جميل النمري

نساء السويد!

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

شقراوات فاتنات، بعيون زرقاء وقامات فارعة هكذا هي الصورة المسبقة في الذهن عن النساء في السويد، ولم تكن مضيفتنا كذلك.

كان موعدنا المسائي في استكهولم مع مسؤولة القطاع النسائي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي حكم السويد لأكثر من اربعين عاما صانعا أرقى نموذج للديمقراطية والرفاه الاجتماعي في العالم. وكان مقر الحزب خاليا تقريبا لأن اليوم التالي عطلة وطنية بمناسبة أطول يوم مشمس في السنة. كانت درجة الحرارة 9 مئوية ونحن في اسبوع ذروة الصيف ويعتذر المضيّفون أن الأمر ليس دائما كذلك!

استقبلتنا في القاعة المخصصة سيدة ذات شعر أسود كثّ مربوعة القامة، متواضعة الهندام، فاعتقدت أنها عاملة أجنبية في المقر، حتى جلسنا، فتوسطت الآخرين قبالتنا ورحّبت بإنكليزية طليقة فاكتشفنا انها زعيمة نساء السويد، وهي كردية الأصل، جاءت مع أبيها طفلة، وهي الآن أم لولد وفتاة حضرا اللقاء وأكلا معنا التورته الموجودة على الطاولة وتحرص هي وزوجها، كما تقول، على تربيتهما على الاعتزاز بهويتهما كمسلمين وأكراد إلى جانب مواطنتهم السويدية، وهي كانت نائبا في البرلمان لعدّة دورات لكنها بوجود طفلين قررت أن تترك عضوية البرلمان! والتفرغ لزعامة المنظمة النسائية للحزب فهي أهم لها، كما قالت.

ماذا لدى النساء السويديات ما يستوجب النضال بعد؟! قالت محدثتنا أن النساء يحصلن مثلا على إجازة أمومة 18 شهرا، وبراتب مدفوع بنسبة 80% لكن، هذا العبء يدفع الشركات للتمييز ضدّ النساء في التوظيف، فكان اقتراح الزعيمة النسائية أن تكون إجازة الأمومة قابلة للمنح لأي من الأب أو الأم على قدم المساواة، ويمكن تقاسمها بينهما بأي نسب، فقد تقرر الأم ان تبقى في العمل ويأخذ الأب اجازة الرعاية للطفل كاملة، أو قد تأخذ الأم الأشهر

الأولى، ثم يكملها الأب، ويعود ذلك للزوجين أن يقررا!

بهذه الطريقة ينتهي التمييز ضدّ المرأة، لأن الاجازة لم تعد تخص جنسا دون الآخر. وقد وقف أمين عام الحزب السابق ضدّ هذا الاقتراح لأنه، كما قالت محدثتنا، صاحب عقلية محافظة، وقد تصادمت معه وتحدته قائلة "انا سأبقى وانت سترحل"، وتضيف ضاحكة وبلهجة تظهر شخصيتها القوية والعنيدة "ها انا امامكم وهو رحل وأنا متفائلة الآن بإقرار هذا الاقتراح".

الطبع القيادي لدى هذه المرأة لم يكن طارئا إذا عرفنا أنّ والدها كان قياديا في حزب جلال الطالباني، ويمت له بصلة قرابة. لكن أي صفات قيادية يمكن أن تجعل من امرأة وافدة من بلد وعرق ودين آخر زعيمة لنساء بلد يتمتعن أصلاً بمشاركة لا مثيل لها أكان في سوق العمل أم السياسة حيث 52% من نواب الحزب في البرلمان من النساء. لا بدّ أن ثقافة انسانية رفيعة جداً هي التي تسمح لفتاة كردية أن تصبح أهم زعيمة نسائية سويدية، هذا مع التذكير أنّ كرديا هو الذي قام في حينه باغتيال أولف بالمه، زعيم الحزب التاريخي الذي ما زال السويديون يبكونه، وقد أطلق سراح القاتل لاحقاً لشبهة التضارب في بعض الشهادات!

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تعصب و انغلاق (معاذ التكروري)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    ما لفت انتباهي هو ان المجتمع الذي يخو من مرض العنصرية و التعصب يثري نفسه و تطور بستمرار الى ان يناهز الكمال
    و قد تذكرت انفسنا كيف اننا و رغم تخلفنا الشديد عنصريون و متعصبون الا من رحم ربي
    المجتمع المثالي:
    مجتمع ديموقراطي علماني منفتح
  • »سؤال (علي محمد)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    الاخ جميل هل لك ان تطلعنا عن نتائج الزيارة لالمانيا وهل هناك ضرورة لارسال وفد وهناك سفارة تستطيع نقل التجربة الالمانية؟؟ هل هناك ضرورة لهذه المصاريف.

    ولك الشكر
  • »الوطن والامومة (يوسف العواد)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    ما لفت نظري في هذه القصة البعد الانساني والذي وصفته بالثقافة الانسانية الرفيعة جدا.وما احوجنا ان نأخذ العبرة .فالانتماء والاخلاص للمكان التي يعيش فيها الانسان مع احتفاظه واعتزازه بهويته هو قمة الانسانية.الام التي تلد هي ام و التي تربي وترعى هي ام ايضا.
  • »إلى جميل (قيس البياري)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    عالمي يا أبو أمير .
  • »الى كاتبنا الكبير جميل النمري (محمد ماهر الناصر)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    الاستاذ جميل النمري
    دائما و ابدا من مقالاتك القيمه وطنيتك و عروبتك و قوميتك . اتمنى من الله عز و جل ان يوفقك
  • »معلومة رائعة جدا (mustafa)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009.
    دائما تتحفنا بمقالاتك فعلا انت اكثر من رائع