محمد أبو رمان

قراءة في خطاب فتحي يكن حول "الإصلاح السياسي"

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

رحيل "المحامي التاريخي" عن جماعة الإخوان

رحل فتحي يكن وهو أحد أبرز القيادات الإخوانية، الذين ساهمت كتاباتهم في تعزيز الأدبيات المتعلقة بالحركة ومسارها العام، وشكلت جزءاً من المناهج التي تدرس داخل الجماعة، ليس في لبنان وحده، حيث كان لسنوات طويلة زعيم الإخوان هناك، بل في الأطر التنظيمية العالمية، قبل أن يستقل مؤخراً بحزب إسلامي جديد خرج به من رحم الجماعة الإسلامية (إخوان لبنان) على أثر خلافات سياسية داخلية.

ومع أنّ يكن يحافظ على الإطار العام لرؤية الإصلاح السياسي الإخوانية، الذي يقوم على المراحل الثلاث (التعريف، التكوين، التنفيذ) وعلى السياسة التدريجية بالانتقال من الفرد إلى الأسرة فالمجتمع ثم الحكومة الإسلامية، إلا أنّه يطعّم هذه المراحل، خلال السنوات الطويلة التي استمر في الكتابة فيها، ما بين التأثر برؤية سيد قطب (التأكيد على حيوية وأهمية مفهوم الحاكمية الإلهية) وبين الابتعاد تدريجياً خلال الفترات الأخيرة باتجاه "نقد جزئي" لأفكار قطب والاقتراب أكثر من العمل السياسي العام المعلن، القائم على الاندماج في مؤسسات الدولة والمجتمع.

ولعلّ السمة الأساسية لمساهمة يكن في الخطاب الإخواني (في موضوعة الإصلاح السياسي) تتمثل في سعيه الدائم لتوضيح "المناطق الرمادية" وملء "المساحات الخالية" في هذا الخطاب، وإن اختلفت ضمنياً رؤيته تبعاً لتحولاته الفكرية والسياسية الانسيابية.

كان يكن على الدوام محاميا ومترافعا عالي الصوت عن جماعة الإخوان والهيكل العام لتصورها الإصلاحي، والذي يقوم على بناء حركة إسلامية تقوم بالدعوة إلى شمولية الإسلام وزيادة تأثيره وحضوره في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتهدف إلى إقامة حكومة إسلامية تتمثل هذه المبادئ.

وفي سياق هذه المهمة، يراجع يكن في كتاباته أغلب التصورات الإصلاحية الإسلامية الحديثة والمعاصرة، محدّداً تموضع المشروع الإخواني بينها، ومفضلاً له على أغلبها.

وهنا بيت القصيد، ذلك أنّ يكن يعرّف سمات المشروع الإخواني وتصوره للإصلاح السياسي مقارنةً مع المشاريع الأخرى، مما يوضح بصورة جيّدة طبيعة الاختلافات والسجالات في دوائر العمل الإسلامي. فالمشروع الإخواني يقوم على الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل، يقابله مشروع الوعظ والإرشاد (جماعة التبليغ)، والمقاومة المسلحة (تجربة القسام)، ومشروع التثقيف ونشر الأفكار (حزب التحرير) .

أمّا سمات المشروع الإخواني في التقابل مع مقاربة الخميني "العُلمائية الجماهيرية" ومقاربة سيد قطب "الاصطفائية- المثالية"، فتتبدّى في أنّه يجمع بين النخبوية والجماهيرية، ويوازن بينهما. ويلاحظ في هذا التصنيف تفريق يكن الصريح بين تصور البنا وسيد قطب لاستراتيجيات التغيير أو الإصلاح السياسي، موضحاً أنّ مقاربة قطب كانت تحت ضغط المحنة والتأثر الوجداني النفسي بها.

من "الانقلابية الشمولية" إلى "النضال الدستوري"

يصر يكن على أنّ الإسلام منهج انقلابي، بالمعنى الشمولي للمفهوم، إذ لا يقبل التصالح مع النظم الجاهلية ولا الالتقاء معها في منتصف الطريق، أو القبول بأنصاف الحلول، ويقوم على إعادة صوغ الفرد والمجتمع والحكومة الإسلامية وفق عقيدة ونظم وقيم الشريعة الإسلامية كاملة.

يوضح يكن ذلك "إنّ الصفة الأساسية التي يجب أن تتصف بها الحركة الإسلامية المنشودة هي (الانقلابية) فالإسلام منهج انقلابي وليس منهجاً ترقيعياً.. وتحقيق المنهج الانقلابي يحتم بالتالي قيام تجمع حركي انقلابي، ويعيّن على الحركة التي تتصدر للعمل الإسلامي أن تكون في مستوى تحقيق الانقلاب الإسلامي وعياً ونهجاً وكفاية. إنّ الحركة الإسلامية أحوج ما تكون إلى استراتيجية انقلابية تبلغ بها مرحلة التنفيذ العملي لأهدافها ومبادئها..".

