إبراهيم غرايبة

الحداثة الغربية والصدمة التي لم تتوقف

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

منذ أفاق المسلمون من ذهولهم في القرن الثامن عشر ليكتشفوا حقيقة التفوق الغربي وهم يتعاملون برد فعل متطرف في الاتجاهين، المواجهة والرفض أو الانبهار، وفي عرضه لقصة المسلمين والعرب مع الحداثة الغربية يذكر برنارد لويس أن المسلمين كانوا يحتقرون الغرب ولا يأبهون بالجهود الحثيثة التي يبذلها للنهضة والتقدم، وعندما أفاقوا على صدمة التفوق التقني في بداية القرن الثامن عشر كان الغرب قد سبقهم بأربعمائة سنة في التقدم العلمي، وبدأ التأثير الغربي يغزو الشرق من مدخل التقنية.

عرف الشرق الساعة الميكانيكية التي يصنعها الغرب لقياس الزمن بدقة تتفوق على الوسائل التي كانت تستخدم في الشرق، كان ذلك في القرن السادس عشر الميلادي، ثم المطبعة والنظارات الطبية والتلسكوب والآلات الموسيقية ذات المفاتيح مثل البيانو.

وربما يكون التاريخ الحديث للشرق الأوسط بدأ عام 1798 مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون، حيث أخضعت للمرة الأولى إحدى الدول في قلب ديار الإسلام لحكم دولة أجنبية، وبدأت مظاهر التغير الثقافي في الشرق.

وبدأ الحكام في الآستانة والقاهرة يستعينون بالغرب لتحديث دولهم وجيوشهم، فقد استقدم الخبراء العسكريون الغربيون في عمليات إعادة تنظيم الجيش، واستخدمت أنظمة الإدارة الغربية، والأسلحة الغربية، وأرسلت البعثات التعليمية إلى الغرب لاقتباس العلوم الغربية (الإفرنجية).

وبدأ تذوق الموسيقى الغربية والفنون الغربية أيضا، وانتشر اللباس الغربي وأنظمة العمارة في البيوت والقصور والمباني العامة، حتى المساجد صارت تبنى على الطراز المعماري الغربي.

وعندما يظهر تأثير أجنبي في شيء ذي أهمية جوهرية لثقافة ما مثل المؤسسات والمساجد، فهذا يعني أن الثقة بالنفس ثقافيا قد اهتزت.

كان التأثير البصري الغربي طاغيا، بدأ في اللوحات الفنية والصور الشمسية ثم في اللباس، وكان لذلك تأثير على الهوية والمعتقدات، فالصور والتماثيل التي كانت محرمة في الثقافة الإسلامية صارت شائعة في القصور والمطبوعات والنقد وطوابع البريد.

وبدأ التغيير في الجيوش التي صارت جميعها ترتدي أزياء غربية، ثم امتد تغيير اللباس إلى المجتمعات، وعندما يغير الناس ملابسهم ويرتدون ملابس مجتمع آخر يكونون قد اتخذوا خيارا ثقافيا آخر، وقد تكون مقاومة أو قبول تغيير الملابس والذي ظل موضع جدال في الشرق أكثر من قرنين تستند إلى هذه الدلالة.

وبدأت الترجمة تشهد مسارا مختلفا عما عهدته طوال القرون الماضية، فقد بدأت ترجمة الروايات والمسرحيات، واتجهت الترجمة نحو اللغات الغربية، وانحسرت اللغة الفارسية والتركية من الوسط العربي، كما انحسرت العربية من الأوساط الإيرانية والتركية.

واقتبست بلدان الشرق الأوسط الأنواع الأدبية الأوروبية مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية واستوعبت في الشرق استيعابا كاملا. وزادت أعداد الكتب الأصيلة من هذه الأنواع التي تصدر في هذه البلدان، بل لقد أصبحت هذه هي الأنواع الأدبية المعتادة للتعبير، وامتد التأثير إلى النسيج اللغوي نفسه، حتى أن الكتابات العربية الحديثة والأصيلة في الشرق الأوسط، وبخاصة في الصحف، تبدو وكأنها ترجمة حرفية من الإنجليزية والفرنسية.

وامتد التأثير الثقافي إلى التسلية والترفيه، فانتشرت ألعاب الورق، والألعاب الرياضية البدنية، مثل كرة القدم والسلة والبولو.

وأصبح العالم الإسلامي اليوم إذا ما قورن بالعالم المسيحي الذي دأب على منافسته طوال ألف عام فقيرا ضعيفا وجاهلا، وتبدى للجميع في القرنين التاسع عشر والعشرين تفوق الغرب وهيمنته، فقد غزي العالم الإسلامي في كل جوانب حياته العامة والخاصة.

وكان دعاة الإصلاح والتحديث يركزون جهودهم في ثلاثة مجالات رئيسية هي المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، فقد أدى السعي إلى النصر بجيوش محدثة إلى سلسلة من الهزائم المهينة، وأدى السعي إلى الرخاء عن طريق التنمية الحديثة إلى الفقر والفساد والاعتماد على المساعدات الخارجية.

ولم تساعد الجيوش ولا المدارس والجامعات والمصانع والبرلمانات دول الشرق ومجتمعاتها، ولا أوقفت الفجوة بين العالم الإسلامي وبين الغرب، وكل ما عملته أنها ساعدت بعض النخب.

ولم يقتصر الأمر على أن يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء وفقراء بعد قرون من الثراء والقوة، فقد أتى القرن العشرون بمزيد من الإذلال والهزائم، وتقدمت عليهم دول أخرى كانت أضعف وأفقر مثل اليابان ودول شرق آسيا.

كانت إجابة السؤال أين الخلل؟ متنوعة ومختلفة، فقد حُمّل المغول والأتراك والاستعمار الغربي واليهود مسؤولية التخلف والضعف، وأعادها البعض إلى أسباب ثقافية وفكرية تعود إلى التخلي عن الثقافة الإسلامية والركض وراء الثقافة الغربية.

ولكن أعدادا متزايدة من أبناء الشرق الأوسط تتحول إلى موقف النقد الذاتي، فكان السؤال الأساسي: أين الخطأ؟ وكيف نصحح؟

إن المراقب الغربي يعتقد أن متاعب العالم الإسلامي مردها إلى غياب الحرية: حرية التفكير وحرية الاختيار، وحرية الاقتصاد، وحرية المرأة.

وأيا كان السبب وأيا كانت الإجابة فإذا استطاعت شعوب الشرق الأوسط أن تطرح إحساسها بالظلم وتسوي خلافاتها وتعمل على تكاتف طاقاتها ومواهبها ومواردها لتحقيق أهداف نهضوية مشتركة، فسوف تستطيع من جديد أن تعيد الشرق الأوسط إلى ما كان عليه في الأزمان الغابرة من تفوق وازدهار ومركز رئيسي للحضارة. والاختيار بأيدي هذه الشعوب.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق