية الوسيلة لتوقع هكذا اتفاقيات كلها غبن تذهب بالمال العام الى جيوب حفنة من السماسرة من طبقة الكمبرادور الجديدة التي وجدت لها متنفسا من خلال الليبراليه الاقتصادية التي حطت على قاموسنا السياسي والاقتصادي واصبحنا نتبارى بالترويج لها بينما هي فشلت فشلا ذريعا في البلاد التي كانت مهدها.
  • »أهم ما ورد بالمقالة (المحامي رأفت خليل البهـــادلــة)

    الأحد 28 حزيران / يونيو 2009.
    هناك تطاول على هيبة الدولة ومكانتها من القطاع الخاص والتدخل في عمل الحكومة والتشكيك في المنجزات الوطنية, حتى المسؤولين في القطاع العام اصبحوا يشعرون بأنهم بلا حول ولا قوة امام تغول القطاع الخاص والنفوذ المصلحي على حساب الدولة, لقد فقد المسؤولين وهم على مقاعدهم ايمانهم بالرسالة التي يقومون بها في هذا البلد, نتيجة للخروقات والواسطات والمحسوبيات والفساد والتدخلات هناك شعور بالأحباط العام, نعم هو مرض بدأ يتفشى وينخر حتى العظم في جسم الدولة. واذا لم نصحوا من غفلتنا ونقوم بوضع الامور في نصابها, فهناك خطر عظيم يتهدد وجودنا كدولة قانون ومؤسسات.
  • »ما تقترحه ضروري وصحيح ... !!!! (العميد المتقاعد فتحي الحمود)

    الأحد 28 حزيران / يونيو 2009.
    إبتداء لم تكن بحاجة يامحمد للاستشهاد بمقالة الفانك " الهجينة " لتبدأ فيها مقالتك الرائعة ... ويكفي ما كتبه زميلك ياسر عنها اليوم وبجوارك !!!
    من دون مجاملة وأنت تعرف والقراء انني لاأجامل ولكنني أشجع الشباب الواعد .... فلقد أصبت كبد الحقيقة المرة والموجعة التي نعيش فصولها هذه الايام في بلدنا الحبيب .
    عديد القضايا المطروحة غير قابلة للتبويب او العد ... فهي كثيرة وتكسر الظهر !!!
    لابد من التغيير وقد آن اوانه وحان قطافه ... فلا يعقل ان نستمر بالوضع الذي نحن عليه ىخطوة واحدة الى الامام !!!
    هناك وزراء في هذه الحكومة لم نسمع منهم ولاعنهم ولا كأنهم وزراء يمارسون مسؤوليات محددة ... وأحيانا تجدني أسأل صديقا هل لايزال فلان وزيرا ؟؟ فبجيبني بالايجاب .. فأقول له لم نسمع عنه شيئا !!!. فبجيبني الصديق المشترك : " سياسة فلان هي .. حط راسك بين الرووس ....الى آخر اتلمثل الشعبي المعروف " .
    أنا لاأحب المقارنة ... ولكنني عرفت وزراء عن كثب من العتيقين واحدهم بمائة من وزراء اليوم !!!
    كيف ؟ أحيل الاجابة للوزراء الصامتين عن الكلام المباح ...كان الله تعالى في عون الاردنيين على بلواهم . زولتسلم اليد التي خطت سطور المقالة التي تحتاج لتدقيق عميق لغايات قصد الكاتب بارك الله فيه !!!