بل ويمضي يكن في تعريفه للنهج الانقلابي إلى مرحلة يتجاوز فيها رؤية البنا، الذي لا يشترط أن تتسلم الحركة الإسلامية نفسها الحكم، بينما يكن يرى أنّها لا يجوز أن تزهد في ذلك، باعتبارها المؤهلة لهذه المسؤولية.

ويأخذ يكن على منهج الحركة الإسلامية عدم تبنيه "أسلوبا معينا لاستلام الحكم"، وعدم وضوح "الطريق الأقوم لإقامة الدولة الإسلامية وتحقيق الانقلاب الإسلامي". بل ويطالب الحركة الإسلامية بإيجاد "موطئ قدم" للإسلام يقدم من خلاله "النموذج للمجتمع المسلم" .

في ذلك الوقت، بداية السبعينيات، (وهو ما يستمر خلال مرحلة الثمانينيات) كان يكن يصف لنا الواقع السياسي العربي بأنه يخضع لأنظمة حزبية بوليسية تتآمر على الإسلام، لا تقبل بـ"النشاطات الحزبية"، مما يفسر لنا مأخذه على الحركة الإسلامية في المبالغة بالحذر في استخدام القوة في التغيير.

في مرحلة لاحقة، يعود يكن نفسه، في كتابه "قطوف شائكة في حقل التجارب الإسلامية" (2007)، بإعادة تعريف مفهوم التغيير الجذري والإصلاح التدرجي، فيضع الأول في قالب القيم العليا والهدف النهائي للحركة الإسلامي، بينما يضع الثاني في سياق الشروط والأدوات والأساليب التي تستخدمها الحركة للوصول إلى هذا الهدف.

الإسلام، وفقاً ليكن، يجمع بين المنهجيتين؛ التغييري (لا يقبل بأنصاف الحلول، أو الترقيع والتجميل للواقع) والإصلاحي التدرجي في الوسائل والمراحل، بما يخدم هدف التغيير العام. ثم يعود مرة أخرى إلى تصور البنا لهذه العلاقة، بتقسيم مراحل الدعوة إلى ثلاث (التعريف، التكوين، والتنفيذ) من خلال دعوة العامة والخاصة واستخدام وسائل متعددة في الإصلاح.

المفارقة، هنا، في استدعاء يكن لرسائل البنا وتوضيحه لتصور الإخوان الإصلاحي أنه يعيدنا إلى عدم إصرار البنا على تولي الحركة الإسلامية الحكم بنفسها، مع توافر فرصة تقديم الحركة الإسلامية لبرامجها في إصلاح المجتمع والدولة والتشريعات.

 من صلب هذه النصوص يطرح يكن مقاربة "النضال الدستوري" التي تقوم على العمل داخل مؤسسات الدولة لتعديل وتغيير التشريعات لتتوافق مع الشريعة الإسلامية.

وفي الوقت الذي يتابع يكن منهجية البنا في عدم استخدام القوة، إلاّ عند الاضطرار، ووفق شروط وضوابط معينة، وبعد استكمال الأدوات والوسائل السلمية، فإنه يعيد التأكيد على رفض مبدأ "الثورة" والإصرار على الإصلاح التدريجي.

كما سبقت الإشارة، فإنّ يكن كان حريصاً في جميع كتاباته على الالتزام بالهيكل العام لتصور البنا لعملية الإصلاح السياسي، بيد أنّ تغير الظروف والشروط والمعطيات التاريخية بين السنوات الأخيرة وبين سني السبعينات والثمانينات قلل وحدّ من انحياز يكن لأفكار قطب (المتمسكة بالتغيير الجذري في الوسائل والغايات) وأعاده إلى قراءة رسائل البنا في سياق الوسائل الإصلاحية المعلنة والمتعددة، فيما يخدم هدفها النهائي "التغيير الجذري".

وفي سياق نزع الالتباس أو فك الاشتباك بين مفهومي التغيير والإصلاح، فإنّ يكن يقدم تصوره أيضاً للعلاقة بين مفهومي المبدئية والمرحلية في الإصلاح، فالأولى تعني التزام الحركة بأهدافها وقيمها وعدم التنازل عنها، والثانية تتيح للحركة التدرج والانتقال من مرحلة إلى أخرى للوصول إلى تلك الغايات.

المشاركة السياسية: كيف ولماذا؟

 مثلت قضية المشاركة السياسية موضوعاً جدلياً في أوساط جماعة الإخوان المسلمين، خلال السنوات السابقة، بين من يتشدد في شروطها ويغلِّب الجانب الدعوي المبدئي عليها (إقامة الدولة الإسلامية) والميل إلى "مفاصلة" النظم العربية باعتبارها غير إسلامية، بذريعة أنّ المشاركة ستؤدي إلى التنازل عن التمسك الكامل بالمبادئ وبين اتجاه يدفع نحو المشاركة في أوسع صورها، والدخول في قلب النظم والحكومات لإحداث التغيير من الداخل.

 وشهدت الجماعة حالات من الشد والجذب في هذه القضية، بين اتجاه وُصف بالأيديولوجي (أو المتشدد) واتجاه آخر وُصف بالعملي (البراغماتي)، وقد تموضع بين هذين الاتجاهين طيف متعدد من المقاربات والاجتهادات في رسم حدود وصيغ المشاركة وأبعادها وأهدافها، بين من يجيز المشاركة فقط في السلطة التشريعية لتغيير التشريعات والقوانين، وبين من يسوِّغ المشاركة في السلطة التنفيذية والحكومات لتحقيق مكاسب سياسية عديدة.  

في السياق يقدم يكن رؤيته التي تقوم على موازنات بين الاعتبارات الأيديولوجية والفكرية الرئيسة (التغيير الجذري والمنهج الانقلابي) وبين الاعتبارات العملية والواقعية. فبينما يقر بأنّ هدف الإسلام إقامة دولة إسلامية واضحة المعالم (لا تشترك فيها مع الإسلام مناهج أخرى)، مع التأكيد كذلك على عدم المساهمة في "ترقيع" مشكلات وأزمات النظم الجاهلية وعدم البحث عن حلول لها، بل العمل على تعريتها وبيان ضعفها، إلاّ أن ذلك في الوقت نفسه لا يعني أن يبقى المسلمون مستضعفين مظلومين، لا يسعون إلى رفع الظلم عنهم.

ويوضح يكن أنّ المشاركة السياسية تُمكّن المسلمين من الدفاع عن أنفسهم وتحسين ظروفهم وامتلاك أسباب القوة لتحقيق مشروعهم وأهدافهم العامة، مستذكراً "حلف الفضول" الذي عُقِد في الجاهلية قبل الإسلام، وقال عنه الرسول: "لو أُدع به في الإسلام لأجبت".

فهذه المشاركة، وفقاً ليكن، "لا تعني مشاركة الإسلام للنظم الوضعية في الحكم، كما أنّها ليست البديل عن (الحكم الإسلامي)" .

ربما ما يستدعي التوضيح أنّ يكن وفي مرافعته عن "المشاركة السياسية" كان يستخدم مصطلح المسلمين وليس الحركة الإسلامية أو الإسلاميين، بيد أنّ هذا يُقرأ في سياق حديثه عن "الحالة اللبنانية" التي تتضمن طوائف وأديانا متعددة، أي في مطالبته المسلمين بالاندماج في النظام السياسي اللبناني وعدم الاستنكاف عن ذلك باعتباره ليس نظاماً إسلامياً خالصاً.

الإشارة الأخرى، أنّ يكن، وفي معرض تعريفه للحالة اللبنانية، يقر أنّ هذه الحالة التي تتضمن تعدداً وتنوعاً حضارياً وثقافياً ودينياً لا تصلح لإقامة حكم عقائدي، كما أنّ الواقع اللبناني (من حيث بنيته البشرية والاقتصادية) ليست فيه "مقومات الدولة، فكيف إذا كانت عقائدية؟".

ومن ذلك، يصل يكن إلى أنّ ذلك "يفرض أن يكون العمل الإسلامي كله في حدود الساحة اللبنانية مرحلياً"، ويضع مساحاته في سياق أهداف متعددة، من دون إقامة دولة إسلامية، كحماية وحدة لبنان وتحقيق التوازن الطائفي في مؤسسات الدولة ومواجهة الانحراف الأخلاقي ..

ربما تذكّرنا مقاربة يكن اللبنانية بمقاربة شقيقتها في الساحة الأردنية، إذ تشير مقاربة مشابهة إلى عدم طموح الجماعة بإقامة دولة إسلامية في الأردن والاكتفاء بأهداف وسيطة أو جزئية ضمن المشروع السياسي العام، لاعتبارات قريبة، من ضمنها عدم امتلاك الأردن لمقومات تؤهله لاحتضان دولة إسلامية.

وقد يشي هذا وذاك بوجود تصور لدى الإخوان المسلمين حول الدول المؤهلة لإقامة الدولة الإسلامية التي تطمح إليها الجماعة، ومن ذلك امتلاك مقومات جغرافية وسكانية واجتماعية وسياسية كفيلة بتوفير شروط وعوامل القوة لهذه الدولة.  

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • ».... (الرازي)

    الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2009.
    رحم الله الشيخ الدكتور فتحي يكن الذي بكاتابته المتعددة على مر حياته حاول أن يزرع قيمة الحركة الإسلامية في نفوسنا، لم يتخلى يوما عن دورة التربوي في خدمة الدعوة لم يخرج يوما واحدا من عباءة الاستاذ الشهيد حسن البنا ، واعلم يا سيد ابورمان وانا متيقن أنك قرأت له كثيرا ولا أشك في هذا،أنه لم يقع في دائرة الوهم التي يوحي بها البعض عن خلاف في رؤية البنا وقطب رحمهما الله ، لم يخرج عن الأطار العام للجماعة ولو أنه خرج بحزب سياسي بعيدا عن الجماعة
    لقد نظر الأمام البنا للدعوة والجماة في البداية مرحلة التعريف وتحديد الهوية وإظهار الذات للجماعة ونظر الشهيد سيد قطب للحركة الاسلامية مرحلة التكوين وواصل يكن والراشد وكثير من المنظرين والمفكرين للحركة الأسلامية التي لا زالت في مرحلة العمل المتواصل مع التكوين المتجدد