محمد أبو رمان

المقدسي يستأنف مراجعاته

تم نشره في الاثنين 15 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

يقطع أحد أبرز منظِّري "السلفية الجهادية" والقاعدة في العالم، أبو محمد المقدسي، شوطاً آخر في "المراجعات"، التي بدأها منذ سنوات، مع التيار الجهادي، الذي أسسه بنفسه في الأردن، لكنه اختلف لاحقاً مع زميله أبو مصعب الزرقاوي في توجه التيار ومساره العام.

في الحوار الذي أجرته الزميلة السبيل مؤخراً معه يسجل الرجل نقاطاً إضافية أكثر جرأة بالقطيعة مع ميراث الزرقاوي والمجموعة التي ما تزال مؤيدة له ولنهجه، ويأخذ الخطاب (في الحوار) بدرجة أكبر وأقرب إلى مراجعات الجماعة الإسلامية والجهاد في مصر. وكانت تلك المراجعات بمثابة المفتاح الذهبي الذي أخرج مصر من حمأة العنف الأعمى والقلق الأمني المستمر، وأنقذ مستقبل آلاف الشباب من قبضة خطاب العنف والتطرف.

لتجاوز ما حصل مع المقدسي عند خروجه في المرة السابقة، يبدو أنه طُلب منه عدم الحديث مع وسائل الإعلام، وتجنب بالفعل المقابلات والتصريحات الإعلامية، حتى نُشرت مقابلة السبيل معه، والتي من الواضح أنّها جاءت في سياق متفق عليه ويخدم الدور التصحيحي الذي يمكن أن يؤديه.

بالرغم من "الحجب الإعلامي" إلاّ أنّ موقع المقدسي على شبكة الانترنت بقي فاعلاً ومؤثراً، فيما وجد الرجل خصومة شديدة من الممسكين بمنهج الزرقاوي في تيار الأردن، وإن كان أغلبهم غير معروفين إعلامياً، ويستخدمون ألقابا مستعارة، ويكيلون الهجوم على المقدسي وبعض المقربين منه، ويشيرون إلى الخلاف بينه وبين الزرقاوي، مستمسكين بمنهج الأخير.

المفارقة أنّ أحد المواقع الإلكترونية، الذي تخصص في الهجوم على المقدسي هو "مداد السيوف" إذ تنشر فيه مجموعة من كتابات خصوم الرجل، قد تعرض لمحاولات "حجب" على شبكة الانترنت، خلال الفترة الماضية. فيما صدر بيان وقع عليه عدد كبير من أنصار "السلفية الجهادية" في الأردن يؤيدون فيه المقدسي وخطه في مواجهة "التيار المتشدد" الذي يتهم المقدسي ويشكك فيه.

تمكّن المقدسي من كسب الجولة الأولى من المعركة مع "ورثة الزرقاوي"، بتأكيده على رفض العمل المسلّح في الأردن، ومحاربة ظواهر "المغالاة" في تكفير المجتمع وموظفي الدولة، لكنه ما يزال يقف على الأرض نفسها من تكفير الحكومات، التي لا تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، ويرفض الديمقراطية والعمل العام ضمن السقوف القانونية المتاحة.

بالرغم من ذلك، فإنّ مقابلة المقدسي الأخيرة مع السبيل تقدم مواقف ممتازة أكثر وضوحاً وحسماً في رفض تكفير العلماء السلفيين المعروفين (ابن باز، ابن عثيمين، الألباني)، وفي حرمة الدم المسلم، وعدم التهاون بدماء المسلمين في التفجيرات التي تقوم بها جماعات مرتبطة بالقاعدة هنا وهناك، وكذلك بإصدار فتوى بحرمة خطف مندوبي المؤسسات الإنسانية، وحرمة تفجير مقر الصليب الأحمر، ورفض تفجير الكنائس ودور السينما وقتل الشيعة وسرقة البنوك والمصالح التجارية، ونصيجة الشباب المنتمي لهذا التيار بالتعلم والتفقه بالدين.

المطلوب أن يتطور الحوار مع المقدسي من مستوى السبق الصحافي الإعلامي إلى تولي شخصيات إسلامية على قدر كبير من الأهلية العلمية والفقهية والفكرية مناقشته في جزء من أفكاره الرئيسة، التي قامت عليها أيديولوجيا التيار الجهادي، بخاصة أن الرجل ما يزال يمتلك حضوراً وشرعية في دوائر التيار في العديد من دول العالم.

من المعروف أنّ هنالك جهات عديدة خارجية كانت متخوفة ورافضة لإطلاق سراح المقدسي، لكن مع مرور الوقت يثبت أن ذلك القرار كان صائباً وفي محله، بخاصة أن المحكمة برأت الرجل من التهم المنسوبة إليه.

الاستراتيجية الأمنية في مواجهة "الراديكالية الإسلامية" بمثابة حل علاجي. لكن الحوار الثقافي والفكري والفقهي يمثل "حلاًّ وقائياً" يجنب البلاد مظنات العنف، ويكسب حلفاء جددا في مواجهة خطاب العنف والتطرف.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